ثمّة ظاهرة في الثقافة الإسلاميّة، لا أظنّها تخفى؛ بدأت تنتشر على نحو غير مألوف، بفضل وسائل الاتصال الجماهيريّة، وخاصّة الراديو والتلفزيون والفايسبوك ومتعلّقاته مثل الفيديوهات؛ وهي هذه القصص والخطب ‘الدينيّة’ المسيّسة المتشنّجة التي يلقيها أفراد ينعتون أنفسهم بالدّعاة أو الأئمّة أو الخطباء أو الشيوخ. وربّما لاح الأمر عاديا أو لا غرابة فيه، فنحن العرب على تفاوت مجتمعاتنا وتباينها ثقافة وحضارة، نعيش عصر مشادّة وقلق، بل دمار نفسي وفكري، قد لا نشفى منه قريبا. وهو مروّع حقا، لم تسلم منه أيّ من هذه المنظومات الثلاث: التعليميّة والثقافيّة والدينيّة.
بل لعلّ الدمار يلوح في ‘الدينيّة’ أشدّ فتكا. بل ربّما لا غرابة أن يخطب أحدهم ناقما متسخّطا، وقد بدأت هيبة الدولة تذهب، وقوّتها تنضب؛ فيدعو إلى الغزو والجهاد وسفك الدم، بذرائع دينيّة واهية وقصص متهافتة. فلا شيء عند هؤلاء الدعاة الأئمّة الخطباء القُصّاص، من سلاسة الطباع واستقرار النفس وهدوء الذهن؛ ممّا عهدناه في علماء الدين التونسيّين لحما ودما مثل الفاضل بن عاشور، أو من وضوح المنهج وقوّة المنطق وحسن الفهم. على أنّ ما يعنيني في هذه الفسحة، جانب القصّ عند هؤلاء من الوافدين إلى عالم السياسة ـ وقد ذهب في ظنّهم أنّ ما يُسمّى بـ ‘الإسلام السياسي’ الذي يعادي الفكر الحديث ويرفض المنهج النقدي التاريخي في التفسير، شأنه شأن الأصوليّة البروتستانتيّة الإنجيليّة، يعيش عصر اكتمال قوّته وريعان عزّته، فيما هو ينهي نفسه بنفسه على نحو ما نرى؛ في إعادة تصوير الماضي وكأنّه عصرنا الذهبي او مستقبلنا المنشود.
الحقّ أنّ هذا النشاط الديني القصصي قديم في ثقافة العرب. بل هو يضرب بجذوره في ثقافة ما قبل الإسلام. وفي سيرة ابن هشام وغيرها، أكثر من إشارة إلى القَصّاص الذي يروي قِصص الأمم القديمة البائدة وتاريخ ملوكها.بيد أنّ القصّ، لم يصبح له شأن إلاّ في العهد الأموي الأوّل على نحو ما فصّلت فيه القول الباحثة المصريّة الراحلة ألفت كمال الروبي في كتاب صغير الحجم، ولكنّه في غاية الأهمية، وسمته بـ ‘الموقف من القصّ في تراثنا النقدي’. وقد أهدتني نسخة منه خلال زيارة قديمة إلى القاهرة. وفي هذا الكتاب تشير الباحثة إلى أنّ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من نصّب قاصّا رسميّا له، هو سُليم بن عِتر التجيبي، وحرص على أن يجمع بين القصّ والقضاء.
هذا النشاط القصصي الديني الذي ينهض به اليوم الدعاة والوعاظ، سواء في المساجد أو عبر وسائل الاتصال، وخاصّة الإنترنيت؛ قديم إذاً في ثقافة العرب المسلمين. لكن لم يكن يُسمح للقصّاص ـ وبعضهم كان يجمع إلى مهنة القَصَصِ مهنة القضاء ـ بمباشرة عمله في المساجد، إلاّ بإذن من ذوي السلطان، أي الخليفة أو الوالي.
وربما كان الدافع إلى ذلك احتواء الدولة للقَصص، خاصّة أنّ هذا النوع من السرد ممّا كان القدماء أو العوامّ، يأخذون به على أنّه حقيقة، وهو الذي التبس عند أكثرهم بالتاريخ. وربّما لا غرابة في ذلك، فالسرد ينزع عادة إلى الإيهام بالواقع.
بغضّ النّظر عن هذا التّأويل، فإنّه قد لا يجوز التّغاضي عن القيمة الجماليّة لهذه القصص. فهي ليست مجرّد حكايات أو خرافات ونوادر؛ وإنّما هي تحقّق خصوصيّتها بواسطة الأداء والإيقاع. وأقصد ها هنا إيقاع النثر، أو وبواسطة الالتجاء إلى شكل مُطقَّس وشبه موسيقيّ حيث يتمّ تنزيل الكلمة منزلة أرقى من اللّغة العادية. وباختصار فإنّ هذه القصص إنّما صُنعتْ لها، عند العرب المسلمين، قدسيّة خاصّة بها.
وهذا لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات. من ذلك، مثلا، هل تقتضي القصّة’الدينيّة’ بالضّرورة استحضارا للعجيب على نحو ما نجد في أكثرها. من ذلك هذا النصّ الذي رواه ابن الجوزي في ‘القصّاص والمذكرين’ عن أحد شيوخه وهو الفقيه الحنبلي علي بن عقيل. وهو حوار بين الذات الإلهيّة وشخوص الأنبياء موسى ومحمّد ونوح ويعقوب.
‘قال ابن عقيل: أخذ بعض الوعّاظ الأعاجم يقول: يا موسى من تريد؟ قال: أخي هارون. يا محمّد من تريد؟ قال: عمّي وأمّي. يا نوح من تريد؟ قال: ابني. يا يعقوب من تريد؟ قال: يوسف. ثمّ قال [الذات الإلهيّة]: كلّكم يريد منّي؟ أين من يريدني؟ ثمّ احتدّ [القصاصّ] وصكّ الكرسي صكّة، وقال: يا قارئ، اقرأ (يريدون وجهه)؛ فقرأ القارئ. وضجّ الناس وصعق القوم وخرقت ثياب قوم بشعبذة ذاك. فاعتقد قوم أنّ ما ذكره لباب الحقّ وعين العلم.’
أو في هذا النص المنقول عن ابن قتيبة، في وصف بعض مُتع الجنّة، وهو عنده ممّا يدخله الشوب [أي ما خلطته بغيره]، والفساد، من أكثر من وجه. قال ‘فإذا ذكر الجنّة، قال فيها الحوراء من مسك أو زعفران، وعجيزتها ميل في ميل. ويبوّئ الله تعالى وليّه قصرا من لؤلؤة بيضاء، فيه سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون الف قبّة، في كلّ قبّة سبعون ألف فراش. على كلّ فراش، سبعون الف كذا…’ ومردّ وجوه فساد هذا النمط من القَصَص عند ابن قتيبة، إلى الزنادقة الذين يدسّون الأحاديث والقصص المستشنعة والمستحيلة، وإلى استمالة العوام الذين يصدّقون الغريب والأكاذيب؛ على نحو ما نرى في مجتمعنا التونسي بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011.
يقول: ‘ومن شأن العوامّ، القعودُ عند القاصّ؛ ما كان حديثه عجيبا، خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستفزر العيون.’
ومع ذلك فإنّ كثيرا من هذه القِصص لا يتردّد في تقديم مساخر العوامّ أو الجهلة الممسوخين في عالم اضطربت قيمه ومثله. ولذلك نقف فيها على المضحك والغريب وكل ما هو متنافر في تجسيد بعض الشخصيّات. وعليه فلا غرابة أن ينزع الخطاب فيها إلى الكلام الشّفهيّ (المحكي) والسخرية والطّرفة الشائعة. من ذلك هذا النص الساخر المنقول عن ابن الجوزي:’ رُويَ أنّ العتابي رٌئِيَ يأكل خبزاعلى الطريق بباب الشام، فقيل له: ويحك أما تستحي؟ فأجاب: أرأيتَ لو كنّا في دار فيها بقر، أكنتَ تحتشم أن تأكل؟ وهي تراك؟ فقيل: لا. قال: فاصبرْ حتى أعلمك أنهم بقر. فقام [العتابي] فوعظ وقصّ حتى كثر الزحام عليه؛ ثمّ قال لهم: رُوِيَ لنا من غير وجه أنّ من بلغ لسانه أرنبة أنفه، لم يدخل النار. قال: فما بقي منهم أحد إلاّ أخرج لسانه يومئ به نحو أرنبته، ويقدّره هل يبلغها. فلمّا تفرّقوا، قال العتابي: ألم أخبرك أنّهم بقر؟’
‘ ‘ ‘
لعلّ أكثر ما يسترعي الانتباه في تعليق هؤلاء الأسلاف الذين حفظوا لنا هذه القصص، إشارتهم إلى أنّ هذه القصص لا تأخذ إلاّ بلبّ ‘الجهّال من العوامّ الذين هم في عداد البهائم. فلا ينكرون يقولون: قال العالم. فالعالم عند العوامّ من صعد المنبر’ بعبارة ابن الجوزي؛ أو قول التوحيدي حين طُلب منه أن يشتغل بالقصّ. قال: ‘إنّ التصدّي للعامّة خُلوقة، وطلب الرفعة بينهم ضعة، والتشبّه بهم نقيصة. وما تعرّض لهم أحد إلاّ اعطاهم من نفسه وعلمه وعقله ولوثته ونفاقه وريائه أكثر ممّا يأخذ منهم… وليس يقف على القاصّ إلاّ أحد ثلاثة: إمّا رجل أبلهُ فهو لا يدري ما يخرج من أمذ دماغه. وإمّا رجل عاقل يزدريه لتعرّضه لجهل الجهّال. وإمّا له نسبه إلى الخاصّة من وجه وإلى العامّة من وجه…’ والحق أنّ مفهوم العوامّ قد لا يخلو من بعض لبس، ولعل الجاحظ هو الذي حدّه حدّا سائغا مقبولا، في ‘ البيان والتبيين’؛ إذ ربطه بالخواصّ، على أساس من معيارين كما تقول إلفت الروبي، هما المعيار الثقافي والمعيار الاجتماعي. يقول الجاحظ: ‘ وإذا سمعتموني أذكر العوامّ، فإنّي لست أعني الفلاحين والحشوة والصناع والباعة. ولست أعني ايضا الأكراد في الجبال وسكّان الجزائر من البحار. ولست أعني من الأمم مثل الببر والطيلسان. وأمّا العوامّ من أهل ملّتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم؛ ولم يبلغوا منزلة الخاصّة منّا’.
‘ ‘ ‘
كان هؤلاء الرواة يؤدّون قصصهم، بهيئة مسرحيّة مخصوصة (حركات تمثيليّة وصبغ الوجه بالزيت والكمون وتمزيق الثياب والاستعانة بالنساء…)، على نحو ما نرى اليوم عند كثير من الدعاة والوعّاظ والقُصّاص.. بل عند بعض أعضاء المجلس التأسيسي في تونس. ومثال ذلك المشهد المسرحي البائس الذي رأيناه، بعد المصادقة على ‘منع التكفير’؛ فهو يذكّر بما يرويه قدماء العرب عن ‘القصّاصين’ في المساجد أو في مجالسهم. ومثاله ما ساقه ابن الجوزي في ‘كتاب القُصّاص والمذكّرين’: ‘كنّا نأتي مجلس صلح المرّي، نحضره وهو يقصّ. وكان إذا أخذ في قصصه، كأنّه رجل مذعور؛ يفزعك أمره من حزنه وكثرة بكائه؛ كأنّه ثكلى…’ وكان منهم، أي هؤلاء القصّاصين، من يقوم بحركات تمثيليّة، فيعمد إلى إخفاء وجهه، وهو يرتعد، أو يمزّق ثيابه، ويلقي بنفسه من أعلى المنبر، أو هو يضع على عينيه نوعا من الأفاويه الحارّة التي تُسيل الدمع. وكان بعضهم ـ كما ذكرت صديقتنا الباحثة المصريّة الراحلة ألفت الروبي ـ يُلبس المنبر خِرَقا ملوّنة، ويعلّق المُصلّى عل الحائط، ويتزيّن هو بالثياب، ويكثر من الحركات والإشارات التي تستميل النساء. وكان بعضهم يتّخذ الكراسي المرتفعة كما هو الأمر في المجلس التأسيسي، في إشارة دالّة إلى علوّ مكانته.
كلّ هذا من أجل ‘منع التكفير’ في بلد مثل تونس عُرف بسماحة أهله، وإسلامهم المعتدل. ومهما يكن فكلمة ‘تحجير’ التي تمّ حذفها، غير دقيقة. فقد جاء في لسان العرب: حَجّرَ القمر: صارتْ حوله دائرة. وحجّر الطين: تصلّب وصار كالحجر. وتحجّر الرجلُ: اتخذ حجرة. وتحجّرَ على فلان: ضيّق عليه. وأمّا’ الحجْرُ’ فهو المنع طلقا. وعليه فإنّ صياغة الفصل السادس، باستبدال ‘منْع’ بـ ‘تحجير’، لا يغيّر لغةً شيئا؛ بل يحتفظ للنصّ الأول بكامل معناه ودلالته، وهو منع التكفير منعا مطلقا.
‘ أستاذ التعليم العالي بجامعة سوسة ـ تونس