برلين ـ «القدس العربي»: يبدأ فيلم «نار أو حدا السكين» للمخرجة الفرنسية كلير دوني، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين (10 إلى 20 فبراير/شباط الجاري) بمشهد مبهر لمياه بحر صاف هادئ، لا تشوبه شائبة، ولا تعبث به رياح. ونرى في الماء حبيبين يسبحان ويتعانقان في صفاء وعذوبة. الحبيبان هما سارا (جولييت بينوش) وجون (فانسان لاندون).
يبدأ الفيلم بذلك المشهد الهادئ الوادع، كما لو كان حلما أو قصة حب مثالية لا يعكر صفوها شيء. لكن سرعان ما نكتشف أن العلاقة بين الاثنين ليست في هذه البساطة والصفاء، وأن لحظات السعادة العذبة تلك ليست بالأمر الدائم. يتكشف لنا في الفيلم إن المشاعر تكون في كثير من الأحيان ملتبسة ومتقلبة، وأن العلاقات تحمل الكثير من الأسرار.
يكمن ذكاء فيلم دوني في أنه لا يصور لنا الحب أو العلاقات كأمر يسير سهلا واضحا، حيث يجعلنا نتساءل تُرى ماذا سيحدث لهذه العلاقة التي تبدو متينة لو دخلها فجأة حبيب سابق. ترى هل ستبقى سارا على الثقة نفسها من حبها لجون، لو عاد إلى حياتها على حين غرة حبيبها السابق، وترى ماذا سيكون تأثير هذه العودة على جون. هذا الوجه الملتبس الصعب للحب، هو ما تختبره دوني في هذا الفيلم. وعلى الرغم من أن بعض السياقات، مثل الأزمة في لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت أو علاقات الأب والابن، تبدو سطحية التناول، أو تأتي كمجرد إضافة لا تقدم عمقا أو جديدا، إلا أن دوني تمتلك حسا مرهفا، وفهما عميقا لتلك العلاقة الملتبسة بين سارا وزوجها وحبيبها السابق.
بعد لحظات السعادة التي يبدأ بها الفيلم، يعود الزوجان إلى بيتهما في باريس، وإلى عملهما. تعود سارا إلى عملها مذيعة ومقدمة برامج في الإذاعة. وبعيد العطلة البحرية، في طريقها للعمل تلمح من سيغير وجه علاقتها بجون، حيث ترى على حين غرة حبيبها السابق فرانسوا (غريغوار كولان) ذلك الرجل الذي ما زالت تكن له مشاعر حب دفينة رغم أنها لم تره منذ أعوام. تخبرنا تعبيرات وجه سارا حين ترى فرانسوا، التي تجمع بين الحنين واللهفة والحزن والسعادة، أن قصة الحب السابقة تلك باقية مشتعلة، فترى ماذا سيكون تأثير ذلك في علاقتها بجون؟
ويتكشف لنا لاحقا أن الصورة أكثر التباسا وتعقيدا. ففرانسوا، حبيب سارا السابق، صديق عزيز لجون، وأصبح شريكا له في العمل، أي أن العلاقة بين الثلاثة متشابكة، وتعود إلى أعوام طويلة. لا يقدم لنا الفيلم الكثير من التفاصيل عن علاقة سارا السابقة بفرانسوا، قبل أن ترتبط بجون، ولا عن صداقة جون وفرانسوا، ولا عن أسباب دخول جون السجن، الأمر الذي يشار له مرارا في الفيلم دون تقديم المزيد من التفاصيل. وربما تكون هذه المساحات المظلمة من العلاقات في الماضي، وعدم تقديم الفيلم أي تفسير لها نقطة ضعف رئيسية في الفيلم.
مع دخول فرانسوا في حياة سارا، تحاول هي في بادئ الأمر السيطرة على الذات وعدم الانزلاق في علاقة، لكن الحب السابق أقوى من قدرتها على المقاومة. وبينما يحاول جون أن يتعايش مع حبيب زوجته السابق، الذي أصبح شريكا رئيسيا له في العمل، إلا أنه يظن أن علاقته مع سارا أقوى من أن تنهار بفعل عودة حبيبها السابق. تبدأ محاولات الاثنين في التجاهل والإنكار، إلى أن تتأزم الأمور ويصبح الموقف متأزما ينذر بانتهاء علاقة سارا وجون.
تقدم جولييت بينوش أداء مميزا في الفيلم، فهي ذات حضور طاغ، تبدو في لحظات سعادتها، كما لو أنها تملأ الفيلم بهجة وسعادة، وفي لحظات حزنها وانكسارها، كما لو أن قلوبنا ستنفطر لحزنها، أما في لحظات العشق والرغبة، فهي تجسيد للحسية. لكن على الرغم من قصة الحب الرئيسية التي تفرد لها دوني اهتماما كبيرا، نجد أن دوني تناولت الكثير من الشخصيات الجانبية، التي تشغل حيزا كبيرا من زمن الفيلم، دون تعمق، ودون محاولة لتقديم خلفية واضحة للأحداث. نرى على الشاشة مرارا والدة جون وابنه من زيجة سابقة، لكن لا نعرف الكثير عنهما. نرى أن ماركوس، ابن جون من زواجه السابق، أسود البشرة ونعرف أن والدته من جزر المارتينيك، ونشعر بأن دوني أرادت نقاش قضية عزيزة عليها وهي التمييز العنصري، لكنها تقدمها بشكل سطحي تماما ودون أي تعمق فتبدو مقحمة على الفيلم.