في أوروبا مظاهرات التضامن مع الفلسطينيين بين الترخيص والحظر

آدم جابر
حجم الخط
1

باريس ـ «القدس العربي»: مع استمرار الحرب بين إسرائيل وحماس وارتفاع حصيلة ضحايا القصف على غزة، تتزايد المظاهرات في أنحاء متفرقة من القارة الأوروبية، والتي تقابل العديد منها بإجراءات مفروضة تتراوح بين القيود التي تستهدف بعض الكلمات التي يتم ترديدها واللافتات أو الأعلام الفلسطينية، إلى اعتقال المتظاهرين وعنف الشرطة ضد المتظاهرين. وفي بعض الحالات، تم حظر هذه المظاهرات بشكل كامل. فبينما تعيش بعض البلدان كفرنسا وألمانيا وسويسرا على وقع حظر بعض هذه التجمعات الداعمة للفلسطينيين والسماح ببعضها الآخر، فإن دولاً أخرى كإسبانيا تركت الباب مفتوحا أمام هذه المظاهرات السلمية التضامنية مع غزة، فيما حظرت دولة كالمجر، ورئيس وزرائها فيكتور أوربان بنفسه، أي تجمع داعم للفلسطينيين.

ففي الوقت الذي تتواصل المظاهرات، بما في ذلك مظاهرات ضخمة في مدريد ولندن، والعديد من المدن الإسبانية والبريطانية، تضامنًا مع الفلسطينيين وإدانة لرد فعل إسرائيل على هجوم حماس ودون أي حظر يُذكر، تحظر السلطات الألمانية، في المقابل، معظم المظاهرات المؤيدة لحقوق الفلسطينيين، لأسباب «أمنية وخشية معاداة السامية، أو التحريض على العنف» حسب السلطات الرسمية المعنية. وحصلت اشتباكات مع متظاهرين رفضوا قرار الحظر، شابها اعتقال الشرطة لبعض المتظاهرين، كما حدث الأسابيع الماضية في العاصمة برلين. ومع تزايد أعداد ضحايا القصف الإسرائيلي، الذي لم تسلم منه المدارس والمستشفيات، باتت السلطات في عدة مدن ألمانية ترخص للعديد من التجمعات تضامناً مع غزة، بعد أن قوبل الحظر بمظاهرات رافضة له.
على غرار ألمانيا، تواصل بعض المدن الفرنسية السماح للتجمعات الداعمة للفلسطينيين، وتستمر مدن أخرى في حظرها، وسط اتخاذ المحاكم الإدارية أحيانًا لقرارات مختلفة بشأن هذا الموضوع. وكان مجلس الدولة، أعلى سلطة قضائية إدارية بفرنسا، قد رفض الحظر الممنهج للمظاهرات أو التجمعات المؤيدة للفلسطينيين، الذي أمر به وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان، بحجة أنه من المحتمل أن «تؤدي إلى اضطرابات في النظام العام» في ظل خشية الحكومة الفرنسية حدوث تجاوزات في بلد يضم أكبر جالية يهودية في أوروبا. واعتبر مجلس الدولة أن الأمر متروك لمحافظي الشرطة لتقييم «على أساس كل حالة على حدة» ما إذا كان خطر الإخلال بالنظام العام يبرر فرض حظر على المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين. وقد حظر قائد شرطة باريس المظاهرة التي كان من المقرر تنظيمها يوم السبت 28 تشرين الأول/اكتوبر في باريس، في قرار أيدته المحكمة الإدارية بالعاصمة الفرنسية. وهو ما لم يمنع بضعة آلاف من الأشخاص من التجمع وسط العاصمة. فيما سمحت مدن أخرى بتجمعات مماثلة. ونظمت السبت العديد من المسيرات لدعم الشعب الفلسطيني أو بشكل عام للسلام في الشرق الأوسط في جميع أنحاء البلاد. ففي حين، حظرت مدن أخرى كنيس المظاهرة التي دعا عليها الحزب الشيوعي الفرنسي من أجل الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة، تمت، في المقابل، الموافقة على المظاهرة المؤيدة للفلسطينيين المقررة في باريس والتي شارك فيها الحزب الاشتراكي. وقبل ذلك، سمحت السلطات في العاصمة الفرنسية أيضاً بمظاهرة للمطالبة بإنهاء «المجزرة في غزة» و«وقف فوري لإطلاق النار» دعا إليها نواب في البرلمان عن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي.
حظر المظاهرات الداعمة للفلسطينيين

في سويسرا، كما هو الحال في جميع أنحاء أوروبا، تطرح مسألة حظر المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، حيث إن هناك فرقاً في التقدير بين سويسرا الناطقة بالألمانية وسويسرا الناطقة بالفرنسية. ويعد حظر المظاهرات أمرا نادرا إلى حد ما في سويسرا الناطقة بالفرنسية، وخاصة في جنيف، التي تعرف نفسها بأنها عاصمة حقوق الإنسان. فبالفعل، تشهد المدينة مظاهرات كل يوم تقريبًا أمام قصر الأمم المتحدة حول العديد من المواضيع. في المقابل، تبدو السلطات السويسرية الناطقة بالألمانية، أكثر ترددا في السماح بهذه المظاهرات الداعمة لأهالي غزة والقضية الفلسطينية، وذلك «لأسباب أمنية». فقد حظرت مدن برن وزيورخ وبازل جميع المظاهرات المرتبطة بالنزاع وليس فقط التجمعات المؤيدة للفلسطينيين. لكن ذلك لم يمنع من حصول تجمعات في هذه المدن حتى لو لم تكن جميعها مرخصة.
وعلى عكس الاتحاد الأوروبي، لا تصنف سويسرا حركة حماس «كمنظمة إرهابية» وهذا نتيجة للحياد السويسري. فباستثناء تنظيمي «القاعدة» و «داعش» لم تكن لدى البلاد أبدًا قائمة سوداء للمنظمات المصنفة على أنها إرهابية لأنها تلعب تقليديًا دورًا وسيطًا في العديد من الصراعات. وسبق لها أن قامت به بين إسرائيل وحماس. ولكن في مواجهة الضغوط السياسية والرأي العام، غيرت الحكومة رأيها وتقول الآن إنها تؤيد تغيير وضع حركة حماس. ومع ذلك، تدعو عائلات الرهائن الإسرائيليين سويسرا إلى عدم القيام بذلك بسرعة كبيرة حتى تتمكن برن من المساعدة في التفاوض على إطلاق سراح ذويهم.

التحرك بشكل استباقي

أما في بودابست، فقد تم حظر مظاهرات «التضامن مع غزة»، وأولها تلك التي كان من المقرر تنظيمها في13 شرين الأول/اكتوبر الماضي، بدعوة من رابطة الفلسطينيين المقيمين في المجر. وبررت الشرطة المجرية خطوتها بالقول إن حركة حماس دعت المسلمين في جميع أنحاء العالم للتعبير عن غضبهم في 13 أكتوبر، ولهذا السبب تم «التحرك بشكل استباقي».
ويتمتع رئيس الوزراء فيكتور أوربان بعلاقات شخصية ممتازة مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ورغم ذلك، يُتهم فيكتور أوربان أحيانًا بالتغاضي عن معاداة السامية الكامنة في بلاده. على سبيل المثال، تم إدراج مؤلفين مرتبطين بالنازية في المناهج المدرسية. لكن أوربان ونتنياهو دخلا في نوع من الاتفاق الضمني. يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بصوت عالٍ أن الحكومة المجرية ليست معادية للسامية، وفي المقابل يدعم فيكتور أوربان إسرائيل في الأمم المتحدة، ويصوت ضد القرارات التي تدينها. وهكذا يحمي السياسيان بعضهما البعض.
وفي معرض ردها على القيود المتزايدة المفروضة في العديد من الدول الأوروبية على المظاهرات الداعمة لحقوق الإنسان الفلسطيني، قالت منظمة العفو الدولية من مغبة إن «العواقب المدمرة للقصف الإسرائيلي والحصار غير القانوني لقطاع غزة تدفع العديد من الناس في أوروبا إلى الاحتجاج من أجل حقوق السكان الفلسطينيين. ومع ذلك، في العديد من البلدان الأوروبية، تقيد السلطات بشكل غير قانوني الحق في الاحتجاج». وحثت المنظمة الدول على التزام قانوني بالسماح للناس بالتعبير سلمياً عن آلامهم ومخاوفهم وتضامنهم، داعية السلطات في جميع البلدان في أوروبا إلى «حماية وتسهيل ممارسة الحق في التعبير والتجمع السلمي للجميع».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية