فيلم «البحر البعيد»… حكايات مغاربية عن الغربة والمنفى

الهجرة.. هذا القريب البعيد، هذا الموضوع الذي يشكل جزءا مهما من الفيلموغرافيا المغربية، تتعدّد فيه المقاربات باختلاف الأفلام والأجيال والأوضاع، رغم ذلك لم تنجح سوى أفلام قليلة في القبض على الجزء المنفلت منه، أي الجزء الصّعب المتعلق بالإنسان ومآلاته، العاطفة والفراغ الناتج عن البعد والفراق، المعنى المزدوج لكلمة غربة؛ السهل في التداول اليومي القاسي في وقعه على من خبر مرارته، بين هذا وذاك، يأتي فيلم « البحر البعيد» (2025) الفيلم الطويل الثاني لسعيد حميش (1986) أحد المقترحات الحديثة لهذه الثيمة المتمنّعة، بكثير من التفكير في جوانب تخصّ الإنسان تحديدا.
أشياء كثيرة، منها الذاتي ومنها الموضوعي، قادت المخرج إلى فيلمه، فعلاقته بموضوع الهجرة نابعة من تجربته، فقد غادر المغرب صغيرا، ليلتحق بوالده في جنوب فرنسا، والده كان عاملا في حقول الكروم، ما جعله يختبر الاغترب مبكرا. في إحدى مقابلاته صرّح بأن هذا المنفى (يترسّب فيك بطريقة لا واعية)، أي أن أثره يتجاوز الذاكرة إلى دواخل الإنسان. لذلك سيتّخذ مساره المهني منحى تتضح فيه ثيمة الهجرة، منذ فيلمه الطويل الأوّل «العودة إلى بولين» 2018، هذه الخبرة دفعت المخرج إلى النظر بعمق إلى موضوع الهجرة وتحويله إلى فيلم طويل النفس، وعميق المعنى، أقرب إلى سلوى أو تعزية ذاتية وجماعية تتوزع على عقد كامل من الزمن (1990–2000).
يأتي «البحر البعيد» ليسترجع جزءا من ذاك الزّمن، من خلال تتبّع مسار شاب مغربي يدعى «نور» يصل إلى الجنوب الفرنسي (مدينة مرسيليا) بحثا عن حياة أفضل، لا تصير الهجرة محرّكا أحاديا للفيلم، بل فعل الزمن الممتد، الذي يخلط أوراق شّلة من الأصحاب ويدفعهم نحو مسارات تتقاطع فيها مصائرهم، بعضهم يرحّل، والبعض يختفي، فيما يتزوج آخرون ضدا على ارادتهم ودون اقتناع أو حب، بل فقط لتحصيل وثائق الإقامة. بينما يبقى نور ممزقا بين الرغبة في الانتماء إلى واقع مختلف ثقافيا ومحاولة الحفاظ على صلته مع وطنه، ليظل عالقا وسط حالة تشظ وتمزق، إلى جانب شخصية « نور»، يرسم الفيلم لوحات إنسانية لشخصيات مثل فاضلة وحسين وخالد، تجسّد بدورها وجوها مختلفة للمنفى: الحلم المجهض، التنازل من أجل البقاء، أو الانكسار أمام واقع قاسٍ.


تنقسم الحكاية إلى فصول تحمل أسماء الشخصيات (نور، سيرج، نومي…) ليؤكد أنّ الهجرة ليست قصة فرد واحد، بل مجموعة من التجارب المتقاطعة. تنجح الكتابة في تحويل مسار السرد نحو توتر من نوع فريد، فبقدر ما تستطيع الشخصيات تحقيق استقرار زائف؛ كل شخصية تحققه بطريقة ما، لكن تنتزع معه قطعة عاطفة كبيرة تزيد معها المعاناة والبعد بين الأصحاب؛ الارتباط دون عاطفة في حالة فضيلة، زواج المصلحة لخالد، ونور الذي ينجح في الحصول على الجنسية، لكن رغم ذلك يزيد صراعه الداخلي، بل يختبر حياة جديدة فارغة رغم ما تبدو عليه، في لحظة سكر كاد أن يحرق جواز السفر الأجنبي. أما حسين، الشخصية التي لم ننتبه لها في البداية، فهي شخصية مفتاحية في الفيلم برمّته، نموذج لمن فوّت الموعد مع الحياة، حتّى في لحظة خطوبته يأتي ثملا ليفسد المناسبة برمتها.
في زيارة نور له، تزداد حياته هشاشة، فحلم غناء الراي تحوّل إلى عمل موسمي في مزارع الكروم، كلّ شيء من حوله ينهار، في أجمل مشاهد الفيلم، يتعزز معنى ضياعه يحكي لنور: (هل تذكر الحاج المغربي الذي كان يشتغل معنا؟ كان ينام بالكاد 3 أو 4 ساعات ويعمل 13 أو 14 ساعة، وعندما يزور المغرب، يزوره فقط لكي يجني محصول الزيتون. في مرة، أردنا أن نشاكسه وضعنا له منوما كي يتأخر عن العمل، في الغد على الساعة العاشرة كنا نضحك، لأنّه فوّت العمل، لكن الرجل لم ينهض، لم ينهض أبدا. وأنا الآن مثله، لا استطيع النهوض، ينتهي الفيلم على الايقاع الذي يتركه لديك هذا المشهد، وجماليا فهو ذروة الكتابة.
في لحظة الفراق بين (نور وحسين) يتدفّق جمال أخاذ، حسين يركب صندوق الشاحنة رافعا يده المهتزّة ويلوح لنور، وهو يعلم أنّ هذا اللقاء قد يكون الأخير، رغم الوعد الذي قطعه، جمال لم تكن لتعبّر عنه وضعية أخرى غير هذه اللوحة! سيارة تسير وسط حقول الكروم وتفرّق بين صديقين قد لا يلتقيان أبدا، لكن الفيلم يتركك تفكر في أمر آخر هو مكانة حسين الجالس في صندوق سيارة النقل، بينما يُجلس رب العمل كلبه على الكرسي الأمامي! أنت هنا تحزن لمكانة حسين الذي قال للتو إنّ الزمن قد فاته وهو غير قادر على شيء، حتى اسمه فهو يغيره كي يناسب العمل وصاحب العمل. من دون هذه الشخصيات لن نفهم شخصية نور، ولا قساوة الحياة وجبروت القدر ولا معنى الهجرة وقسوتها.
يتردّد الراي، من كل جانب، المعنى لا يكتمل بغير هذه الأغاني المنتقاة بعناية، بل يكاد السؤال يسابقك، هل كان بالإمكان صنع الفيلم من دون موسيقى الراي؟ أو على الأقل بقيمته الفنية تلك. الراي حالة خاصّة، تستمع إليه في سياقات مختلفة وعبر وسائط متعدّدة أيضا، كاسيت السيارة، على المباشر في الحانة، أو كخلفية للمشاهد، أجيال متعاقبة من فناني الراي ممن كانوا يسمون الشيوخ، ثم انتقال الوصف إلى الشاب. منذ جينريك البداية تصاحبك الموسيقى، بدأ بموال» بختة» لأحمد الزرقي، ثم تتوالى الأغاني باختلاف أجواء الفيلم، «راني مدمّر» للهواري بن شنت، ونسمعها في لحظة انعطاف تسير معه الشخصيات نحو البعد والفرقة، عبرت عنه كلمات الأغنية؛ الشجن والفقدان والانكسار العاطفي، وهجران الحبيبة. في ما تأتي أغنية «يامّا» للشاب الهندي، لتعزيز معنى البعد عن الوطن وافتقاد الأم والأرض، كما صنعت لحظات ضعف وانكسار شخصية نور، ثم تأتي «نديرك أمور» للشاب نصرو في آخر الفيلم، آخر ما سيسمعه نور والحسين معا، صوت نصرو الحزين يأتي مناسبا لحالة الضياع التي يغرق فيها الصديقان، لكن – وهذه روعة الراي – قدرته على تحصيل كيمياء غريبة بين الحزن والبهجة. نسمع في الفيلم مقطوعات أخرى من بلمو مسعود التي تمزج بين النفس الشعبي والآلة الغربية، لتجسّد انتقال الراي نفسه بين بيئة المنشأ والمهجر. كما يتم توظيف حادث اغتيال الشاب حسني، كنقطة وصول لما تمثله الموسيقى في الفيلم، لجيل التسعينيات ولشخصيات الفيلم. لكن عند استثمار هذا الحادث، يخلف الفيلم موعده مع لحظة كانت لتكون آسرة؛ إذ لم تمر سوى كلمحة عابرة تقع عليها عينا نور على الشاشة من خلال نشرة الأخبار!
وهكذا تغدو الغربة، قدرا مغاربيا مشتركا، وجرحا جماعيا غائرا، يعكس مصير أجيال متعاقبة، تتشابه فيها الخيبات والأحلام المجهضة، والأوجاع المكتومة. ينجح حميش في تحويل قصص عن شخصيات معدودة إلى حكايات كبرى عن الضياع والأمل المفقود، والصداقة التي تتلاشى بفعل جبروت الزمن والحدود.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية