فيْضُ الروح و خيْبَةُ الجسدǃ

من أدعية جدتي التي كانت ترددها في صلاتها، أو في حديثها المتلطف مع الناس ما فصيحه « اللهم لا تجعلنا نموت لا غرقا ولا شَرَقا يا أرحم الراحمينǃ». قد لا يخشى المرء الموت، لكنه حتما يخشى أن ينكل به وهو يموت؛ كأنما لحظات النهاية هي لحظات مهمة في نوعها، وأن الختام مشهد كامل يساوي أو يفوق مشهد الولادة.
ماتت جدتي، رحمة الله عليها، في سلام كما أرادت والحمد لله رب العالمين، كانت تنام على فراشها ثم غابت غيابا خفيفا خلته إغماءة سارعت أفكر في حملها إلى المشفى لإسعافها، لكن خبيرا بالموت همس لي: «الدوام لله». لا أدري والحق يقال هل أن حشرجة الموت هي ضرب من الشرق، أم هي ضرب آخر من مغادرة النفس مجراها الأخير من الأوعية والشرايين. شيء ما يقول لي أن الشرق والغرق والحشرجة داخلة في نظام دلالي واحد له علاقة بالفيض الزائد، الذي لا يمكن للجسد أن يحسن التصرف فيه، ونحن نجد عبارة الفيض في كلمة جاهزة في سياق الموت هي «فاضت روحه». نهتم بفيض الروح وخيبة الأجساد في النجاة من منظار جدل العلوم العرفانية اليوم، حول التفاعل بين الجسد والنفس التي تعني الذهن.
الجسدنة أو الإدراك المتجسد، فكرة طرحت في العلوم العرفانية في ثمانينيات القرن الماضي، هدفها مراجعة التهميش الذي وضع فيه الجسد بالنسبة إلى النفس أو العقل، كاعتباره مثلا، مجرد حاو أو إطار لا قيمة له كبرى في التفكير والمعالجة العقلية. في هذا السياق قيل العكس: إن بين الجسد والذهن تفاعلا مهما في الإدراك، بل إن العقل يتجسد (أو يجسدن) في كثير من معالجاتنا وبنائنا الذهني للكون، بل أن الأمر يبدو أكثر تعقيدا حين ندرك أجسادنا بوسائط استعارية هي في الأصل عملية عقلية تعكس مجال تجربة على آخر. فنحن على سبيل المثال نميل إلى التعامل مع أجسادنا على أنها فضاءات ويسمى ذلك بتفضية الجسد، إذ نعتبره فضاء نمارس فيه جميع أنشطتنا. للمرء إدراك منظم حول الكون الخارجي، بما هو فضاء فهو يعرف الفرق بين أن يكون في الداخل أو يكون في الخارج، وأن يكون على السطوح أو تحت الأرض وهو بهذا الوعي يستطيع أن يدخل ويخرج بجسده سالما معافى، في كل مرة يعرف كيف يدخل الماء في جوفه فلا يشرق به، ويعرف كيف يدخل في البحر اللجي سباحة ويخرج فلا يغرق.

إدراكنا للفضاء يمر عبر أجسادنا في شعورنا مثلا بأن هناك «فوقا» هو ما كان يجاوز هاماتنا، وأن الـ»تحت» هو ما يقع مثلا تحت أرجلنا، وفي إدراكنا البعد على أنه ما ابتعد عنا وجاوزنا بمسافات كبيرة، وأن القريب ما كان في استطاعة أجسادنا الوصول إليه. يمثل الوعي بالماء شكلا مميزا من أشكال تفضيتنا لأجسادنا: ويظل المرء في هذه التفضية يعيد أسطورة الطوفان الأولى تلك التي غمر فيها الماء جسده غمرا قبضت عقابا أو تطهيرا وإيذانا باستئناف خلق جديد مطهر. نتعلم منذ نعومة أظفارنا أن علينا أن نبتعد عن النار لأنها تحرق، الخوف من الاحتراق ليس فرارا من الألم، بل هو خوف من أن تذيب النيران أجسادنا أو «تلتهمها». نتعلم من تجربة الطعام والأكل والالتهام كيف أننا لسنا الكائنات الوحيدة التي تأكل غيرها، بل هناك كيانات وكائنات أخرى يمكن أن تلتهمنا، أي أن تزيلنا من الوجود. «تأتي النار على الأخضر واليابس» فتغيبها ويبقى الفضاء الذي كان يحويها دونها، فنتعلم من ذلك أننا وإن كنا فضاء صغيرا داخل الفضاء الأكبر أو كونا صغيرا داخل الكون الأكبر، فإننا لا نضمن لأنفسنا هذا الوجود الأبدي، بل هناك موت يهددنا. تعلمنا تفضية أجسادنا أن نبتلع الطعام ونشرب الماء، لأن لنا شرايين تشبه الأودية، تجري الدماء كما تجري المياه. أجسادنا فضاءات تتجمع فيها السوائل الكثيرة، لكن أجسادنا أيضا يمكن أن تكون وعاء في فضاء آخر أوسع منها. الجسد الحاوي والجسد المحوي ثنائية مهمة في تفضية الفضاء وفي الوعي بخطورة الطوفان على الأجسام. في رحلته في الحياة يتعلم الإنسان أن لجسده جغرافيا تشبه الجغرافيا المحيطة به، ففي جسده ارتفاعات وانخفاضات وحين يصطدم بشيء تصير له أشكال منحرفة، وأنه يمارس على جسده أشكالا من التهذيب تجري في خارجه. يسعى الإنسان وهو حي أيضا أن يعرف القوى الطبيعية التي يمكن أن تمحقه، ويعرف أن الماء هو القاضي على الحريق وأن عليه أن يتعلم الغطس كي لا يغلبه الموج حين يغطس في الغريق.

الجسد الذي يموت هو جسد لم يستوعب لا بالدربة ولا بالطبيعة كيف يصمد أمام النار والماء، هو صراع أزلي بين العناصر، تربة تقاوم ماء قد يجعلها تتحلل أو نار تنتظر نبات تلك التربة أن يجف كي تلتهمه.

قصة الإنسان مع السباحة تنشأ من فترة حمله وهو جنين في بطن أمه يعيش في ماء الحياة فلا يغرق، وحين يخرج إلى الحياة تتواصل معه حكايات الطوفان والغرق. العلاقة بين الولادة والحياة والطوفان قصة يحكيها فيلم كندي عرض عام 1996 عنوانه ليلة الطوفان للمخرج الكندي Bernar Herbert وقد اقتبس المخرج وهو كاتب السيناريو أيضا، الموضوع من عمل شعري راقص عنوانه أيضا الطوفان. في الفيلم مشاهد راقصة يستعمل فيها الجسد استعمالا رمزيا فضائيا له علاقة بالطوفان. يحكي الفيلم قصة امرأة هي الناجية الوحيدة من كارثة طبيعية ومعاناتها من أجل أن تساعد ابنها على الولادة، في مشهد يحرك الأفئدة ويرسخ ارتباط الحمل بالطوفان. في عام 2020 ألفت كاتبة أمريكية هي زواي سومرفيل Zoë Somerville وتحت العنوان نفسه (ليلة الطوفان The night of the flood ) رواية تستعيد مشهد طوفان بحر الشمال، الذي حدث عام 1953 وهز هولندا وبلجيكا وإنكلترا واسكوتلندا. وتُظهر «ليلة الطوفان» ما يحدث عندما يفشل هذا التوازن الدقيق والمرعب بين الجزء العامر والماء الغامر، بين جسد ناجٍ وآخر غارق.
الجسد الذي يموت هو جسد لم يستوعب لا بالدربة ولا بالطبيعة كيف يصمد أمام النار والماء، هو صراع أزلي بين العناصر، تربة تقاوم ماء قد يجعلها تتحلل أو نار تنتظر نبات تلك التربة أن يجف كي تلتهمه. يظل الجسد ناقصا من جهة استيعاب هذه العناصر المستبدة والتحكم فيها. يحكي لنا الطوفان من ضمن ما يحكيه قصة خيباتنا المتتالية مع أجسادنا: أجسام لا هي خفيفة فتطير ولا ثقيلة فتغور. للطوفان علاقة كبرى بالخلق والحياة والولادة، لكن هذه العلاقة عادة ما تمر عبر الروح، وينسى الجسد كأنه وعاء شفاف أو داكن ليس هو المقصود بالموت غرقا أو شرقا. توجد أسئلة يمكن أن يحملنا إليها الجسد من بينه: كيف يمكن للماء أن يكشف عن هويتك المجسدنة الضارب في التاريخ؟ وكيف يمكن لعبارة «ماء وملح» (أي طعام) التي نحملها قيمة رمزية تدل على إقامة أواصر علاقية اجتماعية متينة، أن تكون قبل ذلك عنصرا للبقاء، لكن أيضا عنصرا للموت صدفة بالشرق أو بالغرق في الماء اللجي. أصعب لحظات الغرق أنك لا تجد لجسد قرارا في الحياة في الأسفل المائي، أنفك الذي يستنشق لا يستنشق وجسدك الذي عودته إدراكيا على أن يستقر فقد القرار. أصعب لحظات الشرَق أن حنجرتك التي عودتها أن تبتلع الطعام فقدت قدرته لفيض زائد أو لضغط طارئ على أن تبتلع، فشل شيء من جسد على أداء دوره الروتيني، لأن ذهنك لم يرسل إليه الحل في ساعتها.. يمكن أن تشرب وأنت تشرق هذا حل وقتي، لكن ماذا لو شرقت بالماء كما قال الشاعر: (من غص داوى بشرب الماء غصته * فكيف يصنع من قد غص بالماء؟). لن تفهم أن بين الجسد والذهن تفاعلا هو روح المعنى في هذا المقال إلا إذا أتممت البيت الموالي (قلبي حزين على ما فات من زللي * فالنفس في جسدي أعظم من الداء). تفيض الروح لأن الذهن لم ينجز دوره لأنه هو الداء. لكن حين يكون الشاعر هو الحلاج سيختل المعنى العرفاني الذي بنيناه طيلة هذا المقال. لكن سيبنى معنى مفارق عششت فيه المعاني طويلا في الثقافة القديمة تحت عنوان صراع الجسد والروح.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية