في الجزائر… سنة أولى نسوية

حجم الخط
16

ليس من السهل على امرأة أو رجل المجاهرة بكونها نسوية، أو أنه نسوي، فتلك مغامرة تحفها مخاطر، في بلد مثل الجزائر، حيث الذكورية ما تزال سيدة في الفضاء العام، حيث المرأة مرغمة على التزام الصمت، والعنف المتساقط على رأسها بات أمراً مألوفاً ومبتذلاً، عنف لفظي وآخر جسدي، رغم أننا إزاء بلد حيث النسوية ليست ظاهرة جديدة، بل من أقدم بلدان شمال افريقيا في إرساء قوانينها، لكن انتكاسة حصلت منذ الاستقلال (1962) جعلت النسويات يراجعن مواقفهن ويرضين بأحكام المجتمع، فلحد الساعة لم نجد جمعية نسوية واحدة تنشط بانتظام، وما توافر من مناضلات يكتفين بعملهن على مواقع التواصل الاجتماعي، يزحفن ببطء من العتمة إلى النور، وإذا ارتفع صوتهن أكثر مما يجب، فعليهن تحمل قساوة المجتمع الذي يعشن فيه.
الحركة النسوية، في الجزائر، ضحية كليشيهات وأحكام مسبقة، قبل أن تكون ضحية نظام. فقد سادت في مخيلة الغالبية، أن المرأة النسوية إنما هي امرأة عنيفة، متجبرة، متطرفة في رأيها، كما جرى ربط متعمد، وغير بريء، بين النسوية والمثلية، أليس من واجب النسويات هدم هذه الكليشيهات، قبل الخوض في أي شكل من أشكال النضال الأخرى؟ فضلاً على ذلك فإن الحركة النسوية المحلية حدت من حركتها ـ لا إرادياً ـ فجعلت أقسى مطالبها تعديل قانون الأسرة، الذي ما يزال ينظر إلى المرأة بوصفها قاصراً، هذا القانون الذي أقر عام 1984، وتنقح جزئياً عام 2005، يظل مطلباً وعثرة في مسار تطور النسوية، فالنسوة يعلمن أن التغيير لا يمر من المظاهرات في الشارع، ولا من البيانات أو الصخب، بل من لعب لعبة الضغط، والانتقال إلى كتلة مؤثرة، والتفاوض، من منطق قوة، بدل المعارضة الموسمية، التي لا تفضي إلى نتيجة. لحد الساعة لم نشهد امرأة في منصب وزير أول، ولا امرأة شغلت واحدة من الحقائب الوزارية الحساسة، ولا رئيسة للبرلمان، كما أن حلم رؤية امرأة في منصب رئيس جمهورية ما يزال بعيداً جداً، بالتالي فإن قانون الأسرة لن يتغير في صلبه، وهذا الانغماس المفرط في المحلية، في التركيز على قانون واحد، قزّم من حجم الحركة النسوية، في الجزائر، التي ضيعت على نفسها فرصاً للالتحاق بمطالب إقليمية أو عالمية، ففي غالبية المسائل النسوية، والجدل الذي طرأ، في السنين الأخيرة، كانت النسوية الجزائرية في ذيل الركب، مستسلمة لقضاياها الداخلية، غير مبصرة ما يدور من حولها في العالم. أليست النسوية أيضاً تراكم خبرات ونضالات، وليست مجرد اكتفاء بما يجري في الداخل؟

تاريخ من القطائع

من أين نبدأ التأريخ للنسوية الجزائرية؟ منذ السنوات الأولى من الاستعمار ظهرت بوادرها، وتكرست سنين حرب التحرير، حيث المرأة كانت في الواجهة، مع حسيبة بن بوعلي، زهرة ظريف وجميلة بوحيرد، اللواتي لم يغفلن عن مطلب المساواة مع الرجل، لكن منذ الاستقلال، بدأن في التراجع، سايرن أهواء النمط الاجتماعي العام، حيث أن المرأة الجزائرية تجد من العادي أن ينفق عليها الرجل، من العادي أن تلبي رغباته في الإنجاب، ما أوصل الجزائر إلى انفجار ديمغرافي بين 1970 و1990، من العادي أن تتخلى عن منصب عملها، من العادي أن راتبها أقل من راتب رجل يشغل العمل ذاته، وجدنا أنفسنا حيال أجيال من النسويات، لكنهن في قطائع مع بعضهن بعضا، كل جيل حمل سلة مطالب تختلف عن الجيل الذي قبله، الخاصية المشتركة بينهن جميعاً أنهن اكتفين بمطالب محلية صغرى، لم نشهد في تاريخ النسويات معارضة جادة للنظام الاقتصادي العالمي مثلاً، ولا مساندة لقضايا مثيلاتهن في الهند أو في كوبا، بل فضلن خوض المغامرة في حدودهن الجغرافيا، يتفاعلن مع ما يحصل في الجزائر وفقط، مع أنه تفاعل خجول، على الرغم مما تمنحه مواقع التواصل الاجتماعي من حرية، فقد ظللن عاجزات عن تحويل تكتلهن إلى ورقة ضغط، والسبب يرجع إلى تشتتهن، وغياب نظرة مشتركة تجمع بينهن.

لحد الساعة لم نشهد امرأة في منصب وزير أول، ولا امرأة شغلت واحدة من الحقائب الوزارية الحساسة، ولا رئيسة للبرلمان، كما أن حلم رؤية امرأة في منصب رئيس جمهورية ما يزال بعيداً جداً، بالتالي فإن قانون الأسرة لن يتغير في صلبه، وهذا الانغماس المفرط في المحلية.

قساوة المغامرة

ما يعاب أيضاً على النسوية الجزائرية أنها أخفقت في التأقلم مع المجتمع الذي تحيا فيه، عدا الخصومات بين جيل الشباب وجيل المخضرمات، انقسامهن في الآراء، فهناك ميل، غير مبرر، من جيل الشباب صوب نضال نسوي صادم، غير مكترث بنمط المجتمع المحافظ في جلّه، بدل المهادنة وكسب تعاطف الناس إلى جانبهن، يتجهن في الغالب نحو أشكال تعبير غير مؤاتية، ما يعزز من أعداد خصومهن، فالنسوية لم تعد قضية تخص النساء وحدهن، بل هناك أيضاً رجال يميلون إلى طرفهن، ومن صالحهن كسب رجال آخرين، لذلك ليس من المناسب ابتكار خطابات مستفزة، ولا الاعتقاد بأن المجتمع يعارضهن، فهناك عقدة تكتسح عقول النسويات بأن المجتمع يرغب في اضطهادهن، بل من الممكن إقناعه بمرافقتهن، شريطة أن يفهمن أن التغيير يأتي بالإقناع لا بالصدام. في هذا الوضع المتأزم، يصح أن نعيد التفكير في هذه الحركة، والشروع من الصفر، أن نعلن سنة أولى نسوية، تمحو ما سبقها، وتبدأ من جديد. قبل أن تكون النسوية موقفاً سياسياً، أو مذهب تغيير، إنما هي حركة ثقافية، وهذا البعد يكاد يكون غائباً عند النسويات في الجزائر، يبذلن جهداً في الشأن السياسي أكثر من إلمامهن بالحال الثقافي، كما أن هذا الميل السياسي لا يبدو مثمراً، بحكم أنهن يظهرن، كل مرة، على السطح، في حال وقوع أمر جلل، أي أن عملهن يقوم على ردة فعل، لا على ابتكار الفعل، أي يأتين في الوقت بدل الضائع، لا يبادرن في صنع الحدث بأنفسهن، بل فقط يرافقن ما يحدث، ولا بد أنه لا يخفى على النسويات أنهن في بلد تتسع فيه رقعة معاداة النسوية، بالتالي فهن في مواجهتين، واحدة داخلية والأخرى خارجية، مع أن التغيير من الداخل، تغيير الذهنيات، والكف عن تشتيت الآراء سيكون مفيداً قبل خوض معركة خارجية، وعلى الرغم من أن مسار التغيير نحو مساواة ما يزال طويلاً، لكن هذا الحراك بين النساء يوحي بأن العجلة في دوران، وأن مجرد وجودهن إنما هو إعلان عن نية صادقة في التغيير نحو الأفضل.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية