في «أيام قوس قزح»… مواجهة الديكتاتور بالحب والفن

حجم الخط
1

في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988، قرر أوغستو بينوشيه إجراء استفتاء في تشيلي، يقضي بمشاورة الشعب إذا كان موافقاً على بقائه في الحكم أو رافضاً له، جاء ذلك الاستفتاء بعد 15 سنة حكم فيها بينوشيه البلاد بعد انقلاب عسكري، وحولها إلى سجن كبير تشرف عليه ثكنة، تحرس أنفاس الناس وأحلامهم وأوهامهم، بعد 15 سنة من التخويف ومن الترهيب ومن اختفاء قسري لمعارضين وتصفيات جسدية لآخرين، أو نفي بعض آخر منهم، فقد حول بينوشيه تشيلي، في ظرف 15 سنة، إلى بلد خافض رأسه، جعل من مواطنيه نسخاً مطابقة لبعضها بعضا، لا يجرؤ فيه أحد على قول كلمة «لا» ضد الجنرال، كان بينوشيه الأخ الأكبر والنبي والمقدس في العقول ـ عنوة لا طواعية ـ لكن في خضم حماسة النظام إلى أن الاستفتاء سيفضي إلى التفاف الشعب حول كلمة «نعم» وموافقتهم على بقائه في القصر، جاءت النتيجة عكسية، قرابة 56٪ صوتوا ﺑ «لا» تحرر التشيليون من خوفهم من الزعيم، أسقطوه من الداخل، دون مساعدة من الخارج، كيف حصل هذا الانقلاب الشعبي، الذي سوف يقود إلى مسار ديمقراطي ينهي حكم البزة والسلاح؟ هذا ما تروي تفاصيله رواية «أيام قوس قزح» لأنطونيو سكارميتا، التي ترجمها صالح علماني، وصدرت عن دار ممدوح عدوان (2021).

المخيلة ضد السياسة

هل كانت المخيلة سبباً في انتصار التشيليين على خوفهم من الزعيم؟ ذلك ما يُحاول أنطونيو سكارميتا إقناع قارئه به. تنطلق الرواية من لحظة اختطاف أستاذ الفلسفة سانتوس، أمام أعين تلاميذه في القسم، فينوب عنه ابنه نيقو في السرد، هذا الراوي المولع بالفلسفة والمسرح، والشغوف بحب باتريثيا، يخبرنا أن مسؤول المدرسة التي يزاول فيها تعليمه ملازم في الجيش، كما هو حال غالبية المؤسسات المهمة في البلاد آنذاك، التي كان يتولى شؤونها عسكريون، لا علاقة لهم بالوظيفة التي يمارسونها، لكنهم مكلفون بشغل مناصبهم قصد حراسة الناس وإجهاض كل محاولات المعارضة في التسلل من السرية إلى العلن. كان نيقو وزملاؤه يحضرون مسرحية جديدة، لكن بمجرد أن يغادر الملازم المدرسة ينطلقون ـ خفية ـ في التدرب على مسرحية أخرى، فقد كان بينوشيه يحرس الفنانين أيضاً، لا يسمح بأي كتاب أو مسرحية أو فيلم لا يروق مزاجه، أو يشعر بأنه يتضمن تلميحاً له، وتوجب على الفنانين التحايل قصد الإفلات من قبضة معاونيه.

«التلفزيون بكامله هنا لبينوشيه، وإذا ما ظهر فيه شخص غير مؤيد له، فإنهم يعرضونه مقيداً بالأغلال، ويقولون: إنه إرهابي».

تلك المسرحية التي كان الراوي يتدرب عليها خفية، بمعية زملاء له وأستاذهم، تتحدث عن جلادين اثنين متخصصين بالتعذيب، لو أن أحداً اكتشف أمرهم لانتهى بهم الحال في سجن، «فالوشاة موجودون في كل مكان ويمكن لهم الوشاية في أي لحظة» مع ذلك أصروا عليها، بينما بلادهم تتهيأ لاستفتاء سيحدد مصير بينوشيه، مع أن استطلاعات الرأي كانت ـ في غالبيتها ـ تقول إن الناس سيصوتون ﺑ«نعم» من أجل استمراره، في مرحلة كان فيها الممثلون في تشيلي مهددين بالموت، كما وقع مع شخصية باريديس، مسرحي وأستاذ لغة إنكليزية، الذي سوف يعثر عليه لاحقاً مقتولاً. التلفزيون كان ملك الجنرال وحده حينها: «التلفزيون بكامله هنا لبينوشيه، وإذا ما ظهر فيه شخص غير مؤيد له، فإنهم يعرضونه مقيداً بالأغلال، ويقولون: إنه إرهابي». في هذا الجو من الانغلاق ومن الكآبة يواصل الراوي شغفه في الفلسفة، وفي المسرح وفي بحثه عن والده المختطف، بينما معارفه والمقربون منه لا يفكرون سوى في الفرار من البلد بأي وسيلة، بعدما فقدوا الأمل في التغيير، «هنالك إحساس بأن شيئاً لا يتحرك، وأن تشيلي ستتعفن مع بينوشيه» فالزعيم نجا من محاولات الانقلاب عليه، ومن محاولات قتله، وأغرى شعبه باستفتاء، على أن يمنح المعارضة ربع ساعة في التلفزيون قصد الترويج لحملة «لا» قناعة منه أنها لن تغير من الأمر شيئاً، لكن المخيلة والفن أنقذا تشيلي من قدر كان سيصير أسوأ لو أن الجنرال استمر على الكرسي مدة أطول.

كيف نقول «لا» بألوان قوس قزح؟

الشخصية الثانية التي سوف تلعب دوراً حاسماً في الرواية هو أدريان بيتيني، الذي سوف يتكفل بحملة المعارضين للزعيم. عُرف أدريان، في ما سبق، كواحد من أفضل مصممي الإعلانات في البلد، نجح مرة في إقناع الناس بشراء مشروب مرّ، بفضل حملة ترويجية، لكن منذ مجيء بينوشيه أحيل على تقاعد قسري، لا يعمل سوى في مشاريع صغيرة وباسم مستعار، فعلى غرار كثيرين كان من بين الأشخاص غير مرغوب فيهم، لكن في أكتوبر 1988 سوف تستعين به وزارة الداخلية، يلتمس منه الوزير أن يشرف على حملة الدعم، لكن أدريان لم يشأ أن يتنازل عن مواقفه المعارضة، رفض العرض رغم الإغراءات، والتزم أيضاً مع وزير الداخلية ألا ينضم إلى حملة المعارضة، لكنه غير موقفه، بشكل سريع، أغفلت الرواية تفاصيل هذا التحول في حياة مصمم الإعلانات، لكنها أمعنت في تفاصيل الحملة التي سوف يقودها، وفي الومضة التي سوف يقضي وقته في إعدادها، وهي ومضة من 15 دقيقة فقط، تبث في التلفزيون الحكومي، ويجب عليه أن ينجح في هذه المهلة الزمنية القصيرة جداً في إقناع الناس بالتصويت ضد رغبة الجنرال، الذي كان يحوز جيشا من المناصرين له، ومن المال ما جعله يغرق تشيلي بلافتات وأغان تروج له من أجل الاستمرار. حين بدأ أدريان التفكير في شكل الومضة التي يود عرضها لم يكن مقتنعاً بما يفعل، بسبب قلة حماسة الناس للتغيير من جهة، ومن جهة أخرى إلى تعدد أحزاب المعارضة، التي تختلف في ما بينها في توجهاتها، كيف يصنع من هذه الأحزاب كلها كتلة واحدة؟ اختار ألوان قوس قزح شعاراً للحملة، وكانت تلك المرة الأولى التي سوف يظهر فيها عمل له في التلفزيون بعد خمس عشرة سنة من الانقطاع، لكنه يجد نفسه تحت ضغط الوقت، ودون أفكار، لم يجد من أين أو كيف يبدأ في الومضة التي من خلالها سوف يغير تاريخ بلده، يستعين بلحن أغنية «الدانوب الأزرق» ليوهان شتراوس الابن، وينطلق في حملة «لا» لكن في خضم البحث عن الومضة الإشهارية الأمثل، وقبل إقناع الناس بالتصويت ﺑ «لا» يسرد أنطونيو سكارميتا سوداوية الحال التي سادت في تشيلي سنوات بينوشيه، الذي حول بلداً إلى ما يشبه جثة بلد، ولم يكن الخلاص منه هيناً، بل كان أشبه بمعجزة، حين يشبه نيقو في الختام الديمقراطية بالإيروتيكية، كان ذلك الاستفتاء خلاصاً روحياً وسياسياً للشعب بأكمله.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية