في المغرب العربي: قرأت اسمي على صخرة

هذا النعت «المغربي» أو»المغرب العربي» يحوي دلالة مزدوجة إذ يشير إلى عرب الشمال الأفريقي من جهة، وإلى العلاقة بين العالمين: العربي الإسلامي المشرقي وقرينه المغاربي، أو ما كان يسمّى قديما «الغرب الإسلامي»؛ ويشمل بلاد المغرب أي شمال أفريقيا والأندلس من جهة أخرى. وهي علاقة «ائتلاف» عامّة، أو هكذا كانت؛ أو هكذا يحسن بنا أن نظنّ. بل إنّ هذا النعت يشير أيضا إلى اللغة الرسميّة في بلداننا. وأقدّر أنّنا نحتاج في خضمّ التغيّرات الحاصلة في بعض بلداننا مثل المغرب والجزائر حيث يعاد الاعتبار إلى اللغة الأمازيغيّة؛ إلى إعادة تأصيل هذا النعت أو هذا «المصطلح»، أو حذفه إذا لزم؛ والاقتصار على «الاتحاد المغاربي». ومهما يكن عدد هؤلاء الذين يحتفظون بهوّيّتهم الأصليّة أو بلهجاتهم، فإنّهم يظلّون أقلّ بكثير من الناطقين بالعربيّة أو اللهجات العربيّة المحلّيّة. وبلاد المغرب عرفت تاريخيّا عمليّة تعريب بطيئة؛ والأقرب إلى الحقّ أنّها تمّت مع الغزو الهلالي في القرن الخامس للهجرة (11م). وهو ما يعزّز من وجاهة الرأي القائل بأنّ الأغلبيّة من الناطقين بالعربيّة اليوم هم عرب و«أمازيغ معرّبون» كان أجدادهم في بلاد المغرب والصحراء يتكلّمون الأمازيغيّة، ثمّ تحوّلوا إلى العربيّة لأسباب لغويّة وثقافيّة معيشيّة أيضا، وليست دينيّة فحسب كما يقع في الظنّ عادة. على أنّ هناك عوامل أخرى حافظت على «التنوّع اللغوي» في بلاد المغرب الكبير، وهي جغرافيّة (عزلة المناطق الجبليّة) وديموغرافيّة (الكثافة السكانيّة) واقتصاديّة (عوامل نظام الإنتاج وامتلاك الأرض). من هذا المنظور الواصل بين زمنين: الحاضر والمستقبل؛ يمكن أن نرصد صورة «الاتحاد المغاربي»، إذا كان لا يزال اتّحادا حقّا.
أقول هذا بالرغم من أنّ المشروعيّة التي كان يأخذ بها أجدادنا وآباؤنا، وكان يوحّدهم همّ واحد؛ هو التحرّر من الاستعمار، وليس تطارح هذه التعدّديّة اللغويّة؛ لم تعد مناسبة ولا هي تفي بالمرام، لفهم مجتمعاتنا المغاربيّة اليوم؛ وهي تتحسّس الأخطار الماثلة للعيان حيث الخلاف الجزائري المغربي حول الصحراء الغربيّة، يحتدم يوما بعد يوم، ويصدع الرؤوس؛ حتى يكاد يتحوّل إلى نزيف لا ينقطع، وجرح لا يندمل. والخشية كلّ الخشية أن تدفع به «أطراف» منّا نحن المغاربيّين أو من الذين يتربّصون بهذه البلاد وثرواتها، إلى المواجهة أو الحرب.
ونحن أحوج ما نكون اليوم، إلى نوع من «الكونكوردا» أي المعاهدة أو الميثاق أو عقد التعاون المتبادل. وربّما في سياق كهذا، نفهم الشرعيّة في ماضينا القريب والأبعد؛ بل فهم «البطانة الوجدانيّة» أو «التجاذب الوجداني» الذي يحكم خطاب المغاربيّين عامّة من الكتّاب والمثقّفين خاصّة، حيث تمتزج في ذات الواحد منّا مشاعر الحبّ والكراهيّة إزاء الموضوع نفسه، أو هو يتحاشى الخوض في هذا «الخلاف»؛ حتى لا يغضب أصدقاءه من الجزائريّين أو المغربيّين. وكلّنا أو جلّنا يتساءل عن السبيل إلى «تحرير» طروحاتنا في وحدة بلاد المغرب الكبير، من الاعتقادات «المحليّة» أو «الشوفينيّة» الراسخة التي ميّزت الأجيال السابقة أو حجبت عنها؛ على ضرورة تنسيب هذا الحكم في ظلّ عودة «المكبوت القطري» عند سائر الشعوب العربيّة؛ وهو الذي يتحوّل عند طوائف غير قليلة إلى أبدال يقاس عليها، وموازين تحدّ ما يعدّونه «شططا» ديمقراطيّا، أو قوميّا. وكلّ بلد عربيّ مهموم اليوم، بضمان أمنه قبل كلّ شيء؛ أو كما يقول مثلنا التونسي «كلّ فول لاهي [مشغول] بنوّاره».
وصحيح أنّنا لسنا نتاج أنفسنا فحسب، وإنّما نحن أيضا نتاج ماضينا؛ لكنّ الماضي في نظرنا هو غيره في نظر أسلافنا، إذ ليس بيننا وبينه ما نسمّيه «حجاب المعاصرة»؛ بل هو في جانب منه محصّلة حاضرنا. وفضلا عمّا تقدّم، فإنّ دخول وسائل الإعلام في النسيج أو المكوّن الاجتماعي والثقافي ناهيك عن السياسي، والتواصل وهو اليوم كلّيّ الوجود، بل كلّيّ القدرة؛ ممّا يجعل «الحلم المغاربي» قابلا للاختراق، أو هو «عود كبريت» يمكن أن تطفئه ريح هذا الخلاف العاتية. ولعلّ ما يضاعف من الريبة «لامبالاة» نسبة من الموطنين بالشأن السياسي المغاربي، ووحدة بلداننا؛ وهم الذين تستبدّ بهم الحاجة إلى الغذاء والقوت، وتأمين الشغل القارّ. وللأسف فإنّ «الحلم المغاربي» ليس محلّ إجماع اليوم.
أقمت في ليبيا حوالي ثلاث سنوات مدرّسا للفرنسيّة في مصراطة، وزرت الجزائر مرّة واحدة عام 2005 للمشاركة في ملتقى جمعيّة الفنون، وأتيح لي منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي أن أتردّد على المغرب حيث زرت فاس والرباط والدار البيضاء ومرّاكش وطنجة وأصيلة والعرائش وبني ملال… كانت إطلالتي في كلّ هذه الزيارات التي تمثّلتها في أكثر من نصّ أكان شعرا أم نثرا؛ وكنت أكتشف في كلّ مرّة أنّ «الكونيّة» أخت «المحليّة» وأنّها قيمة إنسانيّة تتناسب وثراء الوجود وغنى الثقافة؛ لأنّها لا تلغي الاختلاف والتعدّد بل تسعى إلى إدماجهما في سياق من التناغم.
وهذا إنّما تتمثّله ثقافة المغرب، وهي مثل التونسيّة والجزائريّة، لبّ الثقافة المغاربيّة عامّة؛ بحكم البعد الأندلسي الذي عرفت هذه البلاد كيف تحتفظ به وتنمّيه وتطعّمه.
أمّا اليوم فتجري الأحداث في بلداننا في طرق غير سالكة إلاّ للذين يعرفون، وإن بتفاوت «الفضاء السياسي» الذي يصدر عنه حكّامنا؛ أي جملة الإكراهات والإجراءات المفهوميّة والمنهجيّة التي تسم نشاطا سياسيّا مختلف الأغراض متباين الرّهانات. وأقدّر، وإن كان هذا يقتضي الاستئناس بشواهد دقيقة من مواقف الساسة وبياناتهم، وهو ما لا أحبّ أن أثقل به على هذا المقال، أو خشية مثل غيري من أن أتّهم بأني نصير هذا الطرف أو ذاك؛ أنّ هناك خيطا ناظما يصل بعضها ببعض، وفيه تلتقي خواتيم خطاب هذا ببوادي ذاك. وهذا الخيط أو «النسق»، يكاد لا يفضي بنا أنّى تلفّتنا إلاّ إلى ثقافة «الاغتراب».
و»الاغتراب» الذي يكابده المثقّف «المغاربي» اليوم، صار أقرب ما يكون إلى «حياة مشوّهة»؛ وليس عالم خصوبة، بل هو جدب روحيّ؛ إلاّ عند قلّة قليلة استطاعت أن تجعل منه مجال إبداع يحقّق تلك المعادلة الصعبة بين الكاتب المثقّف الذي «ينقطع» عن المجموعة، ويبقى فيها، وهو يترجّح بين مضايق العبارة وسمت الأحداث.
وقد يكون هذا الاغتراب أشبه بـ«استئصال جراحيّ». والاستئصال هو نوع من البتر أو القطع قبل الإتمام؛ على قدر ما هو جدل بين الداخل والخارج، والاعتزال والالتزام، والذاكرة والنسيان، والارتيابيّة والنزعة الإنسانيّة، والمألوف والغرابة، وعطفات التاريخ وثناياه، وضياع المكان فالعودة إليه، أو المصالحة معه إلى أجل غير مسمّى؛ أو الانعطاف على الكتابة «الذاتويّة».
على أنّ هذا كلّه قد يقوّي الذاكرة، فلا ينقطع من المكان الأوّل أو»أوّل منزل» أثره في المغترب، إذ يتعهّد ذاتيّة مخصوصة قد تتّخذ هيئة من تساؤلات النقد الذاتي، وهو يتفحّص منجزه ومنجز المبدعين الذين يدرسهم (كتابات صديقنا واسيني الأعرج في «القدس العربي»)؛ حتى صارت حاله أشبه بـ«تعريق النبتة» كلّما امتدّت عروقها في الأرض؛ فهي إنّما الأصل الذي يذهب سفْلا، ومنه تتشعّب العروق.
اغترابنا اليوم «مباعدة» أي «هجرة داخليّة» و«موقف معطّل» أو هو «معلّق». وكلّنا اليوم يستنبت نصّه في تربة ثقافته: التونسي في «تونسته» والجزائري في «جزائريته» والليبي في «ليبيّته» والمغربي في «مغربيّته» والموريتاني في «موريتانيته»؛ وكلّ تفيض كتاباته عن هذه الميثولوجيا؛ حتى لو كان المثقّف الذي لا يكفّ عن مقاومة التزمّت بشتى أشكاله، من أجل الاحتفاء بتعقّد الهويّة وتعدّدها، وكرم ضيافتها.
ولكن مهما يكن من أمر مرجعيّات هذه المسألة فلا غنى عن الانطلاق من السّؤال: بأيّ معنى نراهن اليوم على «الوحدة»؟
على أنّ التصدّي لهذا السّؤال قد يضطرّنا إلى استنطاق «الأدب المغاربي» من حيث هو «الوثيقة» نفسها لا صدقيّة نسبها، وإنّما مقصدها؛ فليْست الحقيقة في ما تقوله الوثيقة علنا، وإنّما هي ثاوية فيها تنتظر تدخّل القارئ/ الكاتب. وحاله اليوم من حال «المغاربي» الواقف على قبره في قصيدة بدر: «قرأت اسمي على صخرة/ هنا في وحشة الصحراء/ على آجرّة حمراء/ على قبر فكيف يحسّ إنسان يرى قبره/ يراه وإنّه ليحار فيه/ أحيّ هو أم ميْت؟ فما يكفيه/ أن يلقى له ظلاّ على الرمال/ كمئذنة معفّرة/ كمقبرة/ كمجد زال/ كمئذنة تردّد فوقها اسم الله/ وخطّ اسم الله فيها/ وكان محمّد نقشا على آجرّة خضراء/ يزهو في أعاليها/ فأمسي تأكل الغبراء/ والنيران من معناه/ ويركله الغزاة بلا حذاء/ بلا قدم/ وتنزف منه دون دم/ جراح دونما ألم/ فقد مات/ ومتنا فيه من موتى و من أحياء/ فنحن جميعنا أموات/ أنا ومحمّد و الله/ وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفّرة/ عليها يكتب اسم محمد والله…».
*كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية