في أصولية المعارضة الانقلابية وتطرفها.. مصر مثالا

حجم الخط
0

مع انقلاب الجيش المصري على مؤسسات الدولة المنتخَبَة وعلى الشرعية، بدأ تاريخ جديد للمعارضة التي تولت الحكم يوم 3 تموز/يوليوبالقوة، بغرض واحد هواستئصال الإسلام السياسي من الحياة العامة. فقد كلفّ الجيش نفسه مهمة وَأْد تجربة الإخوان المسلمين في أوّل بلد عربي تمكن فيه تيار اسلامي من الوصول إلى الحكم. ومن هنا أصولية الهيئة الانقلابية أنها مناهضة للإسلام السياسي في المنطلق وفي آلية محاربته. ونحاول أن نشرح ونوضح على النحو التالي: الانقلاب على الشرعية هو فعل سياسي مطلق، رغم أن السياسة نسبية بالتعريف، لأن نتائجه السلبية والكارثية على المجتمع المصري لا تني تتواصل ولا تتوقف مع الأيام والشهور والسنوات، ومفرداته اليومية هي الموت والاعتقال والحصار والعنف والإرهاب والملاحقات والتربص بالإسلام السياسي في كافة تعبيراته.
الجيش المصري كهيئة انقلابية على الحياة السياسية لما بعد ثورة 25 يناير ثَوَت في طياتها واستَبطنت كل المجالات والميادين السياسية، الأمنية، الاقتصادية والاعلامية والقانونية والاجتماعية، فضلا على الدينية وهذا هو الأساس، بمعنى أن أصل الانقلاب هو على الدين كسياسة ومجتمع. ولا يمكن أن تتخلّى عن هذه المجالات إطلاقا، لأن رفع اليد معناه فورا عودة الإسلام السياسي، وفقـــا لقاعدة الاستقطاب الثـــــنائي بين المعارضة الأمنية للإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين ومن ينضم إليهم في إطار التحالف من أجل استعادة الشرعية. الانقلاب كجريمة سياسية مطلقة بامتياز، في السياق الدولي الراهن، لا يُدْرك الإصلاح والتوافق ولا التعديلات، لأن كل هذه الأمور من الســــياسة في الزمن العادي، وكان يمكن أن تستغل قبل الانقلاب، أما وفعل مصادرة الحياة السياسية برمتها قد تم، معنى ذلك أن الانقلابيين ومن معهم من فلول النظام السابق فضلوا، عن عقيدة سياسية وأمنية، أن الفعل يجب أن يكون مطلقا يستوعب كافة مناحي الحياة، من أجل اعدام حقـــيقي للإسلام السياسي. وما يضيف إلى اطلاقية الإجراء الإنقلابي أنه سوف يصارع خصما لا يمكن استئصاله بسهولة لصلته الشديدة بالمجتمع المصري، قوامه ومقومّه هو الدين الإسلامي.
المشهد الجديد الذي نحضر له اليوم في الحياة المصرية من تفاعلات الانقلاب على مؤسسات الدولة المصرية المنْتَخَبة، هو وصول المعارضة العسكرية/ الإعلامية إلى سدّة الحكم بالقوة، عبر تزييف الوعي لفصيل من الجمهور المصري. ففي عصر الديمقراطية التي ذاق طعمها الشعب المصري، بعد ثورة 25 يناير 2011، لا يمكن للحياة السياسية أن تتراجع ولا يمكن للعقل المصري الجديد أن يتنكّر لمقوّم جديد هو الحق في الديمقراطية، التي صارت إمكانية جديدة يصعب التنازل عنها، وهو ما يجري في الميادين والساحات والشوارع المصرية في كافة المحافظات، والحبل على الجرّار كما يقال. الاستعانة بفصيل من المصريين لتمرير الانقلاب وفرض ‘الشرعية’ عليه هو الذي سيساعد أكثر على خلع الأصولية على ‘ خارطة الطريق’ لأنها ترمي واقعيا، أو هذا هو قدرها المحتوم، إلى تأليب فصيل ضد فصائل أخرى من المصريين، ويصبح رهان اللعبة هو تحقيق الانتصار العددي لمن يقف مع أو ضد مبدأ ومرمى الانقلاب .
جاء انقلاب الجيش المصري على ثورة الشعب في سياق مفارق للعصر في كل تجلياته ومظاهره المنافي تماما لأوضاع ولّت وانتهت إلى دون رجعة: العبودية، الاستعمار، الأنظمة الفاشية، الانقلابات، السلطوية العربية… ثورات الربيع العربي، ومنها ثورة 25 يناير من الأحداث التاريخية، حسب المفكر الفرنسي آلان باديو، أي من تلك الأحداث التي لا تأتي في التاريخ إلا في حالات نادرة، ويجب أن تتواصل مع كل التاريخ الذي سبقها وتجايل وتساوق اللحظة الحاضرة في كل زخمها وتعبيراتها وتنشد كل التاريخ الذي يأتي بعدها. فثورة الربيع العربي هي من قبل يقظة التاريخ الحي والفاعل في حياة الشعوب العربية الراهنة، ويجب ألا تنتكس أو يعتريها النكوص، كما بيّن انقلاب الجيش المصري الذي استغل الهوامش والجوانب والمجالات التي لم تطلها الثورة الحقيقية. فإجراء مصادرة الحياة السياسية، كما ورد في خارطة طريق الجيش المصري في 3 يوليو الماضي، يعد ثورة مضادة وانقلابا صريحا لثورة الربيع العربي التي تجاوبت ولبَّت سببا معقولا جدّا، وهو وضع الحد النهائي للنظام الاستبدادي العربي.
ولأن الانقلاب إجراء مناف تماما لما يجب أن يتم بعد ثورة الربيع العربي، فإنه يفرز ويستمر في فرز وقائع وأحداث عنيفة واستخدام القوة المفرطة بشكل متصاعد لا يعرف حدا، لأن ما يخلقه من عنف وفساد على أرض الواقع يتضاعف مع الوقت، ويصبح رائد الانقلابيين الوحيد هو درجة العنف المستخدم لوضع حد للإسلام السياسي واستئصال الإخوان وأنصار الشرعية التي جاءت بها الثورة. هيئة الجيش المصري كانت زمن حكم السلطة المنتخَبَة، تعمل خارج مؤسسة الجمهورية والرئاسة، ومن ثم كانت خارج اللعبة الديمقراطية، بمعنى أنها نَأَت بنفسها أن تكون مؤسسة يَسْرِي عليها ما يسري على بقية مؤسسات الدولة المصرية كجمهورية جديدة، الأمر الذي جعلها تنفرد بقرار الانقلاب على وضع لا تريده، بل تعمد إلى فرض واقع يجب التعامل معه عنوة، وتجبر الجميع على الامتثال لأمر واقع فقط لأن السلطة الانقلابية تملك قوة السلاح وجهاز الأمن. ومن هنا فسوف تمتحن السلطة العسكرية المصرية، في سياق لحظة الثورة المضادة، في أهم مقَوِّمَاتها: تماسك وحدة الجيش والأمن، القدرة على استخدام السلاح في المجال المدني بدلا من الحروب والمعارك العسكرية، حفظ مصداقية الجيش في الدولة والمجتمع.
في زمن الديمقراطية يدرك الجميع أن الحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية يحكمها المقوّم النسبي ولا تقوم على ما هو مطلق. فعندما نقول الشعب فهو بالضرورة فصيل من هذا الشعب وليس كلّه. أما التوجه الدائم إلى استغلال فكرة الشعب على أساس أنه كل الشعب فهذا ما يندرج في خطاب شعبوي غوغائي جدير بالأنظمة الفاشية والسلطوية. وعلى هذا النحو تعامل الجيش المصري في انقلابه على الثورة، فقد تعامل مع فصيل من المصريين على أنهم كل الشعــــب، واحتاج إلى اعلام مزيفّ للحقائق والوعي، وإلى غلق المشهد كله على أنصار الانقلاب والتعامل فقط مع المنطق الذي يبرر ويسوّق الانقلاب وخارطته للطريق التي تزرع يوميات الحياة المصرية بالعنف والدم والإرهاب والقوة كأفضل ما يستطيع الجيش أن يستثمر فيه. حقيقة الحقائق في المشهد الانقلابي هو صناعة الموت والدمار والإرهاب، كتعبير عن الفعل الاستثنائي المتواصل والمعبّر عن ماهية الفعل الانقلابي الذي يسقط اثاره المدمرة على ما هو قادم وآيل إلى المستقبل.
وهكذا، فالانقلاب العسكري، على النحو الذي ابتدره وابتكره الجيش المصري، يستند إلى خطاب أصولي متطرّف لأنه يستند في البداية والسياق والنهــــاية إلى إطار مرجعي يكون بمــــثابة السند الذي يسوّغ به كل الآثــــار التي تنجم لاحقا عن الفــــعل المصادر للمــــؤسسات الشرعية. ولأن الجيش هو بالتعريف مؤسسة تمتلك السلاح والقوة والجهاز الأمني، فهي تستخدم وتستثمر قوتها المسلحة في القطاع المــــدني وتحوّله إلى مجال عسكري يبرر تدخلها. أصولية الانقلاب العسكري كامنة في فرض منطق الحرب على الإسلام الأصولي أو الإسلام السياسي، لأن المغزى العميق للانقلاب هو استئصال الإخوان ودعاة الشرعية من المشهد العام.
قد لا يظهر ذلك بشكل جلي اليوم، لكن ‘خارطة الطريق’ ستصل إليه لا محالة، لأن هذا هو الغرض الأصلي الذي أملى الانقلاب منذ البداية وما قبلها أيضا. وبالتحليل السياسي الواضح نقول ان الانقلاب العسكري حركة تكثف السياسي والعسكري والديني والاقتصادي والاجتماعي والإعلامي، كل هذه المظاهر والمجالات هي بيد الجيش ولا يمكنه أن يتخلى عنها إطلاقا وإلا انقلبت الأوضاع ضده، لأنه يمارس الحكم المطلق الذي يأبى التنازل عن أي من هذه المجالات.

‘ استاذ جامعي وكاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية