كان ـ «القدس العربي»: فيلم «ميغالوبوليس» لفرانسيس فورد كوبولا، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته السابعة والسبعين، أكثر الأفلام التي شاهدناها هذا العام، استقطابا وإحداثا للانقسام، فعند انتهاء العرض الصحافي تعالت صيحات الاستهجان بقدر ما تعالى التصفيق، وتراوحت الآراء بين كونه محض ادعاء فكري وتثاقف، إلى أنه فيلم يحمل رؤية ورسالة ووصية أحد أكبر المخرجين للعالم.
ووسط هذا الانقسام الكبير نرجح كفة الرأي القائل إن «ميغالوبوليس» فيلم يحفل بالتجريب والإبداع، ويقدم خلاصة روح وفكر ورسالة فرانسيس فورد كوبولا ورؤيته للعالم. كوبولا، مخرج علامات فارقة في تاريخ السينما مثل «العراب» و«المحادثة» و«نهاية العالم الآن»، في غنى عن محاولات الإبهار، ويكفينا أن نتذكر إرثه السينمائي لنعلم أنه لا حاجة له لإثبات موهبة أو فكر.
«ميغالوبوليس» فيلم ثوري تجريبي مجدد، من حيث الصورة والإخراج، وفي الآن ذاته يحمل خلاصة فكر كوبولا ورؤيته لأمريكا والعالم، وهي رؤية مستقاة من انغماسه الفكري في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، التي يقارن في الفيلم بين مراحل سقوطها وتداعيها مع الولايات المتحدة. في «ميغالوبوليس» يقدم كوبولا فيلما لا يعرف التنازل، لإرضاء جمهور أو المنتجين، فهو فيلم مجنون حاد مبدع فريد متفرد. يرى كوبولا أن التاريخ صالح لتفسير الحاضر واستشراف المستقبل، ولهذا يقدم في هذا الفيلم رؤيته لأمريكا، وفلسفته السياسية والفكرية مستقاة من تاريخ روما العريقة وقادتها وسياسييها. «ميغالوبوليس» التي تمنح الفيلم عنوانه هي مدينة ضخمة، تذكرنا بنيويورك، تتنازعها الأطماع والطموحات السياسية والمصالح المادية للعديد من أصحاب النفوذ، فيها رجل حالم صاحب رؤية استشرافية للمستقبل، يريد أن يزيل عنها الفساد، ويبني مدينة فاضلة تعنى بأهلها وسكانها. مدينة ميغالوبوليس في الفيلم مدينة متخيلة، ولكنها ليست بالخيالية، فهي تحمل صراعات ونزاعات ورؤى وأحلاما لا تنطبق فقط على نيويورك، بل على العديد من الحواضر والعواصم الكبرى في العالم.
قد يجد البعض أن كوبولا يعقد مقارنات سطحية تفتقر إلى العمق، بين روما وتاريخها والواقع الأمريكي، وقد يرون أنه يدعي أو يتثاقف، وقد يرى آخرون أنه يقدم استشرافا فذا لمستقبل الولايات المتحدة، مسترشدا بتاريخ روما، ونرى أن الفيلم حمال أوجه، منفتح على كل هذه التفسيرات، فهو فيلم يحتاج إلى روية وتمهل، ولا يحتاج مشاهدة متسرعة. لا يزخر الفيلم بتاريخ روما وشخوصها فقط، بل بالفن والمعمار والشعر والعلم والفلسفة والحلم. يقدم كوبولا، صاحب الثمانين عاما ونيف، فيلما شابا فتيا فيه من التجريب الكثير تصخب في الرؤى والأحلام والأمنيات والتجارب.

فرانسيس فورد كوبولا وبطا الفيلم أدم درايفر
سيزار كاتالينا (آدم درايفر) هو المهندس المعماري المسؤول عن التخطيط العمراني في مدينة ميغالوبوليس. هو ليس معماريا فقط، ولكنه عالم ومبتكر ومجدد، وهو صاحب اختراع مادة الميغالون، التي حاز جائزة نوبل لابتكارها. مادة الميغالون تلك ذات مرونة وصلابة عالية في آن، ويمكن استخدامها لتطوير المدينة عمرانيا وجماليا، بما يخدم مصالح الناس. ومادة الميغالون تلك لها استخدامات طبية أيضا، يمكنها ترميم الجروح وإصلاح العطب في جسد الإنسان. ولكن سيزار كاتالينا يواجه معارضة كبيرة من فرانكلين سيسيرو، عمدة المدينة (جيانكارولو إسبوزيتو) الذي يرى في استخدام الميغالون إهدارا للوقت والمال، ويريد بناء مجمعات ترفيهية استهلاكية، تجذب أهل المدينة والزائرين وتدعوهم إلى الإنفاق والاستهلاك. أما القطاع المصرفي في المدينة فيتحكم فيه هاملتون دراسيوس (جون فويت)، وهو عم سيزار كاتالينا، وابن دراسيوس هو كلاوديو (شيا لابيف)، الذي يرى في نفوذ سيزار تهديدا لمصالحه، ويود أيضا الاستحواذ على أموال والده المسن. جوليا (نتالي إيمانويل) هي ابنة عمدة المدينة، تشغف حبا بسيزار، رغم سياساته التي تتعارض مع أبيها، وتود أن تقرب وجهات النظر بين الرجلين. في يد هذه الحفنة من الشخصيات المتنفذة، يكمن مصير ميغالوبوليس، وتشتعل بينهم الصراعات للاستحواذ على النفوذ والسلطة، بخلاف سيزار الذي يشغله حقا تحسين حياة أهل المدينة، وجعلها مدينة ذات نظام مواصلات كفء ومعمار هندسي ذي جمالية وكفاءة عاليين.
قد يجد بعض المتبصرين بتاريخ روما، أن كوبولا يقدم رؤية مختزلة لتاريخ هذه المدينة ولتاريخ الإمبراطورية الرومانية. وقد يجد البعض أن محاولات إيجاد مقاربات ومقارنات بين تاريخ روما وحاضر الولايات المتحدة تبسيط للأمور، أو عقد مقارنات تفتقر للأساس الفكري الصحيح، ولكن كوبولا لا يسعى لتقديم عمل تاريخي، بل يستقى من الماضي عبرة ودرسا وتجربة. كل ما يطلبه منك هو محاولة تنحية الانحيازات والأفكار المسبقة جانبا، والإنصات لرؤيته وتأملاته، علك تجد فيها ما ينفع، ويطلق العنان لفكره ولإبداعه السينمائي، فنرى العجب في مدينة ذات تصميم مستقبلي فريد. إنها رؤية عبقري سينمائي بلغ ذروة إبداعه وأطلق العنان لأفكاره وتأملاته، بل إنه في أحد المشاهد يكسر الإيهام بالواقع كلية، ليصعد رجل إلى خشبة المسرح موجها أسئلة لسيزار، الذي يجيب على الشاشة. سائل على المسرح أمامنا ومجيب على الشاشة، ونندهش لما نراه، ولكننا ندرك أن هذا جزء التدفق الإبداعي لكوبولا.
في أحد مشاهد الفيلم يقف سيزار على لوح فولاذي يمثل جزءا من هيكل ناطحة سحاب، بل إنه وحبيبته يتنقلان من لوح إلى آخر على ارتفاع شاهق دون السقوط، بل إنها تطلب من سيزار أن يوقف الزمن فيوقفه. وهذا تحديدا ما يفعله كوبولا مع المشاهد أثناء الفيلم، فهو ينقلنا من ذروة إلى أخرى ومن مشهد مجنون إلى آخر ولا يطلب منا إلا الإصغاء لفلسفته ورؤيته، علنا نوقف الزمن عن الدوران كما فعل سيزار.
يحفل الفيلم بالكثير من العناصر والشخصيات والمؤامرات والمكائد. هناك راو عليم يقص علينا الأحداث ويعقب عليها، نجد اقتباسات من سير شخصيات تاريخية، نجد اقتباسات من «هاملت» لشكسبير. كما نجد علاجات سحرية ترمم أوجه وأجساد من أصيبوا بعطب، وهناك نظام مواصلات يقل الناس كما لو كانوا يحلقون فوق المدينة. نجد مهاجرين وفقراء ونجد أزياء وحفلات ماجنة صاخبة. نجد الغيرة والمكائد والعشق، ونرى تبدل مصالح وتغير ولاءات.
«ميغالوبوليس» فيلم يدعو لإعادة المشاهدة، بل وقد يتطلبها. هو فيلم يمتع العين ويعمل العقل ويحفل بالكثير الكثير. وحتى نستوعب هذا كله علينا التوقف والإصغاء وإمعان النظر والتفكر. وحاله حال الكثير من الأفلام العظيمة، نفرغ من مشاهدة ‹ميغالوبوليس» ولكنه يبقى معنا، يعتمل في فكرنا وذاكرتنا، حتى المشاهدة التالية.