فيلم «لي» استنشاق الأمل من شق الخراب

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تزامن ظهور أفلام السيرة الذاتية مع البدايات الأولى للإنتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين، وما تزال ماكنة الإنتاج السينمائي تستقبل سيناريوهات تعتمد على تقديم السيرة الذاتية لواحد من الشخصيات العامة أو المؤثرة في أي ميدان من ميادين الحياة المهنية والإنسانية، والخيارات في هذا النوع من الأفلام تبقى مفتوحة أمام كتاب السيناريو، حول زاوية الرؤية إلى سيرة الشخصية، فيمكن تناولها من طفولتها حتى مماتها، أو التركيز على جزء من سيرتها، والأمر هنا يرتبط بالقصدية المتوخاة من الإنتاج. ومن الناحية الفنية قد يلتزم السيناريو بالسرد الواقعي أو ينحاز إلى سلطة التخييل بما يتماشى وينسجم مع سيرة الشخصية ولا يتناقض معها، وإلاَّ سيفقد الفيلم مصداقيته وقدرته على التأثير في جمهور المتلقين، خصوصا عندما تكون الشخصية عامة ولها حضور عميق في الوعي والوجدان الجمعي. ولا جدال في أن أفلام السيرة تتمتع بقدر كبير من الاهتمام والاستقبال لدى الجمهور الذي يتطلع كثيرا لمعرفة الكثير عن العوامل والظروف التي كانت وراء تشكيل وتفرد الشخصيات العامة، وطبيعة الصراعات التي خاضتها في حياتها. وأبرز ما تتميز به أفلام السيرة امكانية تقاطع الوقائع بالخيال، بمعنى أن خيال صانع الفيلم أمامه مساحة مفتوحة عندما يعيد تشكيل بعض الأحداث بشكل درامي مؤثر وفي سياق لا يخرج فيه السرد عن المنطق أو يشط عن الحقائق الكامنة في الواقع. وفيلم” لي” إخراج إلين كوراس، سيناريو ليز هانا، جون كولي، ماريون هيوم، من أحدث أفلام السيرة الذاتية المنتجة عام 2024. تتناول حكايته جانبا محددا من حياة المصورة الأمريكية لي ميلر (1907- 1977) التي أدت شخصيتها الممثلة كيت وينسلت، وقد اقتبست أحداثه من سيرتها المدونة في كتاب سبق أن صدر عنها بعنوان “حياة لي ميلر” بقلم ابنها أنتوني بيرنز.
عام 1938 ومع اقتراب شبح الحرب العالمية الثانية كانت لي ميلر مجرد عارضة أزياء أمريكية متقاعدة في الثلاثينيات من عمرها، تقضي إجازة في جنوب فرنسا مع عدد من أصدقائها الفنانين المتحررين، من أصحاب النزعة البوهيمية، يشربون ويرقصون ويمارسون الجنس، ولم يكن يخطر في بالهم أن الحرب باتت على مقربة منهم. في تلك الفترة كانت تعيش حالة قلق حول مستقبلها لأنها لم تعد تصلح لعرض الأزياء، مع أنها كانت في ما مضى عارضة ملهمة تتجسد فيها مقاييس الجمال. وفي إطار بحثها عن عمل تقرر السفر إلى لندن، فتتقدم للحصول على وظيفة مصورة في مجلة “Vogue” التي تهتم بالأزياء والموضة وأوجه الحياة المدنية (جدير بالإشارة صدر العدد الأول من مجلة Vogue في ديسمبر/كانون الثاني عام 1892).
مع اندلاع الحرب واقترابها من انكلترا وتدهور الأوضاع في جبهات القتال، تشعر ميلر بضرورة أن يكون لها دور فعال كمصورة في المجهود الحربي، فتعلن رغبتها في التوجه إلى جبهات القتال، ورغم المحاولات التي تبذلها مديرتها في المجلة لإثنائها عن قرارها إلاّ أنها تفشل في إقناعها بالتراجع. وما إن تصل جبهة الحرب حتى تصطدم بحقيقة التمييز الجنسي الذي يمارس ضدها من قبل العسكر باعتبارها امرأة، إضافة إلى ما تشاهده من فظائع الحرب وأهوالها والتي ستترك في داخلها جروحا عميقة سترافقها طيلة حياتها. لكنها في مقابل ذلك تنجح في التقاط عديد الصور المهمة، والتي تشي عن فطنتها وذكائها وبسالتها، بعد أن اصطادت لقطات للغارات الجوية ومشاهد من القتال ومعسكرات الاعتقال النازية ووجوه لنساء ورجال صادفتهم أثناء الحرب.

الانتقام من الماضي

قبل أن تمتهن التصوير لم تكن تعرف ماذا تريد، لكنها بعد أن تفرغت للتصوير أخذت تعيش حياتها بروح المغامرة انتقاما من ماضيها الذي سبب لها شعورا دائما بالتعاسة، لأنها عانت في طفولتها من عدم اتزان سلوك والدتها التي كانت تقسو عليها كثيرا، لذا تم ارسالها عند أقاربها الذين أحسنوا معاملتها، لكنها تتعرض في غفلة منهم للاغتصاب من قبل رجل كبير من بين أقاربها، وتضطر أن تكتم معاناتها، لأن والدتها كانت تعد ما جرى لها بمثابة فضيحة ينبغي التستر عليها، لذا خضعت لتهديداتها ولم تخبر أحدا، فكان انخراطها في عالم التصوير والذهاب إلى الأماكن التي يعاني فيها البشر من ويلات الحرب دافعه الوقوف مع المقهورين والمقموعين، وأن تكون صوتهم العالي للتعبير عن معاناتهم، ولعل هذه الخاصية هي التي جعلت نتاجها الفني مشحونا بالدراما الإنسانية، لكن المفارقة في حياتها المهنية أن نتاجها من الصور على الرغم من أنه نال اعجاب إدارة المجلة، لم ينشر منه إلاّ عدد قليل جدا مما لا صلة له بالحرب بشكل مباشر، وكان تبرير الإدارة أن ذلك يأتي مراعاة للحالة النفسية المتدهورة لعموم الناس بسبب تداعيات الحرب، وهذا ما جعلها تنهار نفسيا وتندفع في نوبة غضب لتمسك بالمقص وتبدأ بتقطيع وتمزيق الصور العائدة لها.

ما بين الشخصية والممثلة

تشير تقارير عدد من الصحف الأجنبية إلى أن الممثلة كيت وينسلت بذلت ولمدة ثمانية أعوام كل ما تستطيع من أجل تنفيذ مشروع هذا الفيلم بعد أن استهوتها شخصية لي ميلر، كما لو أنها وجدت نفسها فيها، رغم أن ويسلت أكبر منها عمرا، حتى أنها بعد أن بدأت في تنفيذ الفيلم اضطرت إلى أن تدفع أجر أسبوعين لجميع الممثلين وبقية العاملين لأن ميزانية الفيلم كانت صغيرة جدًا مما تسبب ذلك في توقف التصوير لفترة ما. من هنا يمكن النظر إلى ما بدت عليه من تألق ونضج في أداء شخصية ميلر بكل ما فيها من اندفاع وجسارة لتحقيق ما تصبو إليه في حياتها المهنية كمصورة، وما تمتلكه من جرأة في مواجهة التحديات دونما خوف أو تردد، سواء في مواجهة التمييز الجنسي الموجه ضدها أو في عملها كمصورة محترفة لا تقف المخاطر ولا المشاهد البشعة في الحرب عقبة أمام ما ترغب بالتقاطه من صور.

تقنية السرد

اختار السيناريو فترة زمنية كانت مفصلية في حياة ميلر، عندما قررت أن تتطوع للذهاب إلى جبهات القتال، من دون أن يُثقَلَ السرد بتفاصيل أخرى من حياتها البعيدة إلاَّ بالقدر الذي تساهم تلك التفاصيل في تشكيل شخصيتها ونفسيتها على ما أصبحت عليه من تعقيد وحساسية عالية بعد تجربة الحرب. وقد استند السرد على بنية استرجاعية في تعامله مع مسار الزمن، معتمدا في ذلك على مشهد مركزي يجمعها مع ولدها في الأيام الأخيرة من حياتها، يتم العودة إليه بين فترة وأخرى بينما هي تروي حكايتها لابنها الشاب الذي يحاورها على أمل أن يتعرف على جوانب خفية من سيرتها، بعد أن أصبحت متقدمة في السن، ليكون الحوار بينهما مفتاحا لتعرية الماضي، والدخول إلى خفايا أوجاعها الشخصية في طفولتها، والأثر الموجع الذي خلفته مشاهد الحرب في داخلها. ولا جدال في أن الصيغة الاسترجاعية في السرد، والتي تناوب فيها الماضي والحاضر، ليست إلاَّ لعبة قديمة وتقليدية، لطالما استهلكتها السينما في عشرات الأفلام، لكنها تبقى مقبولة بالقدر الذي يحقق فيه السيناريو التأثير الذي يتوخاه على المتلقي، وبدون ذلك يصبح هذا الخيار التقني مملا وعبئا على عملية تلقي الفيلم.

جماليات الصورة

إلى حد ما بدت حبكة الفيلم موفقة في رسم ملامح الشخصية المحورية، وما اتسمت به من جموح وتمرد وشجاعة، رغم الموت الذي واجهته في الحرب. ومن الناحية البصرية توفرت في الفيلم خصائص جمالية في الصورة لتحفيز المتلقي على أن يتفاعل مع الأحداث وجدانيا، وما مرت به الشخصية المحورية من مواقف وتحولات في مشاعرها وقناعاتها. وحسنا فعلت المخرجة عندما كانت حريصة على أن تُؤسس بنية بصرية تتعالق وتتطابق فيها مشاهد الفيلم من حيث التكوين والانشاء مع الصور التي خلفتها ميلر في مسيرتها المهنية. واللافت في سيرتها ما كان عليه حدسها من قدرة على توقع ما هو مهم ومؤثر من الأشياء التي ترصدها بعدسة كاميرتها، وما تمتلكه من حس درامي في معظم صورها، حتى في تلك التي تبدو عادية للوهلة الأولى، وربما يعود ذلك إلى أنها تدربت أثناء إقامتها في باريس قبل الحرب على يد مصور محترف وشهير مثل مان راي (27 آب /أغسطس 1890 – 18 تشرين الثاني /نوفمبر 1976) الذي رافق أبرز رموز الحركة السريالية في الشعر والرسم .
لم يعد يذكرها أحد بعد نهاية الحرب، فطواها النسيان إلى أن ماتت عام 1977 لكنها حظيت بعد موتها بالتقدير الذي تستحقه من قبل الصحافة والنقاد، لمَّا عثر أبنها في مخزن داخل بيتها على كم كبير من الصور التي التقطتها بكامرتها خلال الحرب، وأرفقها بالكتاب الذي دوَّن فيه سيرتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية