أنت ..أيتها الذاهبة الى النسيان
العائدة من النسيان
مزقني الخجل والحب
و صرت كشهقة اللون في سراب اللغات
حسنا…………..
ولكنني
دافئ كليالي الشتاء …
سوف أراوح بين المعنى والمعنى
حتى اذا قالت الفصول أشياءها…
كنت.. أنت القصيد..
الآن ألج عوالم الفنان..الذي التقيته من سنوات بعد اطلالة ساحلية على الوطن الجميل.. كان طفلا مسكونا بالمعاني المذكورة ..
كان طفلا كبيرا لم تفعل فيه سنوات الغربة شيئا غير أن تمنحه القدرات العميقة على فهم الحالة الانسانية السوسيولوجية والثقافية التونسية بحميمية الفن ونار السؤال وجحيم المغامرة..هو يتهجى الينابيع بحثا عن المفردة التشكيلية الملائمة..
نجيب بوقشة..الفنان التشكيلي وبعد سنوات بالمشرق عاد ليستعد منذ حوالي سنتين لديوانه التشكيلي الذي يكون هذا الأسبوع بدار الفنون بالبلفيدير ( من 17 الى 26) تحت عنوان مواطن ‘ ‘matricule
لقد كان اشتغال نجيب ومنذ سنوات على مشاكل الهوية التي تضيع من الكائن ببساطة ليغدو معها رقما وحالة من الضياع وذلك في شتى الاحوال والمظاهر الفردية والجماعية.. هو انسجم مع جدية المسألة ولم يعد يعنيه سوى العنوان الخطير للاندثار والتشييء ..لذلك كانت لوحاته (التي تكون بالمعرض ..وغيرها من أعماله) مجالا للامساك بالجوهر الغريب في الحكاية.. وبالتالي جاءت شخوصه التشكيلية مبتورة ومتوترة وغائبة الملامح وطغت فقط ملامحها التجريدية في ضرب مما ينطبع على قماشة النفس .. نفس الفنان من ألم تجاه هذه الأكوان التي تمضي بالانسان من الحالة الى الآلة وتلقي به في النهاية في متحف مهجور..كرقم ضمن بقية الأرقام..
نجيب بوقشة يتعاطى جماليا مع عمله ضمن هذه التجربة بتلك الفسحة من التعبيرية والانطباعية ضمن وعي تجريدي باذخ تبرز معه ووفق تقنيته التشكيلية الكائنات والشخوص التي يتقصدها ويستهدفها ابداعيا بما يشير اليها من أشكال تامة بنقصانها حيث يترك للمتلقي اتمام وتخيل بقية عناصرها وجزئيات الفضاء وهي متممات لا تعني نجيب الفنان بل هو يقحم القارئ للحاق في جوهر اللعبة المدهشة التي تدور حول السؤال ..سؤال القلق والشقاء..و التعب..شخصيات لوحاته (بما في اللوحة من حكايات) قلقة ومحبطة وهي أشبه ‘بالأطلال البشرية’ وهنا يحملها بالمعالجة الفنية والجمالية الى عوالمها النورانية من حيث نبلها وأحلامها وحتى خساراتها الجميلة التي هي عوالم الاعتبار..المواطنة بعبارة أخرى بعيدا عن أختام العولمة..’ الماتريكيل’..أو الرقم الألي..
هي الصرخة العارمة التي يطلقها نجيب بعد سنوات الغربة التي علمته (كفنان) الكثير ..هي بمثابة الصدمة المدوية والقاتلة ولكن الخلاقة أيضا حيث يعود الفنان الى دفء ألوانه ومفرداته التشكيلية بوعي مغامر.
حالة ثقافية بارزة تكشف شيئا من ألقها المعرفي والحضاري والوجداني وبالتالي الابداعي تجاه التشييئ لأجل استعادة الانسان لجواهر فكره ووجوده ودوره بعيدا عن التنميط والتحنيط وهنا نلمس تلك الشحنة من الحيوية والحركة في اللوحات، وأعني الحرية بالنهاية كقيمة تمتد بين الحياة والقماشة، أي في الزمان والمكان وفي الحيز الجمالي والمساحة التشكيلية..هنا تحرك نجيب.. وعلى عبارة نيتشة هكذا تحدث بوقشة..
أعمال أخرى بالأكواريل تكشف عن طاقة تعبيرية جميلة ومحببة في تجربة نجيب بوقشة فيها اعادة كتابة المكان لونيا حيث المتعة في تخير المشهدية والضوء.. وفي مراوحة بين الأعمال المنجزة والمحلوم بها يبتكر الفنان بوقشة حيزا من عالمه المسكون بالانسان.. ولكن بكثير من الكد الجمالي بعيدا أيضا عن الكثير من الأعمال الملتزمة ولكنها خالية من القيمة الفنية والتشكيلية.
انها رحلة الفن العميقة.. والفنان يترجمها بعد الاكتواء بتفاصيلها الى جمال نوعي..
في هذه الفسحة من أعمال نجيب التي ستكون في المعرض بداية من يوم 17 مايو/ ايار بدار الفنون شيء من البوح، هو البوح بالفجيعة والصراخ انحيازا للحالة على حساب الآلة. والرحلة بالنهاية هي اقامة قلقة بين الوردة والسكين.
شمس الدين العوني