كيف لنا أن نستأنس في قراءة أدبنا العربي بشتّى أجناسه وأنواعه وهي التي لا يزال مدارها على الشعر (القصيدة) والنثر (الرواية) إذ تكاد القصّة القصيرة تغيب من المشهد شأنها شأن المسرحيّة، بهذا المصطلح «قويّ»؟ أقول هذا وأنا أرى إلى بعضنا يدين لجنة نوبل لإهمالها الأدب العربي الذي تكاد السوق الغربيّة لا تحفل به؛ وكأنّه أدب يضع سناريوهات موته الخاصّ، أو هو في حالة خراب، أو هو «يُهجّن» أو هو يُمسخ، وإلى الشعر وهو يبشّر بفاجعته أو نهاية الكتابة ووسواس الصمت أو دوار اللذة؟
قد يرى البعض في هذا النعت أو المصطلح «قويّ» صلة ما بمصطلح «الفحولة» في النقد العربي الأقدم مع الأصمعي في «فحولة الشعراء» وابن سلاّم في «طبقات فحول الشعراء»، وربّما سوّغ ذلك بالجذر اللغوي «فحل» الذي يدلّ على ذكارة وقوّة كما جاء في مقاييس ابن فارس، وبما استقرّ لدى هؤلاء القدماء من أنّ مردّ الفحولة إلى الاقتدار على التصرّف في أغراض الشعر؛ وبخاصّة المدح والهجاء، ورواية الشعر، والنسج على المنوال أي على أساليب العرب. ولكنّ هذا المصطلح ينطوي على «ذكوريّة» لا تخفى، إذ الفحل عندهم هو الذكر الباسل من كلّ شيء. وهذا لا يناسب في شيء مصطلح «قويّ» الذي مداره على النصّ من حيث هو خطاب. وهذا المصطلح الوافد على الأدب، يمكن أن يكتنه في جانب منه، من منظور علم اجتماع الثقافة؛ أي من حيث هو استعارة للانقسامات الاجتماعيّة أو الطبقيّة وكناية عنها، شأنه شأنه مصطلحات أخرى غير قليلة مثل «الذوق» و«الجميل»؛ كما هو الحال في كلامنا على الذوق «العام» للطبقات العاملة أو «الادّعاءات الجماليّة» للبرجوازيّة الصغيرة.
وأرى استئناسا بقراءاتي أنّ الطريقة في تقييم «النصّ القويّ» ترجع إلى الأثر الأدبي مثلما ترجع إلى متلقّيه أو متقبّله، وإلى مؤثّرات النظام الاجتماعي والثقافي؛ فيكون الحكم أو هذا النعت دليلا على الموقف الرمزي وما يتعلّق به من فكرة الشرعيّة الثقافيّة أو الأدبيّة. وعليه فإنّ ما يربط بين الحكم على «القويّ» والأثر، ليس بعدا من أبعاد التجربة الجمالية فحسب؛ فتقدير جداريّة فائق حسن مثلا وقصيدة سعدي يوسف، أو «لاعب النرد» لمحمود درويش، أو «الصقر» لأدونيس، يعيد النقد إلى عالم تكون فيه الأشياء فنيّة لا لجمالها وقد يكون نسبيّا؛ وإنّما لقوّتها لغة وبنية وصورة؛ وأقصد اللغة الماديّة أي استعمالُ الاسم الجامد لا المشتق، ويقسّمه النحاة إلى أسماء ذوات أي أشياء محسوسة، وأسماء معان مجرّدة أو غير محسوسة. وأما «الاسم المشتق» أو «السائل» عند بعضهم؛ وهي في تقديري تسمية لطيفة، فيها ما فيها من ماء الشعر وسيولته، فالمقصود به الأسماء المأخوذة من غيرها. والأول هو الأصل أو معنى الكلمة الأصلي، والثاني هو الفرع أو معنى الكلمة الزائد.
ويضاف إلى ذلك الحذف والإضمار والإقلال من الفَضْلة، بقرائن وسند من النصّ، والعلاقة مع الطبيعة، ومع «أنا» أو مع «الذات». وذلك بمنأى عن التهويمات الاستعاريّة التي تفسد الشعر والرواية؛ وتحوّلهما إلى نوع من «الكيتش» والأزهار البلاستيكيّة، عند كثير اليوم، من الذين لا دراية لهم بلطائف العربيّة وإيقاعاتها المخصوصة. وفي اللوحة تردّ القوّة إلى اللون وفروقه وظلاله الخفيّة وتدرّجاته، وإلى التباين، والألوان المعبّرة، أو الواقعيّة، أو الرمزيّة أو الدافئة أو الباردة الباهتة أو الزاهية؛ مثلما تردّ إلى مادّة الصورة وما هو سميك أو ناعم أو خشن أوسائل أو شفيف… ومن هذا المنظور يتلافى القارئ ما يسمّى بـ «الذوق العام» الذي يختزل عادة في العنوان أو اسم المؤلف وشهرته، أو نوع أدبيّ بعينه؛ ويغدو العمل الأدبي أكثر من كونه بنية سيميائيّة معقّدة، ولكن من حيث هو رمز لقوّة الكتابة أو الكتابة القويّة. على أنّه ثمّة صعوبات لا شكّ يواجهها القارئ وهو يشحذ أدواته من أجل فهم التجربة الجمالية في سياق قوّتها. فهو في مقام أوّل، قد لا يعرف كيف يعقد وشائج القربى بين العمل الأدبي من حيث هو بنية سيميائية والتأثيرات التي ينتجها. وفي مقام ثانٍ فإنّ القول عن العمل إنّه «جميل» أو «ممتع» أو «مفيد» أو «متناغم»؛ أو تأكيد العكس لا يخبرنا شيئًا ولا يفيدنا شيئا عنه، إذ لا يعدو الأمر أكثر من تقدير إيجابي أو سلبي. بل يمكن لقارئين استخدام الأسانيد نفسها في الموقف من العمل الأدبي نفسه، دون أن يكونا قد صدرا عن الإحساس نفسه.
أمّا «إغفال» أدبنا في السوق الأدبيّة العالميّة، بالرغم من حصول نجيب محفوظ على نوبل، وبعض ما ترجم من شعر ورواية، فقد يردّ إلى ضمور هذه «القوّة» فيه أو ضعفها. أقول هذا بالرغم من أنّ من الغربيّين من كان ينادي بقيام «دوليّة فكريّة» مثل الكاتب الفرنسي فاليري لاربو، في كتابه «في حماية القدّيس جيروم»؛ وبالعمل من أجل «نقد أدبيّ دوليّ»، كما تقول باسكال كازنوفا في كتابها «جمهوريّة الآداب العالميّة». فثمّة آخرون استشرفوا هذا الأفق وهمْ يتدارسون مختلف الأسباب العلميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي يمكن أن تتحكّم في تطوّر العالم الأدبي، وتهيئة الحاضر للمستقبل. وقد كان الألماني جوته سبّاقا في الدعوة إلى «سوق [أدبيّة] تُعرض فيها كلّ الأمم سلعها». ولعلّ الشاعر الفرنسي بول فاليري هو خير من أفصح عن هذه الرؤية، منذ الثلاثينات من القرن الماضي، باصطلاحات اقتصاديّة مثيرة. فهو لم يتردّد في استعمال هذا التركيب بالنعت «اقتصاد فكريّ» وفي التوسّل بـ«لغة البورصة» على غرابتها في سياق الكلام على الأدب والفكر عامّة إذ يتعلّق الأمر لديه بتثمين القيمة وتقديرها. يقول: «قد يلوح من الغرابة بمكان، استخدام هذه اللغة في توصيف العلاقات الفكريّة؛ على أنّي أجدها أدلّ على علاقات من هذا النوع. ومردُّ ذلك إلى أنّنا حين نفكّر في الاقتصاد الفكريّ نجده شأنه شأن الاقتصاد المادّيّ يُختزلُ في صراع على القيم المثمّنة… فمثلما هناك قيمة بترول وقيمة قمح وقيمة ذهب، هناك بالتأكيد قيمة نطلق عليها كلمة «فكر» أو «أدب». وأنا أقول قيمة، لأنّ الأمر يتعلّق بالمصلحة تقديرا وحكما، مثلما هو يتعلّق بالمساومة حول الثمن الذي نقبل به…». ويضيف أنّه بميسورنا مراقبة هذه القيمة صعودا أو هبوطا في «جدول الصرف» وسعره، وفي منافستها لقيم أخرى في سوق الأعمال الإنسانيّة الكبير. والحضارة رأسمال يمكن الاستثمار فيه، وزيادته في كلّ عصر، شأنها شأن رؤوس الأموال والفوائد المستنفع بها. والأدب ثروة مثل أيّة ثروة طبيعيّة أخرى، ينهض رأسمالها على قواعد ينبغي العمل على إرسائها تدريجيّا في العقول.
ومن هذه القواعد التي لا يمكن إغفالها كلّما تعلّق الأمر بـ«رأس المال الأدبي»، الشرعيّة والمرجعيّة، والكتابة القويّة من حيث هي نظام رمزيّ من العلامات البصرية مثلما هي نظام من العلامات السّمعيّة إذ يجاهد الإيقاع اختزال الكلمة في «شيء» أو «أيقونة»، فهي شيء وحدث. ويصعب أن نتخيّل أيّ إمكان للفصل بينهما، في ثقافة لم يتخلّ فيها الشاعر قطّ عن تقاليد الإنشاد، ولا العالم أو القارئ عن قراءة النّص المكتوب الذي يحمل قيمة بصوت جهوريّ عال (النّص الدّينيّ مثلا: القرآن ومزامير داوود ونشيد الأنشاد).
فلا غرابة أن كانت الغلبة في هذه الكتابة تترجّح في النص، فقد تكون مرّة للسمع، وتارة للبصر. وسواء كانت الغلبة لهذا أو لذاك، فإنّها كتابة لا تقوم بنفسها مستقلّة عن العالم الثقافيّ الذي تنضوي إليه، ولا عن التقليد الأدبي الذي تقتضيه. ولذلك نقرأ درويش وحجازي وأدونيس وسعدي، ونستمع إليهم أيضا، حيث الشعر في جانب منه هو لذّة الأذن ومتعة السمع؛ أي هو إنشاء على قدر ما هو إنشاد.
وهذا ممّا يستدعي قراءة المتغيّرات في ضوء النّص منظورا فيه من جهة بنائه أو تركيبه اللغويّ، وفي ضوء الخطاب من حيث هو النّصّ منظورا فيه من جهة شروط إنتاجه. وهذا مفهوم نأنس إليه، لاحتفائه بمظاهر القول أو «التّلفّظ» من جهة، ولأنه يتيح لنا أن نباشر صناعة الشعر من حيث هي خطاب «قلق» في ذاته وفي مراتب تقبلّه، من جهة أخرى. أي أنّ قوّته ليست قوّة خالصة، ولا هي وقف على استقلال ذات متكلّمة تؤدّي اللغة بحرّية مطلقة. فالكلام من حيث هو أداء لغويّ ذاتيّ، خطاب اجتماعيّ سواء امتثل لعمل اللّغة التّعاقديّ أو لم يمتثل. والمقول (الملفوظ) الأدبيّ، مهما تكن أصالته أو غرابته، إنّما يتأدّى من تلقاء نفسه، على تأليفات قائمة، مثلما هو يتمايز عنها في ذات الآن. وفي سياق كهذا يمكن أن نتقصّى خصائص «الكتابة القويّة»، وأن نقف على الإكراهات التي تَعُوق انتشار آدابنا في السوق العالميّة.
*كاتب من تونس