صورة من الأرشيف لمظاهرات في بلدة القصرين
نحن في تونس نترجم الكلمة الفرنسيّة Régionalisme بـ”جهوية”، وهي عندنا ذات محمول سلبيّ حاطّ، بل محقّر؛ بالرغم من أنّ الترجمة الأدقّ هي “إقليميّة” أو “محلّيّة”. وليس لها في الفرنسيّة مثل هذا المحمول؛ إذ هي تستعمل أيضا في الآداب والفنون التي تغلب عليها النزعة المحلّيّة أي طريقة الكاتب أو المبدع في وصفه للمناظر الطبيعية والعادات والأخلاق الخاصّة بمنطقته. والكلمة مشتقّة من Région أي المنطقة أو الإقليم أو القطر أو الناحية، أو الميدان والحفل مجازا. وبعض مشتقّاتها تعني في السياسة “اللامركزيّة” أو “الإقليميّة” من حيث توزّع السلطات في مناطق البلاد ضمن وحدة الدولة.
وقد ظهرت الكلمة من حيث هي مذهب اجتماعي سياسي، في القرن التاسع عشر، من أجل إحياء الحسّ المحلي الوطني، ومنحه صوته الخاصّ حتى يكون مسموعا في ظلّ حكومة مركزيّة مستقرّة. وأمّا كلمة جهة فهي تعني في العربيّة الجانب والموضع والناحية التي نتوجّه إليها ونقصدها. وهي تُحمل على معان أخرى تضمّنا أو التزاما، مثل وجه الأمر أو المسألة، والنحو والقصد والاتجاه، واصطلاحا مثل نسبة الموضوع إلى محموله من حيث الضرورة أو الإمكان أو الامتناع، في الفلسفة والتصوّف، وإداريّا في عربيّة اليوم مثل المؤسّسة أو الشركة، أو كلّ شخص طبيعيّ أو معنويّ مرخّص له من هيئة ما بإصدار وثائق أو شهادات… وما إلى ذلك ممّا رسّخه الاستعمال، وأجازته مجامع اللغة.
تونس التي يعتبرها بعضنا، وإن بشطط، أقرب إلى أوروبا أو هي صورة من جنوبها، تستعيد منذ ثورتها سجال “الجهويّات” في كلّ محطّة انتخابيّة؛ بل تعود بجنوبها “الفقير” أو “المهمّش” وشمالها “الغنيّ” أو “المصنّع”، إلى بدويّتها ونعراتها القبليّة؛ على استحياء واستخفاء حينا، وبرقاعة وصفاقة، ونبرة عالية مكشوفة حينا. وفي سياق هذا “السجال” أو “الصراع” الخفيّ المعلن، وأنا أنتقي عباراتي بحذر كبير؛ تجري التحوّلات الغامضة حيث يتشكّل مستقبل هذه البلاد التي يراها البعض استثناء عربيّا، أو “ترنيمة للحريّة”؛ في عالم عربيّ تشقّه “الطائفيّة” وصراع الإثنيّات، وتكاد تأتي على أخضره ويابسه؛ لولا فسحة الأمل في ثورة هؤلاء الشباب من لبنانيّين وعراقيّين، من أجل إرساء “دولة المواطنة”.
يتوهّم البعض أنّ الجنوب هو هكذا “متخلّف”؛ أولا يمكن أن يكون له اقتصاد فعّال، لأسباب جغرافيّة أو لافتقاره للبنية التحتيّة. هكذا كان الشمال ينظر، وهكذا خوّلت الدولة لنفسها حقّ التحكّم في الجنوب وثرواته؛ بشتى الوسائل، لحماية المصادر الحيويّة لاقتصاد البلاد مثل الفسفاط والنفط خاصّة. ونعرف جميعا الثمن الباهظ الذي دفعه أبناء الحوض المنجمي، في السنوات الثلاث السابقة على رحيل نظام بن علي، من أجل أن يتمتّع الجنوب بخيراته، وينال حظّه من التنمية.
ينضوي هذا الجنوب إلى “الكجيبي” التونسي. والمقصود به مجموع الأحرف الأولى بالفرنسيّة، من أسماء مدن تعدّ مثلّث الفقر، هي: Kasserine (القصرين)، وGafsa (قفصة)، وBéja (باجة)؛ حيث الأحياء “الشعبيّة” كما نسمّيها، العشوائيّة؛ دماميل نبتت في لحم المدينة، خارج الأسوار؛ حيث المسالك ببناياتها القبيحة وزبالتها التي لا ترفع إلا لماما وعتمتها التي لا تغيب، حيث الأنهج والأرصفة والبطاح التي لا تكنسها إلا الرياح ولا تغتسل إلا بمياه الأمطار؛ حيث البنايات الخراب التي توشك أن تسقط فلا هي سقطت ولا هي رمّمت.
بيوت حُمْرٌ لم يكتمل بناؤها وأكداس من النّفايات والقمامات ومقاه أكثر روّادها من العاطلين أو المعطّلين، وطرقات محفورة بلا أرصفة أو أرصفة بلا طرقات، تذكّر بما قاله أحد المصريّين عن بلد عربيّ إفريقيّ:” كلّ ما فيه زفـت ما عدا الطّرقات!” مدن مهملة تزحف عليها هندسة عمياء، وتتراكم فيها الأوساخ، حتّى أنّي لا أستغرب أن تطاول يوما أسوارها. مدن لا يزال يمرح فيها الماعز الجبليّ، بل البقر أيضا، ولعلّها مدينة هنديّة ونحن لا ندري؛ كما كتبت في نصّ لي عن القيروان التي لا تختلف كثيرا من حيث “التهميش” عن شقيقاتها: القصرين وقفصة وباجة وجندوبة والكاف وسيدي بوزيد وتطاوين، تلك التي كانت تسمّى زمن بن علي بـ”مناطق الظلّ” أو “مناطق الذلّ” كما كان يقول صديقنا الساخر الشاعر أولاد أحمد.
في هذا “الكيجبي” ترسم الجغرافيا التونسيّة تضاريسها وتقلّباتها العجيبة: جبال وسهول خضر في باجة “مطمورة روما” قديما، صفر حمر رماديّة في أكثر الجنوب ما عدا الواحات التي بدأ ماؤها يغور وينضب. هي صورة السراب أو وهم الماء أشبه في وحشتها بظلّ خياليّ رجراج. ولا أثر فيها إلاّ لبضع بيوت طينيّة أو من الآجرّ الأحمر، منصوبة في العراء ولفح الشمس؛ وقطعان من الأغنام والجمال كأنّها تزحف أو تنسلّ كالزواحف، ونباتات جافّة سرى فيها الملح والرمل. جبال جرداء موحشة في الطريق من قفصة إلى توزر. ربّما انحفرت في بعض منحدراتها، بئر أو ما يشبه البئر المعطّلة التي غار ماؤها وكسته الطحالب. ربّما كانت هذه البلاد، في بواكير الأبديّة بحرا لم يبق منه غير ماء آسن، وسراب مترقرق كهذا الذي يكسو أرجاء الصحراء، ويعلو حواشيها. البشير خريّف كاتبنا “المحلّي” لا “الجهوي” ألمّ في روايته “الدقلة وعراجينها” بشيء من هذا، بلغته المأنوسة ذات النبرة “الجريديّة” الساخرة.
ليس أدلّ على هذه “الجهويّة” من مفردات وعبارات مثل” فلان من وراء البلايك” (العلامات المثبّتة في تخوم المدن) وهي استعارة للتونسي ابن الريف أو البادية أو “غير المدني”، أو مثل “عرْبي” بتسكين الراء، أو “جبْري” وهي الكلمة التونسيّة التي يديرها التونسي “الجهوي الحضري” ابن المدينة عامّة، على لسانه وهو يغمز أو يسخر من التونسي ابن “الأعماق” أو الجنوب. ولعلّها مشتقّة من الجبروت وما يمكن أن يحيل عليه من معنى العنجهيّة والكبْر والقوّة وحتى القتل على الغضب. وقد تكون من “الجبر” بتسكين الباء أي العبد، وإن كانت تعني الرجل أيضا. وقد تكون من “جبره الله فاجتبر” أي سدّ مفاقره. وأكثر ما يستعملها التونسي في معنى الدعاء الساخر” ربيّ يجبر عليه” أي ردّ عليه ما ذهب من رشده أو عقله؛ أو عوّضه عنه. ولعلّها استعارة من جبر العظام. وثمّة حديث منسوب للإمام علي “الله جبّار القلوب على فِطِراتها” أي يقيمها ويثبتها على ما فطرها عليه. والجبر أيضا أن تغني الرجل من الفقر. ونحن نشاطر القائلين بأنّ مثل هذه العبارات الحاطّة المحقّرة، هي ثمرة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين جهات البلاد، منذ الحقبة الاستعماريّة خاصّة، وقد ترسّخ مع دولة الاستقلال؛ على ضرورة تنسيب هذا الحكم؛ حيث احتفظت المدن الكبرى مثل تونس وسوسة والمنستير وصفاقس ونابل والحمّامات، بكل امتيازاتها من حيث هي أقطاب صناعيّة وسياحيّة ومراكز لاستثمار المال وتوظيفه. وأمّا مدن الأعماق فقد ظلّت أقرب إلى “مستودع” لليد العاملة العادية غير المتخصّصة، وهي التي تعاني من البطالة وشظف العيش وارتفاع نسبة الأميّة. والحقّ نحن إزاء “تونسيْن”، تتعايشان لا شكّ؛ وكلاهما تضمر للأخرى ما تضمر. وأقدّر من دون شطط أنّ هذا ما أفصحت عنه انتخابات 2014 الرئاسيّة بين الباجي قائد السبسي ومنصف المرزوقي وكان دعا إبّان رئاسته إلى اعتماد نظام فيدرالي، وتقسيم تونس إلى سبعة أقاليم مستقلّة اقتصاديّا عن بعضها البعض، واقترح أن تشرف ألمانيا المعروفة بنظامها الفيدرالي على تنفيذ المشروع. بل هذا ما أفصحت عنه انتخابات 2019 بين كلّ المتبارين فيها، وخاصّة في دورها الثاني بين قيس سعيّد ونبيل القروي.
صحيح ما يقال من أنّ “الجهويّات” ليست وقفا على أحاديث المقاهي والحانات وملاعب كرة القدم حيث يحتدم الصراع بين أنصار النادي الإفريقي والترجّي وأنصار النجم الساحلي؛ ويستعمل معجم يبلغ حدّ الفحش والبذاءة. بل هي تتّسع لتشمل أبناء العاصمة وأبناء الساحل؛ حتى أنّ البعض يقول إنّ بورقيبة ابن المنستير، طلّق زوجته الفرنسيّة المناضلة ماتيلد، وتزوّج وسيلة بن عمّار سليلة عائلة تونسيّة عريقة؛ من أجل جسر الهوّة بين أبناء المنطقتين.
منذ ثورة 2011 نلاحظ كيف بدأ التحوّل الكبير، وهو انتقال السلطة على رأس الدولة، باتجاه الأقاليم أو “الجهات” المحرومة. فمن منصف المرزوقي ابن الجنوب إلى الباجي قائد السبسي فقيس سعيّد ابنيْ العاصمة (الثاني تتحدّر عائلته من الوطن القبلي من مدينة بني خيار من ولاية نابل). هذا الانتقال حقيقة لا مراء فيها، ولكنّها “تزعج” كثيرين من الذين لم يقبلوا بعد أنّ ما يحدث في تونس هو ثورة بالمعنى العميق للكلمة، وليس مجرّد انتفاضة أو إسقاط لنظام بن علي. بل هو واقع يغذّي “الجهويّات” التي تتهدّد استقرار تونس وثقافتها وهي محصّلة تراث أمازيغيّ ورومانيّ وبيزنطيّ وعربي واسباني وبرتغالي وفرنسي وإيطالي؛ وتجعل كل سلطة منذ الثورة تحكم وكأنّها في قاعة استراحة مؤقّتة، بانتظار ما تحبل به الأيّام و”الجهويّات”.