في الجزائر… حبل النجومية قصير

حجم الخط
4

منتصف الثّمانينات من القرن الماضي، طرأ نجم جديد في الجزائر، بوجه بريء وابتسامة مشّعة، مرتدياً سترة جلديّة سوداء، لم يتجاوز سنّه آنذاك الثّانية عشرة، سجّل أوّل ألبوم له في شريط كاسيت، وصوّر فيديو كليب أغنية «لالّة العروسة» التي سرعان ما طافت الأرجاء، ثم توالت نجاحاته في السّنتين المواليتين، اشتهر بأدائه موسيقى الرّاي، مع مزجها بإيقاعات مغربيّة، بل إنّه نال حظّاً – لم يسبقه إليه أحد – أن غنّى مع الشّاب خالد في ثنائية شهيرة بعنوان: «صلّوا على النّبي» كان اسمه الشّاب أنور (1974-) والحقّ كان يجب تسميته (الطّفل أنور) بحكم أنّه كان قاصراً، لم يبلغ بعد المدرسة الثّانوية، ذلك الطّفل تحوّل، في وقت وجيز، إلى ظاهرة، إلى مركز اهتمام النّاس والصّحافة، باتت صوّره متداولة في الصّحافة الفنيّة، وأغانيه في الأعراس والمقاهي والليالي الحالمة، لُقب ﺑ «جوهرة تلمسان» (نسبة إلى المدينة التي نشأ فيها) والفتيات أخذن يتخاطفن صوّره وأخباره وشائعات عنه، كانت تلك المرّة الأوّلى التي تشهد فيها البلاد «نجماً صغيراً» أو «طفلاً نجماً» زاحم كبار أسماء تلك الحقبة، بعذوبة صوته الذي تشقّه بحّة، وقدرته في تنويع طبقاته الموسيقية، لم يكن خجولاً أمام الميكروفون أو الكاميرا، بل واثقاً من نفسه، كما لو أنّه تخرّج في مدرسة فنيّة (مع أنّه لم تكن توجد مدارس فنية وقتها) كان يتكلّم مثل مخضرم في الحوارات المكتوبة أو المصوّرة، فصيحاً غير متلعثم، صبوراً غير متسرّع، والجميع تنبّأ له بمستقبل كبير، أن يصير مستقبل الموسيقى الجزائريّة، لكن لم تمض سنوات قليلة حتى اختفى أنور، مع مطلع التّسعينات، لا سيما بعد اغتيال المنتج رشيد بابا أحمد (خال الشّاب أنور) في العشرية السّوداء، هذه الحادثة ستكون سبباً في ابتعاد الطّفل – النّجم عن الغناء بعض الوقت، ترك شغفه جانباً وهجر الجمهور، شيء ما انكسر في قلبه وعجز عن تصليحه، أضاع عرّابه وأضاع معه بوصلته، وبحكم أن الموسيقى عالم متحوّل، في سباق محموم مع الوقت، توارى اسم الفنان إلى الخلف، مثلما اشتهر بسرعة صار – بسرعة – نسياً منسياً، لم تخلق تلمسان بديلاً له، واكتفت الجزائر بنجوم من المخضرمين أو من تجاوزوا سنّ العشرين، انتهى زمن النّجومية المبكرة بشكل درامي، وحين حاول أنور العودة، من جديدة، في سنوات الألفية الجديدة، وجد أن السّبيل بات عسيراً، الباب موصدة والنّاس يحفظون أغانيه القديمة، وبالأخص صورته القديمة، صورة الطّفل المبتسم والمندفع كما شاهدوه في كليباته الأولى، تعذّر عليهم تقبّل صورته الجديدة، وقد قارب الأربعين من العمر، لم يلق احتفاءً بعد عودته مثلما كان عليه في صغره، وصار أنور مرادفاً لسنوات صغره، مرفوضاً بعد أن تقدّم في السنّ، هذا ما ينطبق في الغالب على نجوم بزغت شهرتهم في طفولتهم في الجزائر، سرعان ما يُحالون إلى ردج النّسيان، إلى تقاعد مبكّر، ويرفض النّاس تقبّل صورتهم بعد أن يبلغوا مرحلة الكهولة.

في أسباب الصّعود والنّزول

الشّاب أنور ليس الحالة الوحيدة من النّجوم الصّغار أو أطفال الشّاشة في الجزائر، من يتذكّر الأمين بن معمر، الذي نُعت بالطّفل المعجزة، عام 1980، وهو لم يتجاوز العاشرة من العمر، بعد أدائه دور (الرّبيع) في فيلم «كحلة وبيضاء» الذي يعد من كلاسيكيات السّينما المحليّة، ثمّ سرعان ما اختفى، قبل أن نسمع – فجأة – أنّه قد توفيّ في لا مبالاة تامّة، من يتذكّر فيصل وأغنية (سكينة) التي ملأت الأسماع في التّسعينات، الشّاب تيتو وآخرون، إنّها قائمة بأطفال – نجوم، بزوغهم المباغت والطّارئ تلاه سقوط سريع ومفاجئ، والقاسم المشترك بينهم جميعاً أنّهم خرجوا من عائلات فنيّة، أو عائلات في تماس مع الفنّ، لم يسبق أن شاهدنا طفلاً يصل إلى السّينما أو الغناء نظير تدرّجه في أكاديمية أو من باب الشّغف وحده، بل هناك دوماً يد تدفعه، شخصاً له صلة بتلك الأوساط في العائلة، سواء من قريب أو من بعيد، لكن بمجرد أن ينقطع ذلك الخيط العائلي أو يحصل شقاق داخلي تتأثّر مسيرة ذلك الطّفل، وينتقل من النّور إلى العتمة، قد تكون الخلافات العائلية سبباً في مقته للفنّ، أو محرّكاً في الانتقام من الأشخاص الذين زجّوا به هناك، وبحكم أنّه لا توجد رعاية فنيّة في الجزائر، بل تسير الأمور بمنطق «كلّ شاة برجلها معلّقة» فالنّهايات السّريعة إنّما هي المآل الذي يجمع بينهم، سواء عادوا في وقت لاحق، بعد تقدّمهم في العمر أو لم يعودوا، فالنّاس لن يتذكّروا سوى صورتهم الأولى، في طفولتهم، ويتجاهلونهم بعد أن تتقدّم بهم السّنوات، هذا هو الغالب، مع ذلك هناك حالات استثنائية، من بينها ياسمين عمّاري، التي اشتهرت كمغنية في السّادسة من عمرها، وكغيرها خرجت من عائلة فنيّة (والدها ملحّن ومغن وخالها شهيد المسرح عبد القادر علولة) لكن ياسمين عمّاري تظّل النّجمة الصّغيرة أو الطّفلة الشّهيرة، التي نجحت في مواصلة سيرها، لم تفقد شعبيتها، رغم تحوّلها من الغناء إلى التّمثيل.

جيل بديل

ما يُعاب على الأوساط الموسيقية أو السّينمائية، في الجزائر، أنّها باتت تفتقد إلى روح الدّهشة، لم تعد مغرية ولا تثير فضول أحد، تدور حول نفسها في حلقات مكرّرة، لم نعد نشاهد طفلاً واحداً يشدّ الأبصار إليه، لا نجما جديداً ولا طفلاً يوصف بالظّاهرة، ومن يتورّطون أمام الكاميرا إنّما في الغالب مراهقون تدرّجوا في السوشيال ميديا، كسبوا شهرة – نسبيّة – على الأنستغرام أو الفايسبوك، فيستعين بهم منتجون أو مخرجون تلفزيونيون، ليس نظير موهبتهم بل كسباً للجمهور الذي يتابعهم على مواقع التّواصل، وإرضاء لشركات الإعلانات التي تبحث عن جمهور لا عن كفاءات، فمثلا برنامج «ألحان وشباب» الذي كان يُعهد إليه تكوين النّجوم الصّغار حاد عن طريقه، فشل في صناعة نجم واحد، في السّنين الأخيرة، كما أن العاملين في السّمعي البصري لم يعد يتملّكهم شغف البحث عن العصافير النّادرة، بل يكتفون بما هو متاح في السّوق من أسماء متداولة، لم يتكرّر نموذج الشّاب أنور ولا نموذج الأمين بن معمر، فالشّاشة تكاد تصير حكراً عمن بلغوا من الكبر عتياً، يتزاحم فيها أولئك الذين يراهنون على الأقدميّة لا على الموهبة.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية