بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب يشكلان بمعان كثيرة زوجاً لطيفاً، فهما من مؤيدي السوق الحرة التي تسمى أحياناً بالوحش. وهما وطنيان متطرفان، شعبويان، ضليعان في التحريض ويتغذيان من كراهية الآخر. وهما ينكلان بالغرباء ويتحفظان من المسلمين ويظهران الاشمئزاز من الأوروبيين ويشجعان الديكتاتورات، وبالأساس هما يعشقان أنفسهما، ويحاولان إظهار أنفسهما وشعبهما كضحايا.
سياسة ترامب المؤيدة لإسرائيل هي أكثر سياسة أحادية الجانب في تاريخ العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. إسرائيل في المقابل تحولت إلى ناد لمشجعي ترامب، الاتفاق الائتلافي الذي وقع بين نتنياهو وغانتس عشية يوم الكارثة أوضح المكانة الإمبريالية للرئيس الأمريكي: هو الذي سيقرر كم يمكن لإسرائيل أن تضم من أراضي الضفة الغربية. حسب رد وزير خارجيته في هذا الأسبوع، مايك بومبيو، فإن ترامب يتنازل عن هذا الشرف: اطبخوا العصيدة بأنفسكم وبعد ذلك كلوها، أشار الرئيس.
مع ذلك، لا يتشارك الزعيمان في الرؤية نفسها فحسب، بل أيضاً في الكراهية والمحبة، وقد سمّيا خلال السنوات الأخيرة أخوة في الدم أو توأماً سيامياً، رداً على أزمة كورونا بطرق متعاكسة في جوهرها. في تدرج زعماء العالم، يحتل نتنياهو الجانب الحذر والمتشدد، أما ترامب فيحتل جانب المتخلي والمتخلى عنه.
عندما قال ترامب إن فيروس كورونا موضوع تافه، بالكاد هو إنفلونزا، فقد شبهه نتنياهو بالوباء الأسود في العصور الوسطى. وعندما استخف ترامب بالعزل وسخر من الكمامة وتخلى عن قواعد الحذر، قام نتنياهو بإدخال مواطنيه إلى ذعر، وبعد ذلك إلى منع التجول. في الوقت الذي يبعد ترامب فيه نفسه عن مستشاريه وخبرائه وحتى يناقض أقواله علناً، فإن نتنياهو يتعامل باحترام مع أطبائه والمدراء العامين لديه بصيغة “ننفذ ونسمع”.
وعد ترامب بانتهاء الخطر خلال بضعة أسابيع، حتى عيد الفصح ولكن لم يتحقق ذلك، وقد وعد بعودة الاقتصاد إلى سابق عهده وأن داوجونز سيعيد أيامه إلى ما كانت، وستعود أمريكا لتكون على ما كانت عليه دائماً. حكام ولايات حالمون أقل منه وأكثر صرامة، خاصة الديمقراطيين الذين لا تقترب خطواتهم من كاحل خطوات نتنياهو، يتلقون وجبات يومية من الاستهزاء والانتقام من ترامب.
أما نتنياهو في المقابل فيلقي خطاباً كل بضعة أيام يدمج نهاية العالم الآن مع الدم والعرق والدموع والإغلاق الذي لا نهاية له. وبدلاً من أن يكون شارح السياسة الوطنية، أخذ على عاتقه وظيفة المخيف الوطني. إن قراره منع زيارات العائلات الثكلى لقبور أعزائها في يوم الذكرى ربما كانت تقتضيه الضرورة، لكنه كان يفطر القلب وكاسراً للطابو: فيروس كورونا يتضح أنه قد اخترق أيضاً قدس الأقداس.
سلالتان نرجسيتان
الطرق المتعاكسة التي يرد بها ترامب ونتنياهو على أزمة كورونا هي بالطبع وليدة الفروق الكبيرة بين دولتيهما. الولايات المتحدة دولة عظمى مع حدود مخترقة وغير نهائية، ومئات بوابات الدخول والخروج، وسكان ينتشرون، وسلطة فيدرالية مركبة ومشتتة، وسكان لم يشهدوا وضع طوارئ وطنياً على معظم أراضيها منذ مئة سنة. رئيسها يؤمن بأن نسبة ضحايا 50 – 60 نتيجة وباء كورونا قد تشكل ورقة رابحة له في الحملة الانتخابية القادمة.
إسرائيل دولة صغيرة ومنغلقة ولديها بوابة واحدة للدخول والخروج مع سلطة مركزية متطرفة وجمهور له تجربة في حالات الطوارئ الوطنية، هذا من جهة، لكن مع قدرة احتمال منخفضة نسبياً لفقدان حياة البشر، من جهة أخرى. إذا اقتربت نسبة الوفيات في إسرائيل بسبب الوباء، التي تبلغ الآن 21.26 لكل مليون، من 136 لكل مليون التي توجد في الولايات المتحدة، أو من 255 في بريطانيا و455 في إسبانيا أو 517 في بلجيكا، سترتجّ الدولة وسيكون نتنياهو في مشكلة كبيرة.
ولكن التعامل المختلف جوهرياً من قبل ترامب ونتنياهو مع الوباء هو أيضاً علامة على الفروق الجوهرية في شخصيتهما، رغم تقاربهما السياسي والأيديولوجي. كلاهما يوصف في وسائل الإعلام بالنرجسي. ولكن ترامب من سلالة النرجسيين ذوي الفخامة، الذي يرى نفسه منقذا للكون. في حين يعد نتنياهو من سلالة النرجسيين عديمي الأمن، الذين يرون في كل حدث إمكانية كامنة لحدوث كارثة.
نتنياهو شخص مثقف، وليس بالمعنى الرسمي فحسب. وخلافاً لكثير من أصدقائه في نادي الزعماء المستبدين، فإن له احتراماً للعلم والطب. أما ترامب في المقابل فهو شخص جاهل وساذج، تلفه الآراء المسبقة ويتعامل مع العالم على أنه ملعب لألعابه. وتكفي الإشارة إلى أن والد نتنياهو، بالإجمال، تخصص في محاكم التفتيش في إسبانيا، ووالد ترامب بالخداع الموجود في فرع العقارات.
نتنياهو متشائم بطبيعته وهو ينزعج حقاً من تهديد كورونا، لكنه استغل مخاوفه ليوقع الرعب في مواطنيه ويشل معارضيه. لقد خلق، إذا لم تعتقد المحكمة العليا غير ذلك، حكومة طوارئ وطنية يمكنها أن تلبي رغبته في الهرب من ذعر المحاكمة، وإلا فإنه سيقلص في حينه حكمه حتى الحد الأدنى. لو أجريت الانتخابات اليوم خلافاً لإجرائها بعد 3 – 4 أشهر، مثلاً، حيث غضب الجمهور بسبب السقوط الاقتصادي يمكن أن يزداد، فمن المعقول الافتراض أنه كان سيفوز فوزاً ساحقاً.
في المقابل، لم يفهم ترامب كبر الخطر حتى بعد أن تم توضيحه مراراً وتكراراً. هو يعمل على تقويض خبرائه، ويستخف بموظفيه، ويحارب ضد حكام الولايات لديه، بل ويقوم بدعوة المواطنين إلى التحرر من نير القمع. لقد دعاهم لتجاهل التعليمات وتناول أدوية خطيرة ويعيشوا حياتهم ليس حسب تقديرات الخبراء، بل حسب رؤيته الحالمة. لو أجريت الانتخابات الآن وليس بعد ستة أشهر، حيث حملة الكراهية والتحريض والتنصل من المسؤولية التي يخطط لها ترامب ستصل إلى ذروتها، لهزمه جون بايدن والديمقراطيون بسهولة وباحتمال عال، ولسيطروا على مجلسي النواب والشيوخ معاً.
كلاهما بقي مخادعاً سياسياً من الدرجة الأولى، وبطلاً للتقسيم والتحريض لا يرى مخالفاته، يغرقان في الشفقة على الذات، يكرهان النقد ويحبان المتملقين. كلاهما تحول إلى عدو لوسائل الإعلام والقضاء وفصل السلطات والديمقراطية الليبرالية نفسها، كلما اخترق فيروس جنون العظمة جسده واستولى على الأرواح.
ولكن الذعر وجنون اضطهاد نتنياهو، كما يبدو، أنقذا إسرائيليين كثيرين أو على الأقل مد في عمرهم. ومكنا جهاز الصحة في إسرائيل من القيام بالمهمة الصعبة التي ألقيت عليه. أما غطرسة ترامب فقتلت عدداً لا يحصى، وهزمت جهاز الصحة المتهالك أيضاً، وقسمت أمريكا أكثر وقدمتها للعالم عارية. فليحيَ هذا الفرق البسيط، إنها مسألة حياة أو موت.
بقلم: حيمي شليف
هآرتس 24/4/2020