في الذكرى السنوية الأولى لكارثة الزلزال المدمر: قصص مؤلمة يرويها شهود وناجون لـ «القدس العربي»

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: في الذكرى السنوية الأولى لكارثة الزلزال المدمر الذي بلغت شدته 7.8 درجة وضرب جنوب تركيا وامتد إلى مدن وبلدات الشمال السوري، حيث قتل أكثر من 59 ألفاً إنسان، 13 ألف منهم لقوا حتفهم في سوريا، كما خلّف عشرات آلاف المشردين ومدننا خراسانية ضاعت فيها معالم الحياة بين موت الأحبة وخسارة عائلات بأكملها وتلف أموال وتشريد وخوف وبرد ومرض حتى تعطلت الحياة بالكامل، بينما بقيت المجتمعات المتضررة هناك تعاني صدمة وأهوال تلك الكارثة.
ورغم مرور سنة على الزلزال، إلا أن أنقاضه مازالت متراكمة في نفوس أبناء المناطق المنكوبة، تذكّرهم بمأساتهم.
خديجة خطيب مسعفة لدى منظمة الدفاع المدني السوري تروي لـ “القدس العربي” قصصا بطولية عن الرابط الإنساني العميق بين المسعِف والمسعَف، عاشتها في البقعة الجغرافية المنكوبة والمحاصرة شمال غربي سوريا أثناء عملها، وتقول: “كأن حرباً عالمية خاطفة اشتعلت هنا والجميع في ذهول، بينما هبت فرق الدفاع المدني للاستجابة منذ اللحظات الأولى قبل أن نستوعب حجم الكارثة. وككوادر نسائية اتجهنا إلى المستشفيات لمساعدة الكوادر الطبية هناك، بينما توجه الشبان المختصون بالبحث والإنقاذ إلى المناطق المتضررة.”
وتضيف: “عندما بدأنا باستيعاب حجم الكارثة توجهنا كلنا إلى المناطق المنكوبة والتي زاد تعدادها عن 180 نقطة، حيث حاولنا قدر الإمكان أن ننتشر في هذه المناطق ونمد يد العون للأهالي، رغم برودة الطقس. وأكثر ما كنا بحاجة إليه هو المساعدة، لا سيما أن المعدات لم تكن تكفي أمام حجم الكارثة، بينما نحن مضطرون لاستغلال الساعات الذهبية الأولى لإنقاذ أكبر قدر ممكن من الأرواح، لكن للأسف بعد مرور الوقت الذي كان من دم، أصبح الانتشال هو الغالب.”
وتقول خديجة: “صح رأينا الكثير من القصف والانهيارات التي لحقت في المباني، وكان عملنا دائما خلال عقد من الحرب هو البحث والإنقاذ والإسعاف، وكنا الشهود على الأيام العصيبة المليئة بالدماء والجثث، لكن مشاهد الزلزال كان فريدة من حيث الألم، إذ أننا كنا نرى مدنا كبيرة بما فيها من مجمعات سكنية ومساحات هائلة تحولت إلى ركام وأنقاض، فالمشهد بحد ذاته مرعب، وشعور بالرهبة سوف ينتابك، مجرد أن تتخيل أن المكان الذي تمشي فيه، وكل هذه الأبنية هي شقق سكنية كانت تأوي أطفال وأمهات وأهل وأحبة وآباء وأخوة، ثم تحولت إلى مقابر.”
وتتابع: “كان المشهد مؤثراً، والفكرة بحد ذاتها مرعبة، عندها شعرنا بأننا أصغر من استيعاب الفاجعة، لا سيما أن الكتل الخراسانية وكل أنواع الانهيارات يمكن أن نتخلص منها يوما ما، كما يمكن لنا أن نرمم صدوع الجدران في البيوت الصامدة، ولكن كيف يمكن لنا أن نتخلص من الصدوع النفسية ومن يرممها؟”
وتضيف: “ليلة 7 فبراير/ شباط أي بعد مرور 24 ساعة على وقوع الزلزال، وقبل طلوع الشمس، كنت في منطقة حارم مع المسعفين ننتشل الضحايا ونحاول الوصول إلى الأرواح، فجأة في تلك الليلة ووسط كل هذه الأهوال تعالت الصرخات من تحت الأنقاض من أجل الإسراع في إخراج أناس أحياء، لكن شخصا ما استوقفني وأومأ لي بهدوء شديد مشيرا إلى بيته، فقلت له هل ثمة أية إشارة على وجود أحياء بين عائلك، فأجاب: لا داعي، أنا بحاجة لأية آلية ممكنة من أجل الحفر، وقعت الدار على أهلي وأولادي جميعهم وقد ماتوا.”
بنفس التوقيت، انتقلت من شارع إلى آخر، بعدما عرفت أن شابة تحت الأنقاض على قيد الحياة، كانت بالطابق الثالث، لكنه بعد الانهيارات أصبح هذا الطابق على بعد مترين فقط من الأرض، سارعت فرق الإنقاذ لحفر نفق لإنقاذ الشابة التي خرجت بعد ساعات مصابة بمتلازمة الهرس، ولكن رغم ألمها وفقدان الإحساس بالأطراف، فإن أول ما نطقت الفتاة قالت: “أمي وأبي ماتا وهما بجانبي. وأخذت بالبكاء. ” لكن أكثر ما أثر في نفس خديجة، هي قصة الطفل حسن ذو الـ 6 سنوات الذي وصل إلى مستشفى باب الهوى على الحدود مع تركيا، رأسه مفتوح، حيث رافقته في رحلته في العلاج، وتقول: “أثناء علاجه ونقله من جهاز إلى آخر، قال لي وهو يحضنني بشدة رغم أنه لا يعرفني أبدا: “ليش هيك؟ ليش أنا مريض وليش بابا وماما ماتوا؟” عيونه تحكي هول الصدمة التي يعيشها الطفل، ويحاول أن يقول إنهم كانوا بجانبي قبل عدة ساعات فما بالهم أين ذهبوا؟” وتضيف: “رغم أنه لمس في عنايتي الحب والحنان إلا أنني اضطررت أن أتركه بالمستشفى مع الكادر الطبي، وودعته رغما عني تحت ضغط العمل.” وتقول: “لا أستطيع أن أشرح مدى ألمي عندما رأيت أمّا وجدناها قد فارقت الحياة وهي تحتضن طفلتيها، والأب الذي مات فوق جثة ابنته الرضيعة، “ليتني أقدر وصل للعالم حجم الأهوال التي عشناها، الزلزال لم يؤثر فقط على المباني والبنى التحتية والمساكن، إنما هز أرواحنا وضمائرنا وخلق ندوبا عميقة في أنفسنا، فكلنا مصابون رغم تفاوت حجم الإصابة”.
وعن الناس التي ألمت بهم الكارثة، قالت خديجة: “أكثرهم معاناة هم الأطفال الذين لم يستوعبوا حجم الكارثة، إضافة إلى المصابين الذين تعرضوا لمتلازمة الهرس وإصابات الشلل وتكسر العظام هؤلاء بحاجة إلى العلاج الدائم، والمسنين الذي فقدوا أولادهم وأحفادهم وبقوا دون معين.” لم تزل تلك المناطق المنكوبة إلى الآن، مدن أشباح رغم عمل فرق الدفاع المدني وإنشاء مراكز الإيواء ومحاولات الاستجابة للأهالي والمتضررين. وعن ليلة الزلزال وأيامه يروي المحامي عبد الناصر حوشان أحد النازحين إلى تركيا، لـ “القدس العربي” تلك الأهوال فيقول: “ليلة الزلزال، استيقظت حوالي الساعة الرابعة على صوت يأتي من باطن الأرض يشبه صوت الرعد يرافقه صوت جلبة أهل بيتي وجيراني، وتعالت أصوات أطفالي وأحفادي وأهل بيتي مع انقطاع تيار الكهرباء، فاستخدمنا إنارة الهواتف، لنرى بعضنا وفتحنا باب المنزل لنرى الجيران تسرع إلى الشارع مع الصراخ و البكاء فحاولت التخفيف عنهم ومساعدتهم في النزول على درج البناء، حتى خرجنا إلى الشارع لنرى المشهد الأكثر رُعبا، أناس حفاة، بثياب خفيفة، مطر وبرد قارس، وسيارات تسير في كل الاتجاهات وكأننا في مشهد من مشاهد يوم القيامة “وترى الناس سكارى وماهم بسكارى” لا ندري إلى أين نمضي، ولا إلى أي مكان آمن نلجأ، الكل في خطر والكلّ يعيش حالة من الذهول والرعب، حاولت الاتصال بأشقائي وشقيقاتي وبناتي الذين يقيمون في مناطق متفرّقة منهم من يقيم في الشمال السوري ومنهم من يقيم في مناطق تركيّة متعددة، ولكن لم تسعفنا الاتصالات إلا بعد ساعة لتخبرني ابنتي المقيمة في مدينة كركخان بأن منزلها انهار ولكنهم نجو بفضل الله، ثم بدأت تتوالى أخبار الموت والفواجع، لأصدقائنا وأقاربنا وأبناء مدينتنا، ولم نجد ما نأوي إليه سوى سيارات شاحنة فتح صناديقها أصحابها الأتراك حيث أوينا اليها مع أطفالنا ونساءنا حوالي شهر تقريبا، ثم نصبنا خيمة في ساحة أمام منزلنا مع جيراننا وعوائل أشقائي، حيث أمضينا فيها حوالي شهر.” وعن أشد اللحظات قسوة، يقول: “هي لحظات رؤية الخوف في نفوس الأولاد والرعب والذهول والذي سيطر على النساء والعجز عن فعل أو تقديم أي شيء، وأكثر ما عانيناه بعد ليلة الزلزال وأيامه الأولى هو محاولة إعادة الأمان إلى نفوس الأطفال والنساء، فأصبحت البيوت مصدر رعب والدخول إليها كأنه الدخول إلى قبر، واستمر بنا الحال على هذا المنوال شهور حتى استطعنا تجاوزه، ولمّا عدنا إلى المنازل، أصبح الأطفال يرصدون حركة المصابيح الكهربائيّة المعلّقة في السقوف لمعرفة إن كان هناك هزّات أم لا.” ويضيف: “رغم مرور سنة على الزلزال مازالت أنقاضه متراكمه في نفوسنا تذكّرنا بأننا لم نكن يوماً إلّا زائلون وأننا في أي لحظة تهتزّ فيها ثوابتنا بعنف، آيلون للانهيار.”
وبحسب شهادات أهلية لسوريين نازحين في أنطاكيا جنوب تركيا لـ “القدس العربي” يقول أحدهم: “إن المشاهد المؤلمة أتت بشكل متدرج كان أولها العمل على تامين إخراج أفراد العائلة خارج البيت في وقت يستمر فيه اهتزاز الارض، وخروج الجيران الذي أغمي على بعضهم رغم خروجه خارج البناء مع استمرار اهتزاز الأرض.”
ومع الصباح بدت البلدة وسكانها كأنما وقف على رؤوسهم الطير وبدأت الأخبار تتوارد على قلتها من انطاكيا وما حل بها.
ويضيف: “في هذا الصباح لم أستطع الوصول الى أحد الأصدقاء، حيث وصلني خبر احتمال وجوده وزوجته الحامل وبناته الثلاث تحت الانقاض، وهو ما كان بالفعل وتبين لاحقا بانتشال حثثهم. ونجا ابنه الوحيد.”
بعد أن دخلنا البيت يومها وإلى هذا التاريخ لا نزال نعيش بجاهزية تامة من تحضير ملابس وأوراق ثبوتية نضعها جنبا لنتناولها بسرعة ونخرج خاصة أن الهزات لم تنقطع في المنطقة.
ويضيف: “ثاني أيام الزلزال طرق بيتي أحد الأقارب طالبا مني أن اتوجه معه إلى المشفى لنستلم جثتي بنات أخيه الذي كان يقيم في إنطاكيا، وبالفعل ذهبت رغم خوف عائلتي من تركهم وحيدين، وعند الوصول إلى المشفى كان مشهدا صادما حيث تتكدس الجثث فوق بعضها، ونظرا لكثرتها لم نتمكن من استلام جثث من أتينا لأجلهم حتى الخامسة وتوجهنا بهم الى المغسل وفيه كانت المشاهد لا توصف بسبب لوعة الفقد وكثرة الموتى.”

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية