في أمسية ثقافية في إسطنبول… تجربة السينمائي السوري نادر الأتاسي: فيلم ومحاضرة ونقاش بلا رقيب

فراس الحمصي
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي» : دأبت صالة دار الأتاسي وهي جمعية ثقافية اجتماعية مرخصة في تركيا، على إقامة فعاليات ثقافية وفنية في مقر الدار في إسطنبول، طالما جمعت السوريين الذين يبلغ عددهم في إسطنبول أكثر من نصف مليون سوري.. والذين قلما تجمعهم نشاطات ثقافية في ظل غياب تمثيل أو جالية واضحة، باستثناء بعض الفعاليات التي تقام على هامش معرض الكتاب العربي في إسطنبول كل عام.
يوم السبت الأخير من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، كان مميزاً بحق في سجل نشاطات الدار، التي أحيت احتفالية استعادت من خلالها سيرة واحد من آباء السينما السورية المجهولين. وربما لا يمكن أن تجد الجهة المنظمة في هذا السياق أفضل من الكاتب والناقد السوري محمد منصور، الذي عرف نادر الأتاسي عن قرب، وطالما كتب عن أعماله الفنية ونشاطاته هنا في «القدس العربي» كما تشير المقالات التي ظهرت صورها في الفيلم الوثائقي الذي أعده عنه.
تضمنت الأمسية الثقافية المميزة هذه فيلما وثائقيا أنتجته دار الأتاسي خصيصا للمناسبة، قام بكتابة السيناريو له وبمونتاجه وإخراجه محمد منصور، وكان باسم «المليونير العاشق» ثم تلته محاضرة للكاتب نفسه، استعرض فيها مسيرة نادر الأتاسي الحياتية والفنية، الذي رحل عن عالمنا عام 2016 وكان مهرجان القاهرة السينمائي قد كرمه عام 2005 كواحد من كبار منتجي السينما في العالم العربي.

من المليونير العاشق لامبراطورية غوار!

جاء فيلم «المليونير العاشق» في أكثر من ثلاث عشرة دقيقة. مشبعا بنكهة الحنين للسينما، من خلال افتتاحية باذخة على وقع موسيقى رحبانية مأخوذة من إنتاجات نادر الأتاسي السينمائية نفسها. أجواء ساحرة لتركيب شرائط الفيلم في صالات العرض، ولاستعادة الصور- والآلات الأنتيكا.. ليتوإلى بعد ذلك سرد وثائقي متماسك مشحون بالدلالات الاجتماعية والثقافية التي ترصد التحول في المجتمع السوري، من زمن البساطة، حيث كان وصف المليونير هو قمة الثراء قبل أن تحلق ثروات الفساد في سجل الأرقام الفلكية والمليارات.. إلى زمن السينما الناشئة التي كانت تبحث عن عاشق مليونير، وجدته في صورة المهندس المقاول وصاحب شركة الإنشاءات الناجحة الذي صار لسنوات طويلة الممول المنقذ للعديد من الأعمال، والذي أنتج كل أفلام فيروز، وتحمل خسارة أول أفلامها «بياع الخواتم» بسبب فذلكة مخرجه يوسف شاهين، التي ضاعفت تكلفة الإنتاج، قبل أن يدخل دريد ونهاد للسينما، ثم يتبنى أفلام محمد الماغوط وزكريا تامر في أعمال مثل «امبراطورية غوار» «الحدود» «التقرير» . المهم في هذا الوثائقي البديع المشغول بأناقة وبساطة إلى جانب بساطته وعمق تناوله، هو ربط نشاط نادر الأتاسي السينمائي بإنجاز البورجوازية الوطنية السورية التي عاداها نظام البعث، وأمم شركاتها ومؤسساتها، لكن نادر بك استطاع أن يكون استثناء في البقاء أو القدرة على البقاء على حد تعبير الفيلم.

أكثر المشاهير المعروفين تعتيما

توسع الكاتب محمد منصور في المحاضرة التي تلت الفيلم وكانت بعنوان (السينما السورية كما صنعها نادر الأتاسي) في تحليل ظاهرة هذا المنتج الذي لم يبخل على الفن وصالات السينما في سوريا بكثير من الجهد والتعب والرعاية والتمويل. فأشار إلى أنه: «في ثقافة البعث المريضة، ممنوع أن تتحدث في الفن عن المنتِج. فالمنتج هو مجرد تاجر يملك المال، والفن لا يصنعه أصحاب المال، بل أصحاب المواهب من كتاب ومخرجين وممثلين، والمنتج الوحيد الذي يستحق أن يذكر هو الدولة فقط، ولا بأس من اختصار الدولة في شخص السيد الرئيس، ليصبح هو راعي الفن والفنانين وهو الفنان الأول والسينمائي الأول.. أما المنتجون الحقيقيون فلا مكان لهم سوى التهميش والتعتيم.. وعلى هذا كان نادر بك الأتاسي أكثر المشاهير المعروفين تعتيماً. بمعنى أن اسمه يمكن أن يتردد على لسان كبار الفنانين في حواراتهم الصحافية والمتلفزة، ويمكن أن ترى صوره في السهرات العامرة التي كان ينشر عنها باب المجتمع أيام ازدهار المجلات الفنية، وقد تقرأ عنه في مذكرات منصور رحباني مثلا، أو في حوارات نهاد قلعي، لكنه بالنسبة لجمهور الثقافة وعشاق السينما، هو مهندس حمصي لديه مال وفير ورثه من أسرته الغنية، وقد أنتج عددا كبيرا من الأفلام من أجل الربح.»
مفارقة أكد عليها نور الأتاسي في تقديمه للمحاضرة، واستأثرت بنقاش مستفيض من قبل جمهور الحضور، الذي راح يناقش كل الأبعاد السياسية والرقابية لتجربة نادر أتاسي بسقف عال، في غياب الرقيب السوري، أو المخبر الذي كان يكتب تقارير للأمن عما يدور في النشاطات الثقافية، ما قبل اندلاع الثورة السورية وربما بعدها. إلا أن أهمية هذه الأمسية أنها تبقى تعبيرا عن نشاط ثقافي سوري يتنامى في تركيا ليعبر عن الوجود الحضاري للاجئين السوريين هنا في تركيا، وليؤكد أهمية استعادة الذاكرة السورية في زمن يبدو أن الجيل الجديد بحاجة للتعريف بهذه الذاكرة التي طالما استبيحت بالتعتيم أو التهميش أو التزوير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية