في أدب الحب المرح

في مثل هذا الشهر آذار (مارس) من كلّ عام، نستحضر ذكرى ميلاد شاعرين أغنيا كلّ بطريقته الشعريّة العربيّة، وتحديدا ما أسمّيه «أدب الحبّ المرح» وهو تنويع منّي لا يخفى، على «المعرفة المرحة» لنيتشه. والشاعران هما نزار قبّاني ومحمود درويش. على أنّ ترجمة بـ«مَرِح» ليست دقيقة، بل هي قلقة، فـ«المَرح» هو شدّة الفرح والخفّة والنشاط الذي يجاوز قدْره؛ بل هو التبختر والاختيال كما جاء في الآية «ولا تمشِ في الأرضِ مَرَحا». وهو أيضا البطر أي الطغيان في النعمة، كما في الآية «ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحقّ، وبما كنتم تمرحون». ولذلك فقد تكون «جَذْلى» أدلّ في السياق الذي أنا به. وهذا أدب ينهض له أكثر من سند قديما في مدوّنة الحبّ عند العرب، كالمداعبة والملاعبة والممازحة والمؤانسة والضحك والإضحاك… وهي تنضوي كلّها إلى وظيفة الحسن النافع أو الممتع المفيد؛ أو «الإمتاع والمؤانسة» بعبارة أبي حيّان التوحيدي؛ بما يجعل رؤية العرب للحبّ مخصوصة بخصائص حضارتهم، مطبوعة بطبائع بيئتهم. أمّا حديثا فيتعلّق الأمر بتجربة إنسانيّة كونيّة مفتوحة نقف عليها في نماذج من شعرنا الحديث.
صحيح أنْ لا أحد من باحثينا قام بكتابة تاريخ عامّ لتجربة الحبّ عند العرب، بيْد أنّ هذا التقصير لا يحول بالضّرورة دون ترسّم ملامح هذه التّجربة استئناسا بما تحفل به دواوين الشعر وكتب الأخبار والسّير من قصص عن تجارب، قد تلوح لنا جريئة أو غريبة في مجتمع إسلامي، ومن علماء مثل السيوطي أو التيفاشي، أو هي من «الأدب الخلاعي» بعبارتنا اليوم. على أنّه لا يرد في خلو من طراوة التّجربة الجسديّة، بل الوجدانيّة أي تلك التي تزخر بها قصص الحبّ عامّة. وربّما لا شبيه لها من هذا المنظور سوى «مفرد بصيغة الجمع» لأدونيس، و«سرير الغريبة» لمحمود درويش، و«سرّ من رآك» لأمجد ناصر.
وأقدّر أنّ في هذا المتن ما يغري بعقد دراسة تتولّى رصد التّحوّلات التي تطرأ على التّجربة الغراميّة «الجسديّة» في انتقالها من مستوى المعيش الحيّ، إلى مستوى الكتابة الفنّيّة التي تتمثّل هذا المعيش الجسدي شعرا أو نثرا، فإلى مستوى التّأصيل النّظريّ سواء لتجربة الحبّ نفسها مباشرة أو لكيفيّة استحضارها في فنّ من الفنون؛ إذ ليس الحبّ مجرّد موضوع من موضوعات المعرفة أو غرضا من أغراض الأدب الفنّ؛ وإنّما هو آليّة من آليّات الكتابة الإبداعيّة. ولذلك لم أتردّد في وسمه بأنّه من الأدب المرح الذي يذكّرني عند هؤلاء بلوحةُ ماغريت «حريّة التجوّل»؛ حيث نرى مشهدا طبيعيّا من وراء نافذة وقد تكسّر زجاجُها. على أنّ الممتع أنّ شظايا الزّجاج المكسَّر المنثورة على الأرضيّة تحملُ بعض مقاطعَ من المشهد الذي كانت تُبِينُه وتبْنيه؛ قبل أن تتشظّى، من دون أن تكون هذه المقاطعُ قد اجتزأت منه. وهذا من شأنه أن يثير قدرا غير يسير من اللّبس على صعيد العلاقة بين الدّاخل والخارج، بين الواقع والوهم عند هؤلاء. وثمّة في هذه النصوص حركة بصريّة يتداخل فيها الوصف والمشهد الذي يرقى أو يكاد إلى مستوى الفرجة؛ في لعبة تحجب عنّا فرْز البصريّ الطّبيعي أو الواقعي من البصريّ المتخيَّل. ومثل هذه القدرة لا تمتح عناصرها من ذاكرة قويّة فحسب، وإنّما من ملكة أدبيّة أيضا تتيح للشاعر أن يندسّ في سريرة الذات، ليجلوها في مجْلى الواقع، أو محتمل الواقع.
وهذا يقتضي استدعاء مختلف دلالات مقولات الحبّ ومختلف مستويات تدبّرها جماليّا أو معرفيّا. بيْد أنّه لا مناص من القول إنّ الكتابة في الحبّ تنطوي على قَدْرٍ كبير من اللَّبْسِ، هو عينه القدر الذي تنطوي عليه القراءة في الجسد. وهو لبس مأتاه التعميم الذي قد يشوب مفردة الحبّ أو الجنس أو الجسد، حيث تُحمل في معنى عامّ على دلالة مطلق الرّغبة في هذا الشّيء أو ذاك، أو على دلالة الشهوة أو الرغبة بما هي توادد بين البشر. في حين أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا به، إنّما هو المضمون الجسدي بل «الأيروتيكيّ» الذي يعتري العلاقة بين ذكر وأنثى. وأقدّر ونحن نقرأ هذا «الأدب المرح» أو «الجذلان» أنّ مداره على مضمون تشتدّ فيه درجة الانفعال أو «الشّبق» أو تخفّ بحسب عوامل ثقافيّة وأخلاقيّة ودينيّة يتمثّلها الفرد على نحو لا واع في الأغلب الأعمّ. بل أنّ درجة هذا الميل الشّهوانيّ إنْ سلبا أو إيجابا هي التي تحدّد دلالة العاطفة التي نسمّيها الحبّ الجسدي ونوعيّتها. وهذا المضمون ليس مقتصرا بالضّرورة على المعيش البسيكولوجيّ المخصوص بالشاعر أو المعيش الجسديّ؛ بل إنّه يحوز منزلة ذات شأن ضمن إنشائيّة الكتابة وحتّى ضمن جينيالوجيا المعرفة. وإلى ذلك فإنّه منشدّ إلى فضاء أخلاقيّ تتجاذبه قيم مختلفة ومشاعر مركّبة.
لكن ما دام الأمر يتعلّق بمدّونة الحبّ المرح، وأكثرها جرأة، فإنّ المطلوب لا بدّ مستهدفٌ شعريّة الحبّ ومقولات أخرى نظير الرّغبة والحاجة والمتعة وغير ذلك من المقولات والمفردات التي من شأنها أن تنتسب إلى دائرة الممارسة الغراميّة الجسديّة عموما. لكنّ ذلك لا يمكنه أن يحدّ الحبَّ الجسدي حدّا كلّيا صارما. ولذلك يكون من الأجدر أن نتساءل: كيف يتجلّى هذا الحبّ المرح؟ بل أهو «جسدي» حقّا كما يقع في ظنّ قارئه؟
بل لعلّه أقرب إلى مباحث جماليّة المتعة أو اللذة، من جهة تخييلها في بعض أنماط الكتابة الإبداعيّة. ولذلك فإنّ هذه الأشعار، كثيرا ما يكون مدارها على ارتداء الراغب أو المرغوب فيها، رداء اللّغة أو قناعها، أو النّظر إليهما بعين اللّغة. قد يكون من الصّعوبة بمكان، أن نردّ كلّ هذه الكتابة الجسديّة إلى الواقع ما دام الأمر يتعلّق بتنويع شعريّ على نواة أو «تيمة» واحدة، بالرغم من أنّ خبرة الحبّ أو الجنس تظلّ على شيوعها خبرة فرديّة؛ فمثلما يبدع أيّ منّا وحده، ويموت وحده، فأنّه يحبّ وحده. وقد لا يتعلّق الأمر في هذا السياق بالمعيش الجسدي لدى الأفراد وإنّما يتعلّق بجماليّة الحبّ في نصّ يضعنا إزاء رؤية من رؤى العالم. ولعلّها «ذاتيّة» في جانب منها، وقد تكون «اجتماعيّة» أو «نفسيّة» في جانب آخر، وقد تكون «شعريّة» أو «إنشائيّة» في جانبها الأغنى. وكلّ قصيدة من هذه القصائد لا يمكن أن تؤخذ من حيث هي وثيقة أو تاريخ حياة وعصر وجيل، أو حتى تاريخ حالة أو اعتراف. إنّما هي شكل فنّي ينضوي إلى القول الشعري بالمعنى الواسع للكلمة، دون أن يسوق ذلك إلى القول إنّ صلتها بالحياة منقطعة أو تكاد، أو هي مفصولة عن المجتمع أو الإيديولوجيا. وهذا أدب، والأدب يظلّ تخيّرا نوعيّا من الحياة، على قدر ما يظلّ عملا تخييليّا؛ الأمر الذي يسوّغ قولهم «واقعيّة العمل التخييلي»؛ كلّما أذكى الكاتب الإيهام بالواقع، وكان لذلك أثره في القارئ؛ حتى لَيبدوَ التخييل أقلّ غرابة من الحقيقة وأكثر تمثيلا. وهذه الأشعار تنشئ عالما أكثر ممّا تعالج قضيّة. والشاعر المتمكّن يملك هذا العالم الذي يفيض عن عالم الحياة، أو هو يداخله من أكثر من جهة من جهاته. ومن هذا المنظور فإنّ التداخل في هذا الأدب المرح؛ ليس تداخلا بالمطابقة، إذ ليس ثمّة مشابهة أو مماثلة، وإنّما مجاورة أو إرداف؛ كلّما عدل الشاعر استعاريّا كنائيّا إلى إقامة في المكان وفي الزمان؛ بل إلى بعض ما يترسّمه الفلاسفة من منزلة للهوى من منازل النّفس؛ سعيا إلى الظّفر بحقيقة اللذة أو المتعة أو الجنس؛ إن كان حالة للقلب أو اقتضاء للعقل. وفيها أيضا ما يشخّصه الأطبّاء قديما من أدواء العشق وتبعاته من اعتلال يعتري البدن أو يعلق الرّوح، وحتّى عن طريق انزياح بعاطفة الجنس نحو الإلهيّ حلولا أو فيضا.
لكن ما يعنيني إنّما هو النّظر إلى ضرب من ضروب الأدب المرح عند معاصرينا الذين ذكرت؛ في هذا الشعر المعقود على الانفعال أو الوجدان، وعلى الإدراك؛ وفيها يتداخل النّفسيّ والجسديّ في منحى يخفّف من المغالاة في روحنة الحبّ أو في شبقيّته؛ حيث التغنّي بالجسد وتكثيف الاستعارة بشأن بعض أعضائه؛ مناسبة لكشف شوق يغلب على النّفس أكثر ممّا يغلب على ميول الجسد. فكأنّما نحن بصدد «أيروتيكا عشقيّة» ـ وهذا اصطلاح أنحته على حيطة وحذر، ولكنّني أجازف به من حيث أنّ دلالته متعة معرفيّة أكثر منها أيروتيكا جسديّة خالصة. وهذا ممّا يحدّ من شطط الغلمة في عماها الغريزيّ؛ دونما توجيه أو من الاحتفاء الشّبقيّ بالجسد ومقايسة جماليّته، بمقياس طواعيّته للممارسة الجسديّة دون سواها.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية