الدوحة ـ ‘القدس العربي’- من محمد منصور: وجد الفنان الأمريكي الشهير ريتشارد سيرا (76 عاماً)، نفسه في موقف لا يحسد عليه إزاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم له في رواق المتحف الإسلامي في العاصمة القطرية الدوحة في التاسع من نيسان / إبريل 2014، صبيحة اليوم التالي لتدشين منحوتته العملاقة (شرق- غرب/ غرب شرق) في محمية (بروق) الطبيعية بالقرب من منطقة زكريت غربي قطر… فقد واجه مجموعة من الأسئلة الاستفسارية والهجومية من الصحافيين، الذين كان قد حضروا بالأمس حدث افتتاح المنحوتة، التي تعد الثانية له بعد منحوتة (7) التي بدأ العمل فيها في ديسمبر عام 2011 واستغرق قرابة العام، لتنتصب أخيراً في حديقة المتحف الإسلامي في قطر مطلة على مياه الخليج مباشرة.
ما قيمة هذه الألواح المعدنية؟!!
أما منحوتته الجديدة التي أطلق عليها اسم ‘شرق- غرب/ غرب- شرق’ فهي تمتد على مساحة أكثر من كيلومتر، لتعبر شبه جزيرة محمية (بروق) الطبيعية وتصل ما بين المياه في الخليج. وهي تتكون من أربع صفائح من الصلب متناسقة مع تضاريس المكان. وعلى الرغم من المسافة البعيدة ما بين هذه الصفائح، إلا أنه يمكن رؤيتها جميعاً من أي جانب من الجوانب.
وقد تجشم الصحافيون الذين دعتهم إدارة متاحف قطر، عناء الذهاب إلى منطقة صحراوية على بعد 60 كم من العاصمة الدوحة، ثم تبديل سياراتهم بأخرى مخصصة للدخول في عمق الصحراء، كي يفاجأوا بأن الفنان الأمريكي الشهير، لم يقدم لهم سوى أربعة ألواح ضخمة من الفولاذ، نصبها في عمق الصحراء، محملاً إياها دلالات في العنوان عن العلاقة بين الشرق والغرب، لم يستطيعوا أن يجدوا لها أي أثر، في تلك الألواح الصماء، التي لم تحمل أي رسم أو نقش أو لون أو إضافة!
سألته صحافية لبنانية: يتساءل الناس ما قيمة هذه الألواح المعدنية التي أنفق عليها الكثير من المال، وما الذي تقدمه للناس؟!
تدفقت أفكار الرجل السبعيني المصدوم من السؤال محاولا الدفاع عن عمله، ولم يخلُ كلامه من الاعتراف الضمني بوجود حلقة مفقودة، قال سيرا:
‘هذه القطعة تقدم مساهمة ثقافية للبلاد، ولكن إذا لم يفهموها، إذا لم يتعمقوا بها فالأمر يحتاج لإحساس في الحقيقة. فهي لا تصف فقط إيقاع الجسد حين يمشي في الصحراء، إنما تصف توجهنا أيضاً (شرق- غرب) وهي تجمع شبه الجزيرة العربية. هي ليست موضوعة فقط بطريقة رياضية، بل تتناسب مع مستوى الأرض ومستوى سطح البحر. لقد استغرق العمل وقتا طويلا لكي نجد الموقع الملائم، ولكي نضع القطعة في المنفذ الفعلي بين الشرق والغرب، نحن نريد أن نضعها في الصحراء كجسر بين الشرق والغرب. لكن إذا أصر الناس على عدم فهم شيء ما، فلا يمكن لهم أين يفهموه إذا أصروا على ذلك منذ البداية… الأمر يحتاج لتفسير ما، وهذا له علاقة بمكان نشأتنا وثقافتنا وإحساسنا، ولا يمكن اختزاله بالقول انه مجرد اربع صفائح فولاذية وضعت في الصحراء’.
يبدو حديث سيرا عن النشأة واختلاف الثقافة، مفتاحاً مهماً للبحث عن الحلقة المفقودة في تلقي العمل… فالذوق الشرقي الذي يستمتع بالتفاصيل وإظهار المهارة التشكيلية، أو على الأقل فتح آفاق الخيال في العمل الفني بإشارات لماحة، وجد نفسه أمام عمل تجريدي متقشف وأصم، إلى الحد الذي دفع صحافياً مصرياً للسؤال: لماذا لم تضع على المنحوتة بعض الرسوم أو الزخارف أو علم قطر؟!
بدا ريتشارد سيرا مستفَزاً في الجواب على هذا السؤال، الذي ينطوي على تبسيط ترويجي لعمله النحتي، رد بحسم:
‘المنحوتة هي منحوتة. علينا أن نتقبلها كما هي. المنحوتة يجب أن تخلق مساحة خاصة بها… وقد سألت مراراً لماذا لا تضع علماً أو تطليها باللون الأحمر… في بلدي أمريكا طلبوا مني منحوتة أضع عليها العلم الأمريكي لكنني رفضت. إذا لم تعجبك هذه مشكلتك’
لماذا انتهكت عذرية الصحراء؟!
البحث عن اللون أو العلم ليس وليد هذه المنحوتة التي أنجزها ريتشارد سيرا في قطر فقط، ولكنها حالة واجهها في تجارب سابقة أيضاً.
في تأملنا لمجمل منحوتاته المنصوبة في معرضه الأضخم في الشرق الأوسط، الذي تستضيفه قطر لمناسبة إنجاز منحوتته (شرق- غرب / غرب شرق) ربما نجد بعض الجواب على سر طرح هذا السؤال: إنها حالة التقشف الفني التي يعمل بها سيرا، والتي تدفع الآخرين للبحث عن معنى ما عبر العلم أو اللون… وهذا سيقود الحاضرين في المؤتمر الصحافي مرة أخرى للبحث عن الفارق… فارق الذوق الفني أو معالم التجربة الفنية حين يختلف المكان. ما دفع أحد الحاضرين للسؤال: ما الفرق بين وضع هذه المنحوتة هنا أو في بلدك أمريكا؟!
يقول سيرا: ‘الشيخة مياسة بنت حمد [رئيسة هيئة متاحف قطر] سألتني مرة أثناء تركيب منحوتة (7) هل تريد وضعها في الصحراء؟ قلت لها لا.. لكن عندما طلب مني تصميم منحوتة أخرى، فكرت أن بناء منحوتة في الصحراء أمر مهم وفرصة نادرة جداً، وأنا مدين لسعادة الشيخة مياسة وسمو الأمير والدها بذلك… فهذه فرصة لا تتوفر لي في بلادي، لأن الفن في أمريكا يأتي في المرتبة الثالثة بعد الترفيه والكرة. فالمنحوتات على الطريق الدولي نراها مثلما نرى المباني والمحلات والمتاجر والمنازل، وهي رديئة وفظيعة… ولكنها في الصحراء تختلف وتدفعك للتفكير بالزمن، الغوص بالزمن، وهذا متعلق بحساسية المرء’
لكن هذا الجواب الحار… لم يمنع أحد الصحافيين المغربيين من السؤال: ‘ألا تعتقد أنك انتهكت عذرية الصحراء بوضع هذه الألواح الفولاذية الضخمة فيها؟! ‘
بدا ريتشارد متفهماً لهذا السؤال، ولهذا جاءت إجابته كنوع من التبرير الموضوعي لوجود هذا العمل في الصحراء: ‘عندما كنا نبني هذه القطعة في تلك الصحراء على مدى أسابيع، لم يمر أحد في المكان. لكننا اليوم صنعنا مَعْلماً. أفهم أن يقول البعض لماذا لم تتركوا الأرض عذرية أو طاهرة… ولكن برأيي عندما تريد أن تقدم الثقافة يجب على المرء ان ينتفح، وأن يراها كعمل فني داخل هذا المشهد الطبيعي’.
ممر الزمن والفولاذ الألماني!
بعد انتهاء المؤتمر الصحافي… كان الجمهور والمدعون على موعد مع افتتاح منحوتة أخرى لريتشارد سيرا، إنما ليس في عمق الصحراء، بل في إحدى قاعات قسم الرواق في متحف الفن الإسلامي في الدوحة، المنحوتة الجديدة حملت اسم ‘ممر الزمن’ ويقول المنظمون إنها ابتكرت خصيصًا لتناسب المساحة الخاصة بقاعة الرواق الدوحة والبالغة 5000 متر مربع، وهي عبارة عن قطعتين متموجتين من الصلب مقاومتين للعوامل الجوية طولهما 66.5 متر وارتفاعهما 4.1 متر تتماوج بشكل قطري على طول قاعة العرض. صنعت هذه القطعة الفنية في ألمانيا في واحد من المصانع القليلة جدا التي تستوعب عملاً ضخماً مكوناً من الصلب كهذا.. وكان ريتشارد سيرا قد عبر في مؤتمره الصحافي عن إعجابه بالفولاذ الألماني بالقول: ‘الألمان يصنعون أفضل الفولاذ بأفضل طريقة وأفضل جودة في العالم… لقد اكتشفت أن الألمان يعيشون من أجل العمل’.
منحوتة (7) والتجربة الأولى!
كل هذه المنحوتات افتتحت بمناسبة تنظيم معرض ريتشارد سيرا المنفرد الأول في الشرق الأوسط، وهي تنضم إلى منحوتة (7) التي تمت الإشارة إليها، والتي تمكنا من مشاهدتها عن قرب في حديقة متحف الفن الإسلامي.
ويقال إن تم تفويض ريتشارد سييرا من قبل هيئة متاحف قطر لعمل المنحوتة ‘7’ بناءً على توصيات شخصية من المهندس (آي إم بي) الذي قام ببناء متحف الفن الإسلامي. ويقول المهندس أنه أراد فناناً يستطيع الإضافة إلى المتحف ويقوم بربط جمال المحتويات الفنية في المتحف ببناء ساحة عامة للجمهور.
الفكرة الأصلية للمنحوتة كانت تصميما ثماني الجهات بطول 66 قدماً (20 متراً). وتم تغيير ذلك وتعديله لاحقاً بعد مناقشات مع الشيخة المياسة التي لم تكن مقتنعة بالتصميم.. وقد تم استبدال الرقم ثمانية برقم سبعة المتكرر ذكره في القرآن الكريم، وفي الميثولوجيا الشرقية عموماً.. وأن سيرا قد وجد إلهامه في شكل المآذن الإسلامية، إلا أن من يتأمل منحوتة (7) لا يجد لها تلك العلاقة مع موروث المآذن، إلا من حيث امتدادها العمودي في المحيط.
فهم التجربة أم تقبلها؟!
يستمر معرض ‘ريتشارد سيرا’ في غاليري هيئة متاحف قطر في (كتارا) وهو الحي الثقافي في العاصمة الدوحة، وفي قاعة (الرواق) في متحف قطر الإسلامي حتى السادس من تموز / يوليو 2014… حاملاً منحوتات أخرى أبرزها ‘دعامة الواحد طن (بيت من ورق)، 1969’، المستعارة من متحف الفن الحديث في نيويورك، فضلا عن أحدث منحوتة له بعنوان ‘دبل تروكد اليبس III’، 1999.
ويعتبر ريتشارد سيرا المولود في سان فرانسيسكو عام 1938، واحداً من أهم النحاتين في العالم اليوم. درس في جامعة كاليفورنيا (بيركلي وسانتا باربرا) وجامعة يال، وهو يعيش في نيويورك منذ عام 1966. وقد أقيمت أولى معارضه في غاليري لاساليتا في روما عام (1966) وفي الولايات المتحدة الأمريكية في معرض ليو كاستيللي في نيويورك عام (1969). أما معرضه الفردي الأول فكان في متحف باسادينا للفن عام 1970. وفي التقديم له في المؤتمر الصحفي أشار ألفريد باكمن، المشرف على تنظيم معرضه، والمتخصص في تاريخ الفن بأن سيرا، عمل في منتصف الستينات بالمطاط، ثم أذاب الرصاص في منحوتاته، ثم استعمل الفولاذ… مستعيداً عشقه القديم لمادة الفولاذ، التي كان يفضلها حتى وهو في الجامعة… وقد استعمل كتل الفولاذ على الأرض، وعلى الورق كي يظهر ثقل هذه المادة، ويستجلي أثرها.
ومما لاشك فيه، أن معرض عاشق الفولاذ ريتشارد سيرا، يمثل نقلة نخبوية شديدة الغربة عن البيئة الشرقية عموماً، والخليجية خصوصاً، التي ترى في أعماله، فناً غريباً، مقتشفاً، بعيداً عن إرضاء الذائقة الشرقية، يثبت حضوره من خلال ضخامة الكتلة في المحيط، وتحديه أو ربما تنافره مع العناصر الأخرى في المكان من أجل توليد معانٍ فلسفية يراهن فيها سيرا على حساسية المرء وثقافته، من دون محاولة مد الجسور إلى عمق هذه الثقافة… ولاشك فإن إدارة متاحف قطر، التي تعمل كصلة وصل بين المتاحف والمؤسسات الثقافية والمواقع التراثية في قطر، قد سعت من خلال تنظيم هذا المعرض، وانطلاقاً من التزامها بتحفيز أجيال المستقبل على الإهتمام بالفنون، إلى القفز بعيداً بالذوق الفني، وخلخة بنية القيم التشكيلية التقليدية في مكان لا يبدو أنه قد استوعبها أصلا!.