في «أجود» الشعر: الناقصة في كلّ باقة

أردّد دائما أنّ الشعر «يُعْرف» و«لا يُعرّف» وأنّه يحدّ في الأعمّ الأغلب، باستخدامه الخاصّ للغة؛ أي بمعنى الفرق عن اللغة المتداولة أو المحكيّة؛ وهو حدّ غير دقيق، إذ كثيرا ما يتلفت الشاعر قديما وحديثا، ناحية النثر لا في هذه القصائد النثرية حسب؛ وإنّما في الشعر الموزون أيضا، حيث يطعّم قصيدته بسردية خاطفة أو مطولة، وبمفردات اليومي والمعيش، ويخلّصها من الإسراف في التنغيم (إلا في الموزون حيث يحرص على القافية) لكن دون أن يمنعها ذلك من أن تكون نصاً شعرياً إنشاديا، كما هو الشأن عند الماغوط، أو حسن نجمي أو أمجد ناصر الذي يعرف كيف يعيد تركيب «السردي» في الميديوم/الوسيط الشعري؛ حتى أنّ ما نسمّيه قصيدة النثر يمكن أن يكتب داخل الوزن، كلّما تخفّف النصّ من شعريّته أو مِمّا زاد منها على الحاجة أو من فضل القول؛ ومثال ذلك أدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش، والبعض من أبناء جيلنا. وقد يفضي ذلك إلى استنتاج مفاده أنّ الشعراء المتمرّسين بالوزن، هم الأقدر على كتابة قصيدة نثر متميّزة.
ما يعنيني في السياق الذي أنا فيه، أنّ شعراء قصيدة النثر عندنا، لا يتصوّرونها إلاّ خارج الأوزان المعروفة، وأنّ أكثر شعراء الموزون لا يتصورون الشعر خارج الوزن. وهذا على ما نرجّح فهم قاصر، قد ينمّ عن أننا لا نتقبل أنّ الأشكال الفنّيّة أو الأجناس الأدبيّة، يمكن أن تموت هي أيضا، وأن تنتسخ، وتتحوّل وتُبعث في هيئات جديدة. ربّما ثمّة شيء فينا جميعا، بنسبة أو بأخرى، من رواسب «عقل متوحش» وكان «البدائيّ» يتقبل الموت الطبيعي بعنت وصعوبة، بل كان الموت في تصوره الأسطوري، والأسطورة ديانة ميتة، ضربا من القتل.
وربّما لا مسوّغ لذلك سوى عدم وعيه بفكرة القانون، أو لأنه كان يحيا في الطارئ أو العارض. وهذا وغيره يعزّز من وجاهة القول بأنّه لا وجود لشعر صاف، كما كان يقول مالارميه، وهو صاحب القولة الشهيرة «الناقصة (الغائبة) في كلّ باقة» أو في «الأجود»؛ إذ كان ينشد لغة كلية مدارها على علاقة حميمة بين الصوت والمعنى، حيث الإيقاع يحرر الكلمة من سطوة الكلام العادي، ويكشف عن وهن اللغة أو قُصورها. وعلى الرغم من أن مالارميه كان يستأنس ببودلير، فإنّهما يكادان لا يلتقيان إلاّ في حبّ أدغار ألان بو. ومنه تعلّم أنّ الشعر ليس إلهاما كما يزعم الرومانطيقيون، وإنّما هو حاصل مِراس ودربة، بل هو صنعة بالمعنى العميق للكلمة. والإلهام «ربّة شعر مهذار» والشعر ليس لعبة مصادفات لغوية على نحو ما نجد اليوم عند شعراء عرب وغير عرب. إنّما الشاعر مفكّر له لغته الشعرية الخاصة، وقد تكون عادية في جانب منها، لكنها ليست لغة التواصل العادي، إذ هي تنشأ في تلك المسافة الخاوية التي تتركها خفقة جناح الطائر. وصحيح أنّ ملارميه تخلّى عن الوزن وانصرف إلى الشعر الحرّ، لكنّه ظلّ دائما يحلم بكتابة ما هو صامت في اللغة، أو ما هو زئبقي، وكأنّ همّه أن يمسك بالشذى لا بالوردة، أو بـ«إيقاع الفكرة» وهو المعنى اليوناني للموسيقى.
ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في قصيدته الشهيرة «رمية النرد»: «أبدا لن تعطّل الصدفةَ رميةُ نرد» وفي مزاوجته بين الصور الحفرية والصور المطبوعة. ويعرّف الشعر أيضا باحتفائه بتماثلات الصوت والإيقاع والصورة، وهي من مظاهر كثافة اللغة الشعرية أو سُمكها؛ فالقصيدة نظام مخصوص من الكلمات. وهذا النظام هو الذي ينبغي أن تستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما يعقده بعضها ببعض، من علائق شدّ وجذب؛ أي ما يسمّى «الجوهر التأثّري» في الشعر أو إيقاع الأشياء والذوات؛ أو ما يتلقّفه الوعي ونحن نتذكّر أو نحلم الحلمَ الذي يملأ كلّ أرجاء عالمنا الخاص، أو ما يسمّيه علماء النفس «الذاكرة التأثيريّة».

إنما الحداثة سمات وملامح ومنطق، بل هي مبادئ لا ثبات لها ولا حدّ، ولعلّ من أظهرِ سماتها الاعتراض على الحاضر الأدبي أو مخالفته باعتباره قديما. ولا سبيل إلى ذلك سوى جعل الحاضر المنشود أكثر حضورا.

والنص أشبه بسلسلة من الأحداث المختزلة تتمثّل واقعة خارجية، يقدّمها الشاعر بخبرة حسيّة؛ فتكون مثار الوجدان أو الانفعال. والحقّ أنّ بعضهم يصوغها في شكل معادلات رياضية للحالات الإنسانية، تنمّ عن قوة ذهنية.
ولعلّ ذلك كان سببا من أسباب حفاوة شاعر قصيدة النثر بالتعبير الكنائي، أو الرمزي الذي لا يقاوم القراءة ولا يحول دون استعادة المعنى، لما تقوم عليه الكناية من المجاورة، ومن الوظائف التي تعلق بها، سواء أكانت إفهامية أم إخبارية مرجعية، بل جمالية أيضا ترجع إلى إيقاع الائتلاف بين المختلفات؛ أو «تأليف الغريب». ومن هذا الجانب فإنّ ظاهرة كهذه أبعد من أن تفسّر بطغيان وظيفة دون أخرى، فثمة في كلّ هذه النصوص؛ مراوحة لا نخالها تخفى بين ما هو «جمالي» وما هو «مرجعي» أو ما نسمّيه «شفافية التوصيل». وضمن الوعي بأنّه لا وجود لنصّ «أنموذج» قائم على نوع من الشعرية خاصة به، ندرك أنّ كلّ نصّ من هذه النصوص «الباقية» منشدّ إلى نفسه مثلما هو منشدّ إلى لاحقه، بل ليس للشعرية من غاية أو من هدف يتراءى في عقب القصيدة، وهي لا تتأتى من نسق شعريّ أو فكري أو من منظومة عقدية.
إنّما الشعرية هي الطريقة نفسها، وما يسلك شاعران في طريق واحدة أبدا، وحظّ هذا ليس حظّ ذاك. لنقل إنّ الزمنيّة الشعرية نوعية، أو إنّ الفارق الزمني بين نصّ وآخر فارق جمالي. وقد لا تعني الجمالية في السياق الذي نحن فيه، أكثر من اسم آخر لزمن الشعر، فضلا عن أنّ كلّ أثر فني ـ مهما تكن قيمته أو عظمته ـ تخليق لعالم افتراضي، وهو «ناقص» ضرورة، ولعلّه نقص مقصود، شأنه شأن النّقص في الأشياء أملا أو رجاء فيها. وفي هذا يكمن معنى عبارة مالارميه، في ما أرجح. الحداثة ليست مفهوما كما يقع في ظن كثير أو قليل منّا، بل ليست لها قوانين ولا نظرية، إذ لو كانت كذلك لكان في إمكان أيّ منا أن يكون حديثا بمجرّد الاحتكام إلى جملة من القواعد والأحكام أو القوانين. وتاريخ الفن يعلّمنا أنّ الاحتكام إلى نظرية ما، لا ينجم عنه سوى «الغرق في الفن الميكانيكي».
إنما الحداثة سمات وملامح ومنطق، بل هي مبادئ لا ثبات لها ولا حدّ، ولعلّ من أظهرِ سماتها الاعتراض على الحاضر الأدبي أو مخالفته باعتباره قديما. ولا سبيل إلى ذلك سوى جعل الحاضر المنشود أكثر حضورا. وأقدّر أنّ هذا ما يحاوله شعراء غير قليلين، وكأنّ شعارهم «الحداثة المطلقة» بعبارة رامبو، أو السعي الدؤوب إلى الاتصاف بـ»معاصرة الجميع» كما جاء في «متاهة العزلة» لأوكتافيو باث، فالقصيدة «الأبقى» على نقصها، هي قصيدة المشاركة الحسّيّة الإيحائيّة المتجانسة؛ أعني مشاركة الأشياء عالمها الداخلي، واستبطان التناغم، حيث يتعايش كلّ شيء من حيث هو مادّة وحياة أو روح، وتمجيد الأشياء الناقصة غير الكاملة. وفيها تتأسّس الكتابة من حيث هي «مَخبر» للتأمّل، بل تأمّل فعل التأمّل ذاته؛ حيث نقف على طرفين في الصورة أو مستويين: واقعي ومتخيل يتضافران في صياغة معنى قائم على انفعال تعزّزه شتّى صيغ التعبير.
ويمكن أن نعتبرهما رمزا مزدوجا أو مجموعة رمزية متجانسة بعبارة المعاصرين، تنهض بمعنى ممكن أو محتمل. نسوق هذا دون أن يكون من مقاصدنا تجريد مفهوم التأمّل من الدّلالة الذّاتيّة، إذ لا نخال المكانة التي تحوزها الذّات (ذات الشاعر من حيث هي ذات متلفّظة) في هذه اللّيدولوجيا (اللعبيّة) بخافية. ولعلّ تعديل الأنا ـ أفكّر الدّيكارتيّة بـ»أنا ـ أشعر»؛ أو بذات تشطّ أو تتسلّط أو تهيمن بصلف على العمليّة الفنّيّة؛ يمكن أن تبدّد بعض حذرنا؛ على اعتبار أنّ الأنا ـ ألعب هي علاقة مشرعة أكثر منها كيانا «أنطولوجيا ترنسندنتاليّا» مغلقا. ربّما لا مسوّغ لذلك سوى هذه الوساطة الشعرية التي تؤلّف بين الذات المتلفظة والموضوع، وهو ليس أكثر من تفكير صاحب النصّ في لعبه. وربّما أمكن لنا ها هنا أن نتحدّث عن «ذاتية موضوعيّة»؛ فالذات الشعرية في مثل النص الذي أشرت إليه «موضوع» يعتريها ما يعتري النصّ (لاعب وملعوب به في آن). وهي علاقة تجاذب بين متقابلين: الذات المتلفظة والذات الشعرية مثلما هي علاقة موازاة، ولعلّ هذا ما يجعل اللعب كما في النصوص التي نحن فيها؛ والفن عموما تخليقا لعالَم افتراضيّ.
ونحن إنّما ننفعل إزاء الرمز المتواري أبدا، وإذ نسبر انفعالنا يتسنى لنا أن ننفذ إلى دلالة ما أو ما يمكن أن نسمّيه المرموز. وكأنّ قصيدة النثر هنا كتاب «الرمل» لبورخيس أو كتاب لا أوراق فيه أو لا قبل له ولا بعد. وربّما لا مسوّغ لهذا العدول سوى إرادة المتكلّم في قول «ما لا يقال».

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية