في المدينة حيث حلّت أيضا «سفر برلك»

حجم الخط
0

■ تعرّض الشاب ذيب، فيما كان يرعى قطيعه الصغير، إلى الاختطاف من مجموعة لصوص. سريعا ما جرى ترويضه بالركل واللكم ليرضخ إلى أنه قد بات عبدا سيعرض للبيع. كان عليه أن يتحمل مشاق الطريق أيضا إلى المدينة، التي يقام فيها سوق العبيد، والقسوة الفظيعة لخاطفيه الذين لم يتورّعوا عن أن يقتلوا بدم بارد طفلا صغيرا كانوا قد اختطفوه أيضا. في الرواية يظهر «ذيب» أقرب إلى نسخة عربية من البطل الأسود في فيلم «12 سنة عبدا»، ذاك الذي توقّف بعد فترة من اختطافه عن أن يقول إنه رجل حرّ. حال ذيب كانت أقل فظاعة فقد كان من اشتروه، خصوصا منهم ذلك الوجيه عبد الرحمن المدني في المدينة المنورة، رحماء معه.
قال له هذا الأخير، من فور ما دفع ثمنه، إنه يعرف أنه حرّ وأنه سيكون بمثابة موظف في بيته وليس عبدا. لم يحظ سولومون نورثُب، الأسود الحر، بمثل ذلك فقد عانى طيلة سنوات استعباده، أقصى أنواع الظلم والقسوة، حتى وجد من يعينه على أن يعود حرّا من جديد.
في منزل الوجيه عاش ذيب كما لو أنه ابن أو حفيد لمالكه، أو لموظّفه، عبد الرحمن. بعد نحو سنتين من إقامته في بيته، هناك في المدينة المنورة، عادت الحياة لتنقلب عليه، بل وعلى جميع من في المدينة أيضا. في النصف الثاني من الرواية، نصير في التاريخ، بل وفي التاريخ المعروف، حيث لم يغيّر الروائي شيئا من الوقائع التي يمكن قراءتها في الوثائق المكتوبة. ذلك يبدأ من إعلان الشريف حسين الانشقاق عن السلطنة العثمانية بعد وعود تلقاها من الحلفاء بجعله ملكا على بلاد العرب. كان ردّ فخري باشا، الوالي العثماني، عنيفا على المدينة بأسرها. فعمد إلى نهبها أولا. وفي الرواية، إلى تلك الوقائع المثبتة في الكتب، ذكر للجردة التي دُوّنت فيها المنهوبات وبينها «400 قطعة شملت الأحجار الكريمة من ماس وياقوت وزمرد، والأدوات الفضية والشمعدانات والقناديل التي كانت تضيء الحجرة النبوية الشريفة. وشملت القائمة بردةَ الرسول وسيوفه».

الروائي مقبول العلوي جعل بطله شاهدا على فظاعة الحرب، وعلى نصيب المدينة المنورة من مقدماتها وآثارها. كان بطله ذيب عابرا في محطاتها ليقول عنها ما سبق أن قيل وكُتب.

وفي الرواية أن فخري باشا، الممعن في أذيّة مدينة الرسول، كان قد تلقى أمرا من الباب العالي بإخلائها، لكنه عصى ولم يستجب حتى تم تجريد المدينة من أكثر سكانها، ولم يبق مقيما فيها إلاأشخاص قليلون. كان الجنود العثمانيون يملأون عربات القطار بالرجال المساقين إلى الحرب. في الرواية هي «سفر برلك» الخاصة بالمدينة المنورة. بين الشبان الذين حملوا إلى القطار عنوة وقسرا كان ذيب، الذي علق مرة أخرى في الاختطاف.
أي أن الروائي مقبول العلوي جعل بطله شاهدا على فظاعة الحرب، وعلى نصيب المدينة المنورة من مقدماتها وآثارها. كان بطله ذيب عابرا في محطاتها ليقول عنها ما سبق أن قيل وكُتب. لا شيء يخصّه في ما روى عنها إلا وجوده فيها، واحدا من أولئك الكثيرين الذين يعجّ بازحامهم القطار الذاهب بهم إلى دمشق. وإذ لم يكشف عن شيء جديد في وقائع سفر برلك، ولم يعمد إلى ملاحظة شيء خاص به من مجرياتها، بدت بطولته للرواية مقسومة إلى نصفين، نصف لحكايته المؤلّفة حوادثها من مخيلة الكاتب ومعرفته، ونصف لإعادة تثقيف قراء الرواية حول ما كان جرى في ذلك الزمن.
ما سعى إليه الروائي مقبول العلوي هو أن يدمج بطله ذيب في ذلك التاريخ من دون أي تدخّل في وقائعه الراسخة، متّبعا سعيه هذا، واصلا به إلى ما يشبه السطور الأخيرة في الروايات وأفلام السينما، تلك التي تروي المصير الأخير لكل من الشخصيات، دمج الحقيقيين بالمتخيّلين. سواء بسواء جرت تلك السطور حول ما آل إليه مصير فخري باشا ومصير الجارية مرجانة خادمة عبد الرحمن المدني في المدينة المنورة. وقد بدا هذا الجمع بين الحقيقيين والمتخيلين، بين من هم للرواية ومن هم للتاريخ، أقرب إلى خاتمة ثانية لتلك الرواية، إذ كانت لها خاتمة أولى حظي بها الشاب ذيب بلقاء أمه بعد طول سوق وترحّل. لكن الروائي عاد وأماتها في تلك الخاتمة الثانية، ثم تبعها إلى ذلك ذيب نفسه، حيث «وافاه الأجل، فمات في 1955، ودفن في مقابر المعلاة بالقرب من الحرم المكيّ». ولا غرو أن سطور المصائر الأخيرة، مصائر ما بعد اختتام الرواية، شملت جميع الآخرين.
بدا ذلك مماثلا لما يجري في كتب الحكايات العربية وقصصها، حيث هناك خاتمتان، واحدة للنهاية السعيدة وأخرى لحلول الموت الذي لا بد سيصل إلى من سعِدوا لتوهم، الموت الذي هو «هادم اللذات ومفرّق الجماعات».
*رواية «سفر برلك» لمقبول العلوي، صدرت عن دار الساقي في 158 صفحة- 2019

٭ روائي لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية