الحديث عن سام منديز مخرج فيلم “1917” المرشح وبقوة لنيل الأوسكار هذا العام يعني أننا أمام مخرج يمتلك قدرات ذاتية خاصة لا تجعله يقف عند نقاط مشتركة مع بقية المخرجين. ويمكن القول إنه من فصيلة المواهب الفنية التي تذهب بمشروعها إلى مكان لا يصله إلا من كان يمتلك روح المغامرة لاكتشاف جوانب جمالية جديدة في عالم الفن السينمائي، وهو بذلك يعيد الاعتبار إلى أهمية وخصوصية الفيلم السينمائي ويضع عند هذه النقطة حداً فاصلاً يلغي بموجبه أي تشارك ما بين شريط السينما وبقية الفنون الدرامية الأخرى. وهاجس التجديد لدى مانديز تقف خلفه قاعدة رصينة في تاريخه الشخصي رافقته منذ بداياته الفنية كمخرج محترف في عالم المسرح في تسعينيات القرن الماضي. وإذا ما تأملنا طبيعة النصوص المسرحية التي وضع نفسه في تحد أمامها سنجده ينتمي إلى طراز المخرجين المؤثرين الذين كانت مسيرتهم تتشابه مع مسيرته من حيث ولعهم بالمسرح الذي يرتكز على نصوص كتبها مؤلفون عظام مثل “بستان الكرز” لانطوان تيشخوف و”ترويلوس وكريسيدا” و”ريتشار الثالث” لوليم شكسبير. ومن يتصدى في بداية مشواره لمثل هذه النصوص هذا يعني أنه يحمل في شخصيته شحنة عالية من الإلهام تؤهله لأن يقدم للمتلقي نتاجا يترك أثرا فنيا من الصعب نسيانه كما هو واضح في فيلمه “1917” من خلاله تجاوز به نفسه مثلما تجاوز تجارب مخرجين آخرين اعتمدوا على اللقطة المستمرة كتقنية رئيسية في بعض أفلامهم ونجحوا فيها أيضا.
حساسية جمالية
فيلم “1917” يأتي في سياق ما أشرنا إليه من خصوصية ذاتية يمتلكها المخرج مانديز، وكان أمرا مفروغا منه أن لا يكون عمله مندرجا من حيث الشكل في سلسلة الأفلام التي تناولت الحرب العالمية الأولى، وأن عشاق السينما بلاشك سيكونون على موعد مع شريط سينمائي يتناول الحرب العالمية الأولى، بما تحمله هذه اللحظة من مفارقة تاريخية من عمر البشرية، ويأخذها إلى منطقة جمالية أكثر مما هي استعادة واستذكار لحدث تاريخي، وهذا الاشتغال على البنية الجمالية بدا في اهتمام الفيلم بالشكل الفني أكثر من اهتمامه بعناصر أخرى تتعلق بالمضمون سبق أن تناولتها الأفلام التي اقتربت من الحدث نفسه أو موضوعة الحرب بشكل عام مثل التوثيق أو التركيز على المشاعر الإنسانية أو إدانة ما تحمله الحرب من بشاعة ووحشية، رغم أن الفيلم لم يستبعد هذه المفردات وكانت حاضرة بين تفاصيله ولكنها جاءت في سياق فني على درجة عالية من التركيز على خلق احساس يتأرجح فيه المتلقي ما بين الواقعية والشاعرية، وكانت رؤيته قد انطلقت من اعتماده بشكل محوري على بنية اللقطة الواحدة المستمرة أو الأصح خلق الاحساس بأن اللقطة مستمرة طيلة زمن العرض. وخيار اللقطة المستمرة بدون اللجوء إلى منتجة مشاهد الفيلم إلى لقطات، لجأ إليه مانديز باعتباره جوهر رؤيته الفنية في التصدي لموضوعة الحرب، ساعيا بذلك إلى أن يتماهى في الوقت ذاته احساس وتوتر المتلقي مع احساس وتوتر الشخصيتين الرئيسيتين: الجندي بليك (الممثل – دين تشارلز تشابمان) والجندي سكوفيلد (الممثل – جورج ماكاي).
حكاية الفيلم
بليك وسكوفيلد جنديان في صفوف القوات البريطانية يتم تكليفهما بنقل رسالة عاجلة وبغاية الأهمية من القيادة العسكرية الميدانية البريطانية إلى قائد الكتيبة الثانية التي تبعد مسافة ثلاثة أميال ونصف عن مقر القيادة، مضمونها يلزم قائد الكتيبة أن لا يباشر في تنفيذ هجومه على الجيش الألماني فجر اليوم التالي لأنه سيتعرض إلى الإبادة مع جنوده البالغ عددهم 1600 لأن قيادة الجيش البريطاني قد تأكدت من خلال الخرائط الجوية أن الألمان قد أكملوا استعداداتهم للرد على الهجوم إذا ما وقع بما سيؤدي إلى سحق الكتيبة البريطانية. وبناء على ذلك يتوجب على الجنديين أن يجتازا في رحلتهما المحفوفة بالمخاطر خنادق الجيش الألماني التي كان قد تركها وانسحب منها إلى مسافة تبعد تسعة أميال عن خطوط القيادة الميدانية البريطانية من بعد أن قطعوا جميع خطوط الهاتف التي تربط القطعات العسكرية البريطانية مع بعضها، وليتحصنوا في مواضع جديدة. ازاء ذلك يجد الجنديان نفسيهما وهما يخوضان صراعا مع زمن محدد وقصير جدا يبدأ من بعد الظهر وينتهي إلى ما قبل فجر اليوم التالي وإذا ما تأخرا عن هذا التوقيت فإن كارثة كبيرة ستحل على الكتيبة الثانية نتيجتها إبادة جميع الجنود والضباط في الكتيبة بضمنهم الشقيق الأكبر للجندي بليك يحمل رتبة ضابط في الكتيبة.
تدفق الزمن
المخرج باعتماده خيار اللقطة المستمرة منذ بداية الفيلم أراد من خلال ذلك أن لا يقطع الاحساس بتدفق الزمن وسرعة جريانه وأن يتطابق هذا الاحساس عما يشعر به الجنديان وهما يكافحان ضد الوقت من أجل الوصول قبل الفجر وإنقاذ الكتيبة من الموت. هذا الاحساس بقسوة الزمن يتصاعد في نموه بشكل مكثف في اللحظة التي يتلقى فيها الجندي بليك طعنة قاتلة بمدية في بطنه من قبل طيار ألماني سقطت طائرته بالقرب منهما وساهما في إنقاذه من حطام الطائرة التي كانت تحترق، فكان استمرار التصوير في هذا المشهد من دون تقطيع بينما الجندي بليك يلفظ أنفاسه بين يدي زميله، قد حقق جوهر ما كان يسعى إليه المخرج في اعتماده خيار اللقطة المستمرة وبذلك تمكن من ان يؤجج كثافة شعورية في حواس المتلقي تجلت في استمرارية رصد الكاميرا لانسلال الروح من جسد الجندي الصغير بليك عديم الخبرة بالحروب والذي لا يزال متعلقا بأمه ويحتفظ بصورتها في جيبه، بهذه المعالجة القائمة على اللقطة المستمرة يكون المخرج قد وضع ثنائية الوهم والواقع، داخل منطقة انزياح يتحرك فيها الفن السينمائي بدون اشتراطات فنية واضحة تفصل ما بين تقنية الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي، بذلك فإن السينما في هذا الشريط بما تملكه من أدوات تمنحها الحرية للتنقل بين الواقع والخيال تمارس لعبتها الإيهامية لتكون أقرب إلى الواقع كلما أوغلت في إيهامنا بأنها واقعية، ولم يكن المخرج في معالجته هذه قد اختار أسهل الطرق للتنفيذ بقدر ما توغل بعيدا في تأكيد التلاحم في التجربة الفنية بين الخيال والحقيقة الواقعية، مع أن دلالة اللقطة المستمرة في البدايات المبكرة للسينما في نهاية القرن التاسع عشر لم تكن قصدياتها ذات بعد فني جمالي، إنما كانت استجابة إجرائية يفرضها زمن الشريط الخام الذي لم يكن يستغرق أكثر من دقيقتين، وفي ما بعد من تاريخ الفن السينمائي لجأ إليها بعض المخرجين المبدعين مثل الفريد هتشكوك وارسون ويلز وجان لوك كودار وآخرون لمقاصد فنية ترتبط بما يسعون إلى ايصاله من رؤى، والمخرج سام منديز في هذا الفيلم يتفق معهم في هذا السياق إلاَّ انه يتميز عنهم في أن أسلوبه قد شكل نقطة تحول كبيرة في تأكيد الوهم باستمرارية اللقطة طيلة زمن الفيلم، مستثمرا ما حصل من تطور تقني كبير في أجهزة وبرامج المونتاج الرقمية بالشكل الذي ساعدت المخرج على أن يتغلب أي مشكلات قد تقف عائقا أمام تأكيد هذا الاحساس بالاستمرارية.
الإيهام بالواقع
في فيلم “1917” نحن أمام حكاية ليست لها خطوط وامتدادات فرعية، ولا ترتد بنا إلى أزمنة تنتمي إلى الماضي، ويمكن اختصارها بجملة واحدة بمسارها الخطي الواضح، إلاّ أن هذه القصة التي كان قد سمعها المخرج من جده كما صرح بذلك آثر ان يقرأها بمخيلته الدرامية الجامحة، ويعيد بناءها وفقا لما تمنحه تقنيات التصوير الرقمي من حرية مطلقة في حركة الكاميرا بدون توقف ليكشف لنا عما يمكن أن تفعله مغامرة المخرج في حكاية بسيطة إذا ما وضعها في شكل سينمائي تحفزه كثافة عالية من الإيهام بالواقع، حتى أننا نصل ونحن نتابع رحلة الجنديين إلى حالة من التلقي نبدو فيها وكاننا نكتشف من جديد الاحساس برعب الصمت، ورطوبة الأرض الموحلة، وقسوة اللحظات التي يشعر فيها الإنسان ساعة موته، ورائحة أوراق شجر الكرز البيضاء، ونداوة العشب، وصوت أقدامنا وهي تخوض في الأوحال. ولم يكن ممكنا أن يترسخ هذا الانطباع بالزمن الواقعي لولا أن المخرج قد خاض مغامرة جمالية تمسَّك من خلالها بأسلوب اللقطة المستمرة مفسحا المجال لحواسنا لأن تتلقى أصوات الطبيعة وهي تمتزج بالصوت الإنساني من دون أن تخضع لسلطة المونتاج، وكان ذلك سببا في أن يتحول خطاب الفيلم الجمالي إلى بنية فنية تنظِّم القيم الفكرية بشكل هارموني، ويصل محتوى الخطاب الفلسفي عبر الشكل الفني من غير أن يكون ذلك على حساب تراجع المفاهيم الفكرية التي تحتويها رسالة الفيلم إلى مستوى ثانوي، بل على العكس من ذلك تحولت إلى جزء حيوي من معمارية الشكل الفني، ولم يكن يتحقق هذا الشكل لولا الخبرة التي يمتلكها مدير التصوير روجر ديكنز الذي تمكن من أن يستثمر كل ما وفرته التقنية الرقمية في الكاميرات الحديثة وبأحجامها الصغيرة العالية الدقة وما يسندها من آليات تمنحها القدرة على الحركة بشكل متدفق ومستمر منذ اللقطة الأولى وإلى آخر لقطة وكأنها تمثل شخصية السارد الوحيد للحكاية فكان من الطبيعي أن يستغني مدير التصوير عن معدات الاضاءة تماما، وما كان أمامه من خيار غير ذلك، لأنها ستكون مكشوفة أمام الكاميرا المتحركة وبالتالي ستكسر عنصر الإيهام بواقعية ما يحدث ونتيجة ذلك تغييب الدهشة والإثارة وفقدان التواصل الوجداني مع المتلقي، ولهذا اعتمد على الضوء الطبيعي فقط، حتى أنه قد استغنى عن العاكسات لتعميق سلطة الإيهام، وساعده في ذلك أن السماء أثناء فترة التصوير كانت ملبدة بالغيوم مما يعني غياب أي ظلال حادة قد تسقط على أماكن التصوير ووجوه الممثلين.
يشار إلى أن كلفة إنتاج الفيلم وصلت إلى 90 مليون دولار، ونال جائزة غولدن كلوب لأفضل فيلم حركة ودراما لهذا العام متفوقا بذلك على أفلام مرشحة وبقوة لنيل الأوسكار مثل فيلم “Joker” وفيلم “The Professor and the Madman”.