أشير في مستهل هذا المقال إلى أنّ قادحه عبارة لمحمود درويش، هي كناية لطيفة «باب بدفّتين» تلقّفتها منه، ليلة فوزه بجائزة مهرجان الشعر العربي (القاهرة 2007) وهو يسألني عن شاعر تونسي صديق عاد بقوّة إلى قصيدة الشطرين: صدر وعجز؛ وهو الذي أدار أكثر شعره على قصيدة التفعيلة. وأقدّر أن إشارة درويش تبطن موقفا «ساخرا» ممّا أسمّيه «ردّة شعريّة». وما يسوّغ هذا الموقف هو أنّ الشّعر العربي الحديث شهد نقلة نوعية منذ نهايات منتصف القرن الماضي مع شعراء العراق ومصر وبلاد الشام وبعض شعراء المغرب العربي؛ فكيف يرتدّ منذ عقدين أو أكثر بقليل إلى «قصيدة البيت» أو»القصيدة العموديّة» وهي تسمية غير دقيقة، إذ أنّ عمود الشعر هو نظريّة الشّعر عند العرب. أمّا قصيدة «باب بدفّتين» فهي تنضوي إلى «شعريّة المناويل» أو «التشعير» بعبارة هنري ميشونيك؛ حيث هي سرد تاريخي مداره على الماضي وغياب الذات المتلفّظة؛ وليس تلفّظا يُفسح المجال، في الملفوظ، لظهور آثار تلفـّظه أي الإشارات الدالّة على ضمير التكلّم وضمير الخطاب(أنا/أنت)، وظروف المكان والزمان (هنا/الآن)، واسم الموصول واسم الإشارة، وأزمنة الفعل وخاصّة المضارع أو «الحال» كما كان يسمّيه العرب، وما إليها من سمات التلفظ في الخطاب التي يصعب تأّويلها إلاّ إذا انتقلنا من الملفوظ إلى مقام التلفّظ، أي إلى الضمير المتكلّم وإلى مكان قوله وزمانه. وفي ضوئها يمكن أن نميّز بين نظامين في الكتابة يكشفان عن خطّتي تلفّظ مختلفتين: كتابة متجرّدة من كلّ جسمانيّة سواء أكانت أيقونيّة أم قوليّة كلـّما قامت في خيال السّامع «صورة أو صور ينفعل لتخيّلها وتصوّرها، أو تصوّر شيء آخر بها انفعالا من غير رويّة إلى جهة من الانبساط أو الانقباض»، أو ما جرت المسموعات من الأسماع «مجرى المرئيّات من البصر» بعبارة حازم القرطاجنّي. وهذا ليس مخصوصا بالقديم وحسب وإنّما بهذا النمط الذي هو أقرب ما يكون إلى «البيكتوغرام» أو «التصويريّة» حيث يمكن فصل الكلمة عن الصورة، ويتحقّق «الاختلاق الإمكاني» أو الخيال التـّصوري، ويكون للـ»الحقائق» أصل في الأعيان وسند من الواقع. فلا غرابة أن قام التصوير في الشعر على ما قام عليه عمود الشّعر، أي على ركنين لا غنى عنهما هما الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه؛ إذ يحتفظ «الشّيء» في هذين الأسلوبين بوضوحه وتمايزه أو بانتسابه إلى عالم الأشياء. وما انشداد إلى «المرئيّ» حيث الكلمة لا تحجب عن الشّيء، بل تجلوه وتفصح عنه، إلاّ دلالة على ماديّة الصّورة من جهة، وعلى نظريّة في الإدراك من جهة أخرى، تقوم على التمثّـّل؛ أي أن ندرك هو أن نسمّي الأشياء أو نعرّفها. وهذه الأشياء أو شبحها هو ما كان «النقد العموديّ» المخصوص بالشعرـ إن جاز أن نسمّيه هكذا – ينشده في الصّورة ويظفر به أو يتهيّأ له ذلك.
ولئن ندّ المحدث الشعري عند شاعر استثنائي مثل أبي تمّام، عن كثير من القدامى؛ فلأنّه لم يأخذ بالحسبان التحوّلات الخطيرة التي طرأت على ثقافة العرب المسلمين منذ بزوغ عصر التـّدوين والكتابة. وكان من أثر ذلك أن أخذت الصّورة تتحوّل من «مسموع» إلى «مكتوب»، ولم يعد العالم هو نفسه إذ لم يعد له نفس الفضاء. وربّما تجلـّى هذا الفضاء بصورة أوضح في علوم أخرى مثل علوم الفلك وعلوم الهندسة، وكان لها شأن عند العرب في ريعان حضارتهم. ومن «متخيّل العاكس» تولـّد هذان العلمان، وكان لهما على ما نرجّح أثر في الأدب؛ لم نعرف كيف ننفذ إليه بعد.
أمّا الكتابة الثانية فتُعالج فيها الإشارة بمعزل عن وظيفتها الدّلاليّة التـّواضعيّة أو المرجعيّة أو التـّوصيليّة. فهي دليل لغويّ ينبتّ عن الصّورة، بالمعنى الذي استتبّ لها عند المتقبّلين عامّة، ويخون رابطة العقد بين المنشئ ـ الكاتب والسّامع/ القارئ. على أنّه دليل فاعل في نسيج النصّ المكتوب الأمر الذي يجعله أشبه بـ«الباب الدوّار» أو بـ«الإيديوغرام» (رسم الفكرة) فالرّمز فيه متحرّك غير ثابت؛ بحيث يصعب أن نحدّه استئناسا بمدلوله كما هو الشّأن في الكلمة التي هي تمثّل قبل كلّ شيء، وإنّما في ظهوره المباشر الذي يَنشدُ إحداث أثر ما، يمكن أن نسمّيه «أثر الرّمز» كما هو الشّأن في «الأيقونة» التي تتميّز بطابعها الذي يجعل منها دالاّ، حتّى إن كان موضوعه غير موجود؛ أي بالقدرة على استدعاء حقيقة غير متوقّعة.
إنّ الكتابة من حيث هي تسجيل للكلام أو تقييد، «تصلّب» الكلمة، شأنها شأن كلّ كلمة خطـّية، وتخصّها بوضع مستقلّ، وتقيّد الزّمن في هذا الدّال «شعر» الذي يندّ عن الحدّ ويستعصي عليه. ويتوضّح ذلك في قصائد غير قليلة، من حيث هي عدول من جهة، ومن حيث هي تعاقد، من جهة أخرى.
أمّا الذي هو عدول فغير نظاميّ ولا نسقيّ، أو هو غير معياريّ أي لا يُقاس عليه. وهو مباغت يحدّ من التوقّع إن لم يخيّبه. وأماّ الذي هو تعاقد، فنظاميّ نسقيّ غير مباغت، وحصوله منتظر. ومردّ ذلك إلى أسباب قد يكون أهمّها تدارك عوز اللّغة، وغايات قد يكون هدم نظام الخطاب الشّعريّ القائم قادحها. ونعني به النّظام العموديّ المنشدّ إلى رواسم متعاودة ونماذج جاهزة؛ فلا غرابة أن يكون الخطاب محكوما، في جانب لافت منه، بالوظيفة التّنبيهيّة التي تستجلب مزايا الشّفهيّ في أشكالها الأشدّ تراخيا في القدم، والأكثر اطّرادا في الاستعمال. ولعلّها محاولة من الذّات للظـّفر بـ «هويّـتها» وبيان موقعها.
وهذه الوظيفة هي التي تثبّت الاتّصال. وأكثر الوظائف الأخرى ـ على ما يبدوـ تنهض لها وتعزّزها. وقد يقع في الظنّ أنّ في هذا ملتقى البابين: باب الدفّتين والباب الدوّار. على أنّ جماليّة «الدوّار» الرّاجعة إلى الشّكل المستحدث أي هذا الشعر الذي لم يكن للعرب به سابق عهد، من شأنها أن تجلب الانتباه وتشدّه. وهي من ثمّة تعالق وظيفة أخرى حافـّة تشبع «ذاتيّة « الشاعر أو «أناه»، فيستغرقه التجريب، وينسى أنّ الشعر تلفّظ حيّ، وأنّ له مرجعيّته حتى إن لم يستجب للتـّوقّعات، أو كان بابا دوّارا، لا ننفذ منه ولا نجوز إلى داخل؛ إلاّ بعنتٍ وصعوبة.
والقضيّة في هذا الشكل أو ذاك، إنّما هي قضيّة الكتابة. والكتابة لا تعني الخطّ ضرورة، فكلّما كانت مفاضلة بين الكلمات أو موازنة كانت هناك كتابةٌ، إذ يمكن أن تشطب الكلمة، ما أن تدوّن، وتطرح وتستبدل بأخرى. وهذا صنيع لا يتسنّى إلاّ في الكتابة؛ وليس له مقابل في الأداء الشّفهيّ إلاّ إذا دوّن.
ولكن ما يعنينا من قصيدة «الباب الدوّار» أنّ الشّاعر ليس له مطلق الحريّة في انتقاء الكلمات وتخيّرها وتركيبها، كما يوهم بذلك إدلاله بقدرته، فهذا من مقتضيات الفخر أو «مركزيّة الذات» ونرجسيّتها وولعها بنفسها، ليس إلاّ.
والشاعر إنّما يخذله الشعر ويخطئه التوفيق؛ إن هو لم يعرف كيف يترسّم جانبا من الحياة أو يتمثّل مطارح الأفكار وخوالج النفس.
والخطاب الشعري، إنّما يُكْتنهُ في جانب منه، في ضوء التقبّل من حيث هو مفهوم جماليّ يتّسع لشتّى المواقف المزدوجة أو المختلفة التي هي في هذين النمطين من الكتابة اللذين أثبتناهما: التصويريّة ورسم الفكرة؛ محصّلة مشادّة بين «الكتابيّ» و«الشّفهيّ». وربّما كان هذا الخطاب في قصيدة «باب بدفّتين» أمسّ بالشّفهيّ حيث «ثقافة القصيد» إنّما هي ثقافة الذّاكرة أو»ثقافة الأذن» أيضا، حيث كلّ سمع طاعة، أو هي في معنى أوسع وأرحب، ثقافة السّلطة والتّقليد والوثوق التي تلزم الشاعر بصناعة القصيدة على طريقة عقليّة متوازية فلا ينْميها ولا يزيد فيها استرسالا إلى طبع أو إرسالا على سجيّة. ولذلك يكون من التعسّف أن نعدّ مثل هذا الخطاب الذي يتكبّد صاحبه اللّغة، وكأنّ الكلام يتلوّن بعضُه دون بعض، قائما بمقوّمات الكتابة الخالصة.
إنّ اللغة في قصيدة «باب بدفّتين» تخبر عن نفسها، بذات القدر الذي تخبر به عن تمثّل لحقيقة موجودة سلفا أو لمعنى قائم في العالم، وشهادة لنظام ما للكون، مرتّب ملموس. والإقرار بهذا لا يعدو رؤية دينيّة مثاليّة تتصوّر الإنسان موجودا في نظام خارج نطاق سيطرته، وإن لم يكن خارج نطاق قدرته على تنظيمه. وهو على ما نقدّر أساس كلّ خطاب دينيّ، مداره على مطلق ميتافيزيقي. وقد تكون القصيدة «العموديّة المعاصرة» صورة من «عصبيّة دينيّة» ما وردّا على «قصيدة الباب الدوّار» التي يرى فيها شعراء العمود الجديد إحالة وفساد معنى.
وقلّما تنبّه هذا الطرف أو ذاك إلى أنّ «العدول»، إنّما هو القصد. ولولا القصد لاستوتْ أقاويل الكتّاب والشّعراء، بأغاليط الأطفال وهلوسات المجانين اللغويّة.
*كاتب من تونس