في الذكرى 75: أوروبا والنكبة الفلسطينية

صادق الطائي
حجم الخط
1

يتذكر العالم أجمع هذه الأيام النكبة الفلسطينة التي مر عليها 75 عاما، وقد شهدت عدة دول أوروبية نشاطا ملحوظا لتسليط الضوء على الكارثة التي حصلت للفلسطينيين والتي تراكمت آثارها طوال سبعة عقود ونصف، ويشهد هذا العام نشاطا دوليا وأوروبيا غير مسبوق لاستذكار النكبة الفلسطينية، وبرغم المناشدات الإسرائيلية بعدم الحضور ومقاطعة الحدث، فقد حضرت معظم دول الاتحاد الأوروبي استذكار حدث النكبة الفلسطينية الذي نظمته الأمم المتحدة، الذي حظي بدعم 90 دولة في تصويت أجري في كانون الأول/ديسمبر الماضي، الأمر الذي شكل سابقة في الأمم المتحدة لإحياء ذكرى النكبة في الجمعية العامة.
وأرسلت غالبية الدول الأعضاء في الاتحاد ممثلين إلى الأمم المتحدة في إحياء ذكرى النكبة رغم الجهود الإسرائيلية لثنيهم عن الحضور. وأبلغت العديد من هذه الدول إسرائيل مسبقًا بخططها للحضور، لكن معظمها أرسل دبلوماسيين من المستوى الأدنى بدلاً من سفرائهم. الدول التي حضرت الحدث تشمل فرنسا وإسبانيا والسويد وفنلندا وأيرلندا ومالطا. وقالت كل من حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مقدمًا إنهما لن ترسلا أي ممثلين إلى الحدث، وقد كان للدول الأوروبية مواقف جوهرية التأثير في هذه القضية.
علاقة أوروبا بصراع الشرق الأوسط مرت بموجات من الاهتمام والاهمال، الشد والجذب، التدخل والنأي بالنفس، فقد مثل اليهود تاريخيا مشكلة بنيوية عبر تواجدهم في المجتمعات الأوروبية رافضين الذوبان أو الاندماج الكلي فيها، وقد تعرضوا في كثير من المجتمعات الأوروبية إلى موجات من الاضطهاد والتعسف وسياسات التفرقة العنصرية في محاولة منها طرد الجاليات اليهودية والتخلص منها عبر إيجاد حل ديموغرافي يتمثل في ملجأ يجتمعون فيه بعيدا عن المجتمعات الأوروبية الطاردة لهم.
لطالما مثل الشرق الأوسط منطقة إستراتيجية تتنافس عليها القوى العالمية، وقد تفاقم هذا الصراع في القرن التاسع عشر، إذ تشير ريجينا الشريف في كتابها «الصهيونية غير اليهودية.. جذورها في التاريخ الغربي» إلى أن التنافس كان شديدا بين القوى العالمية الكبرى في محاولات السيطرة وبسط النفوذ على هذه المنطقة الحيوية، وقد بحثت عن من يعاونها في بسط نفوذها في المنطقة، ووجدت ضالتها في الجاليات اليهودية، خصوصا بعد شيوع الاعتقادات البروتستانتية التي ظهرت بعد حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر والتي رأت في اليهود الشعب الذي سيعجل في الخلاص المسيحي، لذلك تضافرت كل الجهود لتصب في تأسيس كيان في المنطقة يقوم بهذا الدور.
وقد تم دعم الحركة الصهيونية اليهودية التي نشأت على يد ثيودور هرتزل، الذي عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا عام 1897 وصاغ شعارات الحركة الصهيونية ووضع خطة المشروع الصهيوني، وقاد التحرك مع قوى الاستعمار الغربي وخاصة بريطانيا، وباشرت الحركة الصهيونية تهجير يهود أوروبيين إلى فلسطين، التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية حينذاك، وحصل هرتزل على نوع من الاعتراف الأوروبي بالمنظمة الصهيونية، وكانت الأهداف الغربية تذهب إلى تفتيت المنطقة العربية، والتخلص من اليهود في أوروبا، وجعل اليهود قاعدة أوروبية في المنطقة العربية، وتم تجاهل أهل فلسطين، إذ اعتبرت الصهيونية فلسطين أرضا بلا شعب سوف يتم منحها لليهود الذين يمثلون شعبا بلا أرض.

وعد بلفور

كان أول من اجتذبته فكرة استعمار فلسطين وإقامة الوطن القومي اليهودي هو القائد الفرنسي نابليون بونابرت الذي كان قد خطط لتحقيق حلمه بإنشاء إمبراطورية في الشرق، وكان أول زعيم يدعم إقامة كيان يهودي على أرض فلسطين، وقد نشر دعوة رسمية لليهود لتحقيق آمالهم في 20 نيسان/أبريل 1799 أثناء حصاره لعكا. إلا أن محاولة نابليون هذه انتهت بالإخفاق والفشل التام إثر هزيمة جيشه أمام مدينة عكا، واضطر بعد ذلك إلى المغادرة بسرعة والعودة إلى فرنسا. ليمارس الاستعمار الأوروبي لاحقا الضغوط على الدولة العثمانية لتمكين الصهيونية من فلسطين، ثم قامت بريطانيا عام 1917 بإصدار تصريح بلفور، الذي تضمن وعداً بإقامة دولة قومية لليهود في فلسطين.
ويشير أحمد عثمان عزام في بحثه المعنون «العلاقة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي وأثرها على القضية الفلسطينية» إلى إن العلاقات الميدانية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي ترجمت نفسها عبر الوجود العسكري الأوروبي المكثف في كل مهمات حفظ السلام في الصراع العربي الإسرائيلي، كما في البعثات الخاصة التي اتفق الفلسطينيون والإسرائيليون خلال عملية السلام على إنشائها لمراقبة بعض النقاط. وعلى الرغم من أن أوروبا لا تحظى بثقة إسرائيل بشكل كبير، مقارنة مع الثقة التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن القوات الأوروبية ظلت مفضلة على غيرها بعد الولايات المتحدة في الوعي الأمني الإسرائيلي.
لقد أُعلن استقلال دولة فلسطين يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988 في الجزائر العاصمة من قبل المجلس الوطني لمنظمة التحرير، وتمت الموافقة على القرارات الدولية 181 لعام 1947 وقراري مجلس الأمن 242 و338. وقامت مجموعة من البلدان بإعلان اعترافها بدولة فلسطين على الفور، وبحلول نهاية عام 1988 كانت أكثر من 80 دولة قد اعترفت بالدولة الفلسطينية المعلن وفي شباط/فبراير 1989 أقر ممثل منظمة التحرير الفلسطينية باعتراف 94 دولة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبعد توقيع اتفاق أوسلو في أيلول/سبتمبر1993 توالت الاعترافات بدولة فلسطين، إلاّ أن إسرائيل ومعظم الدول الغربية لم تعترف بوجود دولة فلسطينية مستقلة، خاصة مع تعطل المفاوضات.
أن مجموعة من الدول الأوروبية بدأت تدرك أن خيار حل الدولتين الذي دعمته على مدار أكثر من ثلاثين عاماً بدأ يتلاشى تدريجيا، خاصة مع توسع الاستيطان وتوقف عملية السلام، وهو ما عبر عنه الاتحاد الأوروبي بشكل واضح في تشرين الأول/أكتوبر 2014 عندما أعلن أنه لن يعترف بأي تغييرات على حدود ما قبل عام 1967 إلا الذي يتم الاتفاق عليه بين الطرفين.
أما فيما يتعلق بالموقف الأوروبي من الصراع العربي الإسرائيلي، فإن الاتحاد الأوروبي يعلق أهمية كبيرة على التوصل إلى تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي، ويدعم المبادرات الرامية إلى تعزيز عملية السلام. وكان الموقف العام للاتحاد الأوروبي هو أن الدولة الفلسطينية يجب أن تقوم على حدود عام 1967 والقدس عاصمة للدولتين، والتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تنقسم أحيانا حول هذه القضايا، لكن يمكننا القول إن جميع دول الاتحاد الأوروبي اليوم تعتبر المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وإن عدم التزام إسرائيل وتجاوزاتها على الحق الفلسطيني قد أدى إلى توترات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، لكن لا تزال السياسة الأوروبية وتأثيرها لصالح القضية الفلسطينية ضعيفة، وليس بالمستوى المطلوب، وذلك نتيجة الاختلافات بين الدول الأعضاء، والتبعية السياسية للولايات المتحدة الأمريكية، وردة الفعل الضعيفة التي اقتصرت على إستراتيجية إعلانية لم تصل إلى دور حقيقي وفعال.
كما بات واضحا الرفض الشعبي الأوروبي الذي بدأ يظهر بوضوح تجاه السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، خاصة خلال الحروب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، والانتهاكات المتكررة لسلطات الاحتلال في الضفة الغربية والإصرار على توسيع رقعة المستوطنات غير القانونية في الضفة في السنوات الأخيرة، ونتيجة لذلك تعززت كثافة حملات التضامن والوقفات الاحتجاجية والمسيرات الداعمة للحقوق الفلسطينية والمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقد تجلى الرفض الشعبي الأوروبي للسياسات الإسرائيلية في الاتساع الواضح للحملات الشعبية الداعمة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية والمؤسسات الأكاديمية، وزيادة حجم التأييد ضمن الأحزاب الأوروبية، ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة لحل عادل للصراع العربي-الإسرائيلي يضمن قيام دولة فلسطينية على أراضي عام 1967. إضافة إلى ذلك هناك متغيرات كثيرة كان لها تأثير واضح في الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية منها: صمود الشعب الفلسطيني في وجه الحصار الجائر والعدوان المتكرر على قطاع غزة والضفة الغربية، وكذلك ممارسات الاحتلال الهمجية في القدس، وتحديه للإرادة الدولية، ومنع لجان التحقيق الأوروبية من ممارسة مهامها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية