لطالما كان من واجب المسرح إيقاظ الوعي بمهمة استشكال قضايا الواقع المحيط بنا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في حدها الأدنى، التي ما زالت تقيد انعتاقنا نحو وعيٍ معرفيّ له أهدافه الواضحة في الحق والخير والجمال.
فجمهورنا كغيره من جماهير العالم، يرى ويسمع ويفكر، ومن ثم فهو قادر على الاستنتاج والتقدير بمعنى الحكم الموضوعي على الأمور، واستثمار ذلك الحكم في استنهاض المجتمع في اتجاه الأنجع والأفضل. ولأن المسرح كذلك منذ وفادته علينا مع مارون النقاش في منتصف القرن الماضي، فقد تذبذب في تطوره آنذاك بين مد وجزر حتى يومنا هذا، فكان من أعلامه حسن علاء الدين اللبناني البيروتي، والمعلَمَة المضيئة في التاريخ الحديث للمسرح اللبناني.
ولد حسن علاء الدين المعروف باسمه الشهير «شوشو» في 26 فبراير/شباط عام 1939 في بيروت. وأسس مسرحه الخاص تحت مسمى المسرح الوطني عام 1965 بالتعاون مع نزار ميقاتي، ما ساهم في نشوء وتطور حركة مسرحية حديثة في لبنان. وكما أن المسرح الوطني هو أول مسرح يومي في لبنان، فإنه أيضاً آخر أطول مسرح يومي لبناني، وغير موسمي حتى هذه اللحظة، لناحية المدة الزمنية التي استغرقتها عروضه المتواصلة طيلة عشر سنوات بين عامي 1965 و1975 حيث استقطب شوشو جمهورا مسرحيا كبيرا عجزت كل المسارح والفرق اللبنانية الاخرى عن جذبه، على امتداد تاريخ المسرح المحلي الحديث منذ ولادته وحتى اليوم، معتمدا على شباك التذاكر وحده. ولعل من أسبقية شوشو المسرحية على غيره أن رواده دوماً كانوا من مختلف الثقافات والتوجهات الفكرية والثقافية والسياسية، وكان يتقدمهم رؤساء جمهورية وحكومة ومجلس نيابي في أثناء توليهم مهامهم. عدا ذلك فإنه يحسب لشوشو أيضا أنه أول من قدم مسرحا للطفل في لبنان، فضلا عن نجاحه في برامج تلفزيونية عديدة خصصت للأطفال أيضا على شاشة تلفزيون لبنان وقتذاك، وهو ما يحتاج بالضرورة إلى بحثه والإضاءة عليه في الدراسات الأكاديمية والنقدية، توثيقا وإفادة لصالح التاريخ المسرحي المحلي، بعد أن أهمل هذا الجانب المهم جدا في نصوص المراجع المسرحية اللبنانية على قلتها.
أكد «شوشو» بذلك أن الفن واقعي بامتياز في تصويره للحياة من جهة، والتسامي إلى ما يجعلها أكثر فائدة ومثالية ما استطاع إلى ذلك سبيلا من جهة ثانية.
شكّل مسرح شوشو عنوان ثقافة عضوية مرتبطة بحياة الناس، تعكس مشاكل وهموم وتناقضات المجتمع ، في نمط كوميدي فكاهي استأثر بإعجاب الجمهور وقتذاك، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم، ولا يزال يجد صدى كبيرا في وجدان واهتمام شريحة كبيرة من المجتمع اليوم، بسبب نجاحه في التعبير عن مواقف الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الذي لم يشهد كبير تغيير، رغم تقادم الزمن، فلم يتحول إلى بؤرة ماضوية لها مساحتها في ذاكرة اللبنانيين، على الرغم من قساوتها. ويعود ذلك النجاح إلى شخصية «شوشو» نفسها، التي سخّرت الفن لخدمة المجتمع في نقد مثالبه وتقاليده، فضلا عن كشف المسكوت عنه من مشاكله في السياسة والاجتماع، من دون أن يعني ذلك أنه تبنى تشريع الوعاظ على الخشبة، وإنما أكد أن الكوميديا في خدمة القضايا الوطنية، فمارس وظيفة الإصلاح على طريقته الفكاهية المهذبة، التي لا تسمح بأن تتضمن المسرحية ما يجافي الأخلاق، وتلبي في الوقت عينه شروط الفائدة والإمتاع.
أكد «شوشو» بذلك أن الفن واقعي بامتياز في تصويره للحياة من جهة، والتسامي إلى ما يجعلها أكثر فائدة ومثالية ما استطاع إلى ذلك سبيلا من جهة ثانية. ولا شك أن لنصوص مسرحياته التي لاءمت توجهات «شوشو» وطريقة تفكيره، دورا كبيرا في نجاحه. فهي وإن كانت موضوعة محليا أو مقتبسة ومعدّة عن مثيلاتها الغربية، إلا أنها لم تكن مقلدة فاقعة، بل خضعت لعملية إبداع التوليفة المسرحية والخلطة الدرامية كأفكار طورها مؤلفون لبنانيون، عبّروا عن عالمهم المحيط بهم بصيغة إبداعية تحسب لهم، فترجموا مشاكل وهنّات ومتاعب الناس اليومية على الخشبة، وكان أبرزهم فارس يواكيم ونزار ميقاتي ومحمد كريم، في ممارسة مسرحية تتبنى تقليداً كتابياً مؤثراً ومقبولاً، يتوجه إلى الناس قصدا وفوراً ومباشرة بما يهمهم، وعلى اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم الاجتماعية، وهو ما لم تتوافر عليه المسارح المحلية الأخرى، التي اتسمت بالذهنية الخالصة، وتوجهت مع نشوئها إلى طبقة محددة من المثقفين. وعلى الرغم من جدّة الفن الدرامي والثقافة المسرحية البسيطة للجمهور، إلا أن المسرح «الشوشوي» كان ولا يزال كافيا ومستوفيا لتحديد الأثر القيَمي والفعلي، في نشوء مسرح لبناني متميز جدير وكفء، باعتباره مرحلة ولادة وانطلاق لهذا الفن، وتبشيرا بنشوء منصة تأصيل حقيقية له تؤكد القيمة الفنية للمسرحيات المشغولة نصاً وعرضا، وعلى اختلاف مدارسها الأخرى، الجادة منها أو الغنائية، مع منير أبو دبس وانطوان ملتقى وروجيه عساف ونضال الأشقر والرحابنة وغيرهم كثيرون.
لقد كان شوشو حاجة فنية وظاهرة أساسية مطلوبة جدا في تاريخ المسرح الحديث، لتفكيك وإعادة تركيب الوجدان الجماهيري الشعبي اللبناني، تجاه قضاياه الوطنية والقومية، ما دفع الناقد العربي علي الراعي إلى تأكيد أنه لو كتب لشوشو العمر المديد لاستطاع «أن يطور وينمي الكوميديا الانتقادية» في الكثير المتجدد من إمكاناته على الخشبة، ممثلا موهوبا بالفطرة وظاهرة فنية متفردة المثال. في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1975 توفي حسن علاء الدين وبدأت الحرب وتوقف المسرح وأطفئت أنوار بيروت المدينة حتى مصير آخر.
٭ كاتب لبناني