في الشعر على الشعر: الشاعر قارئاً

أقدّر أنّ ما نسمّيه «الخطاب الواصف» أو «الشعر على الشعر» قديما وحديثا، قد يكون المنفذ إلى النصّ من داخله وفي ضوء منطقه؛ إذ يضفي هذا الخطاب عليه هيئة موضوعيّة، ويجعل الشّعر يضيء الشّعر أو هو يحاول أن يحوز تلك الحالات التي يحوطها الصّمت عادة أثناء الكتابة، لأنّ الكتابة لا تقول ذاتها ولا تعيها وهي تنشأ. والأمر أشبه، إذا نحن حاكينا المقاربة الفينومينولوجيّة، بحال المرء الذي لا يستطيع أن يتنصّل من جسده وهو يفكّر فيه أو يتحدّث عنه. وعلى إقرارنا بأنّ المقصد في الشّعر غامض، حتّى وإن أضاءته نصوص مصاحبة، وبأنّ صورا غير قليلة، في هذا الشّعر الذي نحن به، تفصح عن وعي غامض أو معنى غامض محتفظة له بكامل حقيقته الغامضة، دون أن يكون قابلا ضرورة للترجمة النثريّة؛ فإنّ «الشعر على الشعر» يتيح للشّاعر أن «يتنصل» من موضوع قصيدته أو من غرضها الرّئيس، إلى حين، وأن يوسّع المسافة بينه وبين خطابه، وكأنّ صوته صوت ثان، أو كأنّ الشّاعر في حالة حلم فاعل يراقب كلماته وهي تتدافع وتتجاذب وتتشكّل في أبنية وأنساق و«تتكلّم» على إثر ما تقوله اللّغة بصوت خفيض أو بصمت أقلّ. فهذا خطاب «موضوعانيّ» وهذه الذات قطعا، هي غير الذات التي يعيشها الشّاعر في واقعه أو في مجتمعه، ولا هي ذات المخاطِب في غرض مثل المدح أو الفخر الذي يتّسع أكثر من الأغراض الأخرى لهذا الخطاب الواصف أو «الشعر على الشعر».
ومن ثمّة فإنّ شعريّة هذا الخطاب تعلق بـ«شكل المعنى» معنى الشّعر لا بالمعنى الشّعري في ذاته أو لذاته. والشّاعر في أبي تمّام أو المتنبّي قديما، أو في أدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش، ما لم نبرح هذا الخطاب، هو «الباحث الدارس» والمستبصر المتأمّل، يهيب به عقل واع ويملي عليه فكر يقظ ، وإن بأدوات الشّعر وطرائقه المخصوصة. وكأنّه بهذا الصّنيع، يحرّر الشّعر من الشّعر، ليبني وجوده في كونه الخاصّ. في سياق كهذا، يمكن أن نعيد تصنيف «المحدث» قديما و«الحديث» حديثا.
والأمر من هذا المنظور، يعدو مجرّد إدلال بقدرة شعريّة وفحولة في النّظم وفخر بالصّنعة، إلى رغبة «خفيّة» في مضاهاة النصّ الدّيني «المعجز» عند القدماء. من ذلك ما ينسب إلى بعض شعراء القرن الثّاني للهجرة، من الذين قاسوا شعرهم بالقرآن؛ فقد روى أبو الفرج أنّ بشّار بن برد فضّل بعض شعره على سورة الحشر، وأنّ أبا العتاهية قال لبعض أصحابه: «قرأت البارحة «عمّ يتساءلون» ثمّ قلت قصيدة أحسن منها». فلا غرابة إذن أن يشج أبو تمّام مثلا شعره بالقرآن؛ ويجترح في أكثر من قصيدة أصلا من أصوله وطقسا من طقوسه، بما يجعل قصيدته تحمل في مطاويها إيمانا ما بسلطة الكلمة المطلقة، ونزوعا «دينيا» أو ميتافيزيقيّا إلى التجرّد من رقّ الزّمان والمكان، وتبعث في القارئ تصديقا أعمى بأنّ الشّعر مضاهاة « للنصّ» من الشّيء أي منتهاه، أو هو حدث الشّعر ذاته، لا يستنفذ في معنى ولا يستوفى، لأنّه ناتج المعنى، وتجعل الشّعر أشدّ تراخيا في الاستقبال، وأشدّ تراخيا في القدم، في آن.
وفي هذا ما يفسّر إلى حدّ ما عتاقة اللغة وحداثتها معا في «شعر المعاني» عند الذين وُسم نصّهم بـ«الغرابة» وهم في المدوّنة النقديّة القديمة: أبو تمّام والبحتري والمتنبّي، مثلما يرجع إلى شكل شعريّ محكوم إيقاعا، بكثير من التّوازن والتّناسب، وبكثير من الحذف والإضمار والإيجاز، وربّما بغرابة مستبهمة تترامى من أكثر من ناحية من نواحي الاستقبال والقدم. وفي كليهما غموض لا ينضب، يجعل حال الكتابة كما يؤدّي عنه «الشعر على الشعر»، يتحصّل من زمنين متباعدين متراخيين، أو هو يملأ الفجوات القائمة بينهما. فلسنا نخشى الشّطط إذا قلنا إنّ الذات تعيش، بهذا الخطاب، نصّها كتابة، أكثر ممّا تعيش فيه واقعا، وخلصنا إلى أنّ الشّاعر يتخذ من» الخطاب الواصف» دلالة على صحّة مفارقة شعره لسائر الشّعر، فيفرد في أكثر من قصيدة مكانا، للكلام على نظمه «المعجز» وبيانه بالقلم حينا، وباللّسان حينا، ويمزج الاحتجاج لبلاغة قصيدته بالاحتجاج لما فيها من أبكار المعاني والقوافي.
أمّا عند المعاصرين الذين ذكرتهم، فمردّ الشعر على الشعر، إلى «ظلّ» الآخر أو ما أسمّيه على قلق العبارة «المعجز الشعري الغربي»، ولا أظنّ أن هناك من ينكر مدى أثره في الشعريّة العربيّة الحديثة، منذ الثلث الأوّل من القرن الماضي؛ فقد أحدث انقلابا كبيرا؛ إلى حدّ أنّ تلك الصلات المعقودة بين نصوص شعراء مثل أدونيس والسيّاب والبيّاتي وصلاح عبد الصبور وسعدي يوسف ومحمود درويش وغيرهم، والموروث الشعري انقطعت في أكثر مجاميعهم؛ إذ تسرّبت إليها أمشاج من «الرمزيّة» و«الواقعيّة الاشتراكيّة» و«الدادائيّة» و«السرياليّة»… وأخذ هؤلاء ينزعون إلى تحرير الخيال من ربقة العقل الواعي والمنطق المترابط، وإلى إنشاء لغة حلميّة في «غرابة» تختلف عميقا عن تلك التي وُسِم بها «شعر المعاني» قديما.
فقد كان للصّورة حيث يجرى السّمع والبصر في جدليّة واحدة، من سيولة الإيقاع أو ماء الشّعر بعبارتهم ما يجعلها قادرة على أن تجاري الرّؤية في سيولتها؛ فلا الإشارة تنفصل عن الصّوت ولا الصّوت ينفصل عن الشّيء المرئيّ. والصّورة بهذا المعنى لا تعدو كونها ظلاّ للأشياء، ودليلا على واقع شاخص ماثل للعيان، وعلامة على طريقة المعنى. وهذا ما جعلهم يشترطون في إجراء الاستعارة، قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصليّ. ذلك أنّ القرينة أشبه بعلامة تنصب حتّى يُهتدَى بها إلى المعنى المضمر ويستدلّ، برغم أنّ غياب القرينة ليس قرينة غياب أي غياب المعنى المجازيّ في شتّى الاستعمالات الرّاجعة إلى ما نسمّيه «شعريّة اللّغة»؛ وما نخال أثر هذه الشّعريّة في لغة مثل العربيّة إلاّ حاسما في إنشائيّة الخطاب. ومن ثمّة لم يكن بالمستغرب أن يناط بالصّورة تمثيل المعنى تمثيلا حسّيّا، ما دامت وظيفتها من وظيفة المنطوق الذي يتمثل مقصدا تواصليّا أو هو يرجع بالقارئ إلى الحضور التّواصلي.
وبالرّغم من أنّ الشّعر الذي نحن فيه، شعر مكتوب، فإنّ ذلك لم يكن ليغيّر كثيرا من نمط إدراكهم وتمثّلهم؛ فقد استقرّ لديهم أنّ الكلمة المكتوبة إن هي إلاّ تسجيل للكلمة المنطوقة وبديل عنها؛ وليست شيئا في حدّ ذاتها. والقول إنّ الكتابة تابعة للكلام مشتقّة منه، قد لا يجعل منها أكثر من مجرّد تصوير لأصل. وربّما تعزّز هذا الأصل في هذه العربيّة «الفنّية» لغة الشعر والقرآن التي لم تنقطع عن أصولها الأولى؛ وإنّما ظلّت في أكثر استعمالاتها الأدبيّة تصل الأصل بفروعه، والفروع بأصولها؛ حيث حركة المكتوب المرئيّ من حركة المنطوق المسموع. فهو لا يكشف عن نفسه ولا يسفر للعيان إلاّ إنشادا (الشّعر) أو تلاوة (القرآن). فإذا كانوا قد أجمعوا على أنّ وظيفة الصّورة هي تمثيل المعنى تمثيلا حسّيّا وتقريبه، فقد لا يكون مردّ ذلك إلى شيوع التّشبيه في الشّعر القديم وحفاوتهم به؛ وإنّما إلى أثر «الشّفهيّة» في نظريّة الشّعر عندهم. وهي شفهيّة عزّزها إنشاد الشّعر من حيث هو أداء شفهيّ يوحّد بين سمع وبصر مثلما يوحّد بين مرسل ومتلقّ، بحيث لم تكن الكلمات لتشكّل رسالة ما لم تكن تسمع وترى. ففي هذا الأداء حيث يعزّز التّماثل الصّوتيّ كثافة اللّغة ويجذب الاهتمام إلى الخصائص الشّكليّة، وينهض الإيقاع اللفظيّ بوظيفة مشابهة ويدفع باتّجاه الرّسالة ذاتها، يمكن أن نحيط بالأسباب التي جعلتهم ينيطون بالصّورة وظيفة التّمثيل والنّقل.
ذلك أنّ هذا الأداء لا يمكن إلاّ أن يتّسم بحضور المتكلّم والمخاطب والمعنى في آن. على حين لا تتوفّر في الأداء الكتابيّ جميع عناصر الاتّصال من سياق ومرسل ومتلقّ، إذ ليس ثمّة إلاّ الرّسالة من حيث الصّيغة اللّفظيّة أو الشّكل اللّفظيّ، وليست المعنى. فالكتابة نفسها ضرب من تغريب المألوف أو ما يعتقد أنّه الطبيعيّ في حال المنطوق. وهي لا تقوم على غياب المتكلّم والمخاطب فحسب، حتى وهي تقلب السّمع بصرا باعتبارها نظاما من العلامات البصريّة التي تتحدّد دقّة الكلمات بواسطتها. ولكنّه نظام خاصّ يجعل الكلمة «شيئا» أكثر منه «حدثا» ويفصل العارف عن المعروف والمتكلّم (المنشئ) عن السّامع (القارئ). وفيه يصنع المعنى أو هو يتعيّن من حيث هو «معنى بالقوّة» وبخاصّة في النصّ «المشكل» حيث الوظيفة الجماليّة هي العنصر السّائد، والكلمة تستخدم بذاتها ولذاتها؛ وليس بطريقة مرجعيّة محض، أو هي تتحرّر من أسر تاريخ استعمالاتها. فلعلّ منظور «الشاعر قارئًا» أن يسلّط بعض الضوء على غرابة «شعر المعاني» قديما وحديثا، في ثقافة لم تستقرّ بعد.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية