فيلم «موت ستالين» الديكتاتور وبهلواناته: هل يمكننا السخرية من الحُكام العرب؟

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: «موت فرد واحد مأساة، موت الملايين مسألة إحصائية». (جوزيف ستالين)
لن يجد الفنان سوى السخرية سلاحاً يواجه به الأنظمة الفاشية والديكتاتورية التي تشوّه المخلوقات، والتي حوّلت الكائنات الإنسانية إلى مجرد قطيع، عليه السمع والطاعة والسير على القواعد التي رسمها المختلون من قبيل ستالين ومَن هم على شاكلته. يأتي فيلم «موت ستالين» ليحكي هذه الفقرة التاريخية في شكل ساخر من السلطة وصاحبها ومّن يحيطونه من شخصيات بدا مدى هزلها، في مقابل صنم يخشى الجميع الاقتراب منه، حتى بعد التأكد من موته. وبالطبع قوبل الفيلم باللعنات من قِبل البعض الذين يخلطون هيبة الدولة وشخص رئيسها، والذين لا يرون أي تفرقة بين تاريخ وسُمعة الدولة وبين شخص سلطوي ومريض نفسي في الأساس. ورغم تشابه هؤلاء المجانين واختلاف أساليبهم، إلا أن الصوت الواحد لم يزل يمتلك قدرة التأثير والسيطرة على أجيال لم تره، فقط قرأت عنه وتناقلت مسامعهم الحكايات حول معجزات وهمية أثبتت الأيام كيف كان يعيش القطيع جحيماً لا يُحتمل. الأمر يتماس أكثر مع زعماء العرب، والذين لم تزل تعيش في ظل تفاهتهم أجيال أخرى، تكاد تؤمن أو تصدق مدى ما يحملونه من بصيرة. هنا تكمن المشكلة التي تعرّض لها الفيلم، وربما هي الأكثر أثراً من العرض الهزلي المقصود، الذي جسد ما كان يدور في كواليس السلطة السوفييتية وقت موت ستالين.

مسخ يحب موتسارت

قبل ساعات من موت جوزيف ستالين (1878 ــ 1953) كان يقوم بالتوقيع على قوائم بأسماء ضحايا جدد يجب التخلص منهم، هذه القوائم التي واظب (لافرينتي بيريا) قائد جهاز شرطة الشعب على تقديمها كواجب مقدس. كذلك أصدر ستالين أوامره بتسجيل أسطوانة للحركة الثالثة من كونشيرتو 23 لموتسارت، والتي استمع إليها عبر راديو موسكو، فما كان من مسؤول الإذاعة إلا أن أصدر أوامره بدوره إلى الفرقة الموسيقية بإعادة عزف المقطوعة، فلم يتم تسجيلها. ورغم انصراف الجمهور، لم يكن سوى استبدالهم ببعض المارين في الشارع، الذين لا يعرفون موتسارت ولم يدخل أحدهم هذا المكان من قبل. وفي الختام كان ستالين مع رفاقه من أعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية في الحزب يشاهدون أحد أفلام الغرب الأمريكي «رعاة البقر» وهي النوعية التي يفضلها الزعيم. وبعد انصراف الجميع يستخرج ستالين الاسطوانة التي وصلته متأخرة بعض الشيء، ليجد رسالة داخلها تثير ضحكه ــ رسالة من إحدى عازفات الفرقة تتمنى موته على أفعاله التي لا تعد ولا تحصى ــ أثناء ذلك يُصاب القائد بأزمة قلبية، فيسقط أرضاً على إثرها وقد فارق الحياة.

الزعيم لا يموت

ورغم استماع جنود الحراسة ارتطام جسد الزعيم بالأرض، إلا إن أحداً لم يتحرك، فأوامر الزعيم ألا يزعجه أحد، وما كان من مديرة المنزل أن تكتشف هذه النهاية صباحاً، حتى يهرع إلى المكان بهلواناته من أمثال جورجي مالينكوف ونيكيتا خروتشوف، وبولغانين، ومولوتوف وزير الشؤون الخارجية، والجنرال غوركي جوكوف بطل الحرب وقائد الجيش الأحمر، إضافة إلى بيريا أول مَن وصل إلى المكان. هنا تبدأ الحركة الهزلية الثانية، فالجميع يخشى الاقتراب من الجسد المُسجى على الأرض غارقاً في بوله، فالزعيم لا يموت، فتتواتر المواقف الساخرة. فعندما حمل الرفاق جسد ستالين لوضعه على السرير علّق أحدهم قائلاً «إنه أثقل مما توقعت» فرد عليه رفيقه «هل تعني أن ستالين ثقيل؟» فاستدرك الأول الفخ، فقال «إنه نوع من المديح فالذهب أيضا ثقيل». كذلك حينما استيقظ ستالين فجأة وأشار بيده، فالتفت الرفاق جميعاً إلى لوحة معلّقة على الجدار، وبدأوا في تأويلها، قائلين «لعله يريد أن يقول إن الحَمَل يرمز إلى الشعب والحليب رمزاً للاشتراكية» دون الانتباه إلى أنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. حتى أنهم لا يجرؤون على لفظ كلمة «موت» ولا يجدون طبيباً ماهراً لتشخيص حالة ستالين، خاصة بعد قيامه بإعدم جميع الأطباء المتميزين، وماذا لو استيقظ ووجدهم قد أتوا له بطبيب عادي، عديم المهارة؟

البهلوانات

ورغم استناد الفيلم إلى العديد من الحوادث والمواقف المُثبتة تاريخياً، إضافة إلى الشخصيات الحقيقية التي عاصرت ذلك الحدث، من موت ستالين والصراع الدموي على السلطة بين الرفاق، إلا أن الفيلم نزع في حدة هالات الجديّة والقداسة والتبجيل حول هذه الشخصيات. فمالينكوف المتردد دوماً، وخليفة ستالين في رئاسة الحزب، يُصر على إحضار الفتاة نفسها التي ظهرت مع ستالين منذ سنوات طويلة في لقطة سكنت مخيلة الشعوب السوفييتية، ذلك رغم تأكيد الجميع أنها كبُرت ولم تعد في صورتها الطفولية القديمة. كما أن خروشوف لا يعدو أن يؤدي فقرة استعراضية لاسترضاء ستالين، ويطلب من زوجته كل ليلة عمل سجل لمزحاته التي انتزعت ضحكات ستالين، واستبعاد التي لم تُضحكه. ويأتي قائد الجيش جوكوف، وكأنه في حالة صخب وصراخ وثقة مفرطة في النفس، أشبه بشخصيات المقاتلين في ألعاب الأطفال الكرتونية. إضافة إلى شخصيتي سفيتلانا ابنة ستالين، المتوترة دوماً، والحزينة على انتحار أمها، وشقيقها فاسيلي مدمن الفودكا، صاحب المزاج الطفولي، الذي لا يستطيع إلقاء خطاب لائق في جنازة والده الزعيم القائد.

المغيّبون

ولكن ماذا عن المواطن العادي، أو كما كانوا يطلقون عليهم (أبناء ستالين) هؤلاء لم يصدقوا موت الزعيم، وخرجوا من مدنهم بالآلاف لحضور الجنازة ورؤية جثمان الزعيم، حتى يصدقوا أن الموت يمكن أن يجرؤ على زيارته. جموع غفيرة من المضحوك عليهم يبكون في الشوارع في لحظات الوداع، غير مصدقين الخدعة. فكيف رغم الجو القمعي الذي يعيشونه يتوافدون هكذا بالآلاف حتى حدود موسكو؟ هنا تكمن المأساة التي لم يستطع الجو الهزلي للفيلم تجاوزها أو التحايل عليها، أو حتى تقديمها في شكل مختلف.
وفي الأخير هل يمكن أن نرى أفلاماً تنتقد النظم العربية الحاكمة وممثليها الهزليين، خاصة وأن لدينا تاريخاً يمكننا من خلاله مجاراة أعتى النظم الشمولية والقمعية في العالم، فلن نقتبس حكاية من هنا وأخرى من هناك كعادة السينما العربية. هل يمكننا رؤية رجال الصف الثاني كيف كانوا وكيف أصبحوا بعد استلامهم السلطة؟ فيلم «موت ستالين» مأخوذ عن رواية مصوّرة بالاسم نفسه للفرنسيين فابيان نوري وتيري روبان. ومن إخراج ليوناردو يانوتشي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية