تمثل اللغة العربية أحد الأركان الأساسية للتنوع الثقافي للبشرية في وقتنا الراهن؛ فهي عدا عن كونها إحدى اللغات الأكثر انتشارا واستخداما في العالم، وكونها لغة القرآن الكريم، ولغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في المنطقة العربية، حيث كتب بها أبرز الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى، تزخر هذه اللغة بسجل حافل ومتنوع من الآداب والفنون والمعارف منذ عصور ما قبل الإسلام، يشمل كتب الشعر والنثر والتفسير والفلسفة والتصوف والموسيقى والهندسة والجبر والفلك وغيرها، ولذلك تنوعت أصولها وجمالياتها، وأثّرتْ في مراحل وأجيال من تطور الفكر الإنساني، حين ساعدت على نقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، وأقامت جسور الحوار بين الثقافات على طول المسالك البرية والبحرية لطريق الحرير من سواحل الهند إلى القرن الافريقي، ومن ثمة أثّرتْ في كثير من لغات العالم ومثلت حافزا لإنتاج المعارف ونشرها.
عرفت العربية عصور ضعف وتراجع، إلا أنها لم تمت في وجدان أبنائها ومبدعيها، وهي اليوم تواصل رسالتها الإنسانية بشجاعة نادرة في ضوء الإكراهات الجمة التي تواجهها. وفي إطار دعم وتعزيز تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتحدة، اعتمدت إدارة الأمم المتحدة للتواصل العالمي قرارا بالاحتفال بكل لغة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة. وبناء عليه، تقرر الاحتفال باللغة العربية يوم 18 كانون الأول/ ديسمبر من كل سنة، والغرض من هذا اليوم هو إذكاء الوعي بتاريخ هذه اللغة وثقافتها وتطورها من خلال إعداد برنامج أنشطة وفعاليات خاصة. وتتعلق احتفالية عام 2021، حسب ما جاء في نشرة الأمم المتحدة، بموضوع “اللغة العربية والتواصل الحضاري”، الذي يكتسي أهمية بالغة في كنف المجتمعات التي تتعاظم فيها العولمة والرقمنة والتعددية اللغوية، إذ يُسلم بالطبيعة المتغيرة للعالم والحاجة الماسة لتعزيز الحوار بين الأمم والشعوب.
تفتح جريدة “القدس العربي”، بالمناسبة، أفقا للحوار والتفكير في حاضر اللغة العربية ومستقبلها؛ إذ استكتبت في الموضوع أكاديميين وكُتابا وشعراء من لبنان والجزائر والعراق والمغرب، باعتبارهم معنيين به داخل ميادين متنوعة من الحياة الثقافية؛ في الإبداع الأدبي، والمدرسة، ونُظُم التعليم، والإعلام، والفضاء العمومي ومواقع التواصل الاجتماعي. لسان حالهم: العربية تحيا وتتجدد في آدابها، إلا أنها متروكة “على غاربها” في مناحٍ أخرى.
مشاكل العربية: شربل داغر
إن فحص العربية، اليوم، يؤدي إلى وصف حالٍ متعدد الأوجه، سأختصره في التالي: للعربية مشكلة تكوينية، إن جاز القول، تتمثل في أنها تتعين في لغتين واقعا: الفصحى والعامية، وفق اختلافات واسعة بين هذه الجماعة العربية أو تلك. وإن طلبتُ تعريف العربية وجب السؤال: أي عربية أقصد؟ أهي عربية الجاهلية؟ أهي عربية القرآن؟ أهي العربية التي يتحدر منها الشعر النبطي أو الزجل اللبناني والسوري والعراقي أو الملحون المغاربي؟ عربيتان، إذن، قديمتان ومستمرتان؛ ويزيد من مشاكلهما كونهما تتعايشان وفق محددين: العصر والمجتمع. فالفصحى كما العامية تتبدلان تبعا لهذا العصر أو ذاك، في هذا المجتمع أو ذاك، ما يجعل الحديث ممكنا عن “حيوات” العربية. في هذا تبدو العربية تاريخية، من جهة، وعابرة للتاريخ (أو: ما فوق تاريخية)، من جهة ثانية. لهذا أهمية لافتة، وهي أن العربية هي من أكثر اللغات قدما وراهنية في الوقت عينه، إذ يقوى الطالب في القرن الحادي والعشرين – وإن بصعوبة – على قراءةِ وفهمِ نص يعود إلى القرن الميلادي السادس، ما يغطي مساحة تزيد على خمسة عشر قرنا من التواصل والاستمرارية والديمومة. لهذا لا يتم التمييز ـ لأسباب عديدة ـ بين العربية القديمة والعربية المتأخرة أو الحديثة، وهو ما يمكن أن يلاحظه أي دارس بمجرد المقارنة بين كتابات ترقى إلى هذا العصر أو ذاك من عصور العربية المختلفة. إلا أن لهذه الوضعية مشكلة (بين عدة مشاكل أخرى)، وهي أن اللغة تراكم فلا تفرز، وتستجمع في متنها، باختصار، “حيوات” مختلفة ومشتركة للعربية. هذا فيما باتت لغات عديدة، مثل الفرنسية والإنكليزية وغيرهما، تميز بين لغتها “القديمة” ولغتها “الحديثة”.
للعربية مشاكل في كتابتها، في إملائها، إذ احتفظت بأعراض متأتية من “حيواتها” التاريخية السابقة والمتعددة. أحد هذه الأعراض هو بقاء أثر شفوي، إرسالي، في أبنيتها الإملائية وتتقيد به: تشترط قواعد العربية المعمول بها كتابة: “إن”، لا “أن” بعد فعل القول (وفي استعمالات لغوية أخرى)؛ وهي قاعدة يُراد منها الاحتفاظ بالمبنى الشفوي للقول وإظهارُه، فيما كان يتوجب الاهتمام بما آلت إليه العربية في صيغها الكتابية. مثال آخر: يتم التمييز بين كتابة : “إذن”، و”إذاً”، في أحوال وأحوال، ما لا قاعدة ثابتة له… هذا الأثر الشفوي، والإرسالي في العربية يترافق مع مشكلات ناتجة عن اجتهاداتٍ – مقترحاتٍ اللغويين، وتتمثل في ما يصح (على سبيل المثال) في كتابة الهمزة، في أول الألفاظ أو في وسطها أو في نهاياتها… وهو ما يُوقِع كاتبُ النص العربي في مشاكل لا تنتهي، ولا يقوى المعلم على تعليمها بصورة مبسطة ومنسقة، وإنما يتوجب عليه شرحها والتسليم بها كما وردت من دون قدرة تعليلية أكيدة.
تبدو العربية تاريخية، من جهة، وعابرة للتاريخ (أو: ما فوق تاريخية)، من جهة ثانية. لهذا أهمية لافتة، وهي أن العربية هي من أكثر اللغات قدما وراهنية في الوقت عينه، إذ يقوى الطالب في القرن الحادي والعشرين – وإن بصعوبة – على قراءةِ وفهمِ نص يعود إلى القرن الميلادي السادس، ما يغطي مساحة تزيد على خمسة عشر قرنا من التواصل والاستمرارية والديمومة.
للعربية مشاكل في قواعدها، وهو ما لم يُعرض ويُدرس كفاية، إذ إن ما نسميه كُتب “القواعد” لا يعدو كونه عملَ اللغويين المتأخرين الذين وضعوا هذه الكتب التعليمية (مثل كتب رشيد الشرتوني ومصطفى الغلاييني في لبنان)، تأثراً بكتب (grammaire) عند الفرنسيين، و(grammar) عند الإنكليز، فاستنسبوا واختاروا من المتون القديمة صياغات وقواعد، بل صاغوها بأنفسهم، دون إحالتها على، أو إقرارها الإلزامي من جهة مولجة بسياسات العربية، أي بسلطانها. لهذا نجد المقالات والكتب والمعاجم أحيانا تصدر تباعا تحت عناوين مشابهة لهذا العنوان الشهير: “لا تقلْ… بل: قلْ”.
للعربية مشاكل في معاجمها، إذ إن معاجمها المعاصرة ـ لو اكتفيتُ بها، دون القديمة التي لها مشاكل أخرى ـ وُضعت من قبل أفراد، إن وضعنا جانبا “المعجم الوسيط” الذي وضعه “مجمع اللغة العربية” في القاهرة. وهي معاجم منتقاة من متون ومعاجم قديمة ومن جداول مفردات ودلالات متأخرة، جرى أخذُها من مدونات الأدب والصحافة، من دون أن يكون لهذه التدابير سياسات معلنة ومقررة ومتفق عليها. هذا ما يجعل المعجم ـ وهو مخزون اللغة وحياتُها ومرجعُها ـ عرضة للعمل الفردي والانتقائي، حتى إن تحكمت به الأمانة والاستقامة.
للعربية مشاكل في أساليبها، حيث تتعايش فيها أساليب وأساليب، ما يعود إلى العصور، من جهة، وإلى كاتبي العربية، ولاسيما المبرزِين والمجددِين فيها، من جهة ثانية. وما يزيد من هذه المشاكل ـ التي كان لها أن تجلب تجديدات للغة وتوسعة لها – هو امتثال العربية أحيانا، في بعض جُملها وتراكيبها، لضغوط ملحة من لغات أخرى، نافذة عليها. هذا يتعين – لو طلبت مثالا واحدا – في ما لا يتوانى أحد زملائي الجامعيين عن ذكره، وهو أن العربية افتقدت في أساليبها استعمال: المفعول المطلق، على سبيل المثال. مع ذلك، العربية تحيا، وتتجدد، في أدبها، إلا أنها متروكة في نُظُم تعليمها، “على غاربها”، حسب العبارة القديمة.
*شاعر وأكاديمي لبناني

العربية لُغات: صلاح بوسريف
العربية ليست لغة، إنها لُغات، إذا نظرنا إلى اللغة، هنا، بمعنى الأسلوب. فالعربية، إذا اكتفينا بالنظر إليها، باعتبارها ماضيا، فنحن نكون أخطأنا معرفتنا بها، لأن اللغة التي نكتب ونقرأ بها اليوم، ونستعملها في الإعلام، وفي المدرسة والجامعة، هي غير لغة «لسان العرب»، فهي لم تبق سجينة ما قبل النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، الذي اعتمده ابن منظور، كمصدر ومرجع للعربية، إبان زمن التدوين، ولم يتجاوز هذا التاريخ إلى ما بعده، في جمع اللغة وتدوينها.
عربية الماضي، حين نقرؤها في سياقها الفني الإبداعي والجمالي، فهي لغة استطاعت أن تخلق مجازاتها، وما ظهر فيها من مسافات عند عدد من الشعراء والكُتاب، في مستوى التخييل، أو ما عرفته علاقة الدال بمدلوله من توترات، كان عبد القاهر الجرجاني الأكثر وعيا بضرورتها كخلق وإبداع، رغم أنه كان حريصا على إعجاز القرآن، في مفهومه للنظْم، وهو ما استفاد منه النقد في النظر إلى الشعر، وفي الانتقال من المعنى الواحد، إلى ما سماه بمعنى المعنى، الذي سنجد بول ريكور عاد بعد كل هذا الزمن ليتحدث عنه في سياق جمالية أخرى، لها سياقاتها الإبداعية التي هي غير سياقات الماضي. اليوم، صرنا نزدري هذه اللغة، ونحكم عليها، بنوع من التعصب الجاهل بالعربية في تاريخها الجمالي، وثمة من ربطها بالتعصب، وبالإرهاب، وهذا جهل مُطْبِق عند هؤلاء، رغم أنهم هم أيضا يكتبون باللغة العربية. لا يَهُم، فقط، علينا أن نفهم ما في مثل هذه المواقف من فقر في العلاقة باللغة العربية، كلغة العرب، وهو الفقر نفسه، في علاقتهم بالثقافة العربية، التي يختزلونها في بعض السلفيات المغلقة، من الحكم بالجزء على الكل. والغريب أن هؤلاء، حينما يتعلق الأمر باللغة الفرنسية، مثلا، ينبرون للدفاع عنها، وينسون أن هذه اللغة نفسها، هي لغة لها ماضيها، وفيها ما مات، وما توقف عن الاستعمال، ربما كون الفرنسية تتجدد، في معاجمها، ما أوحى لهم بكونها لغة حية، والعربية لغة ميتة، وهذا خلل في التمييز بين ما يكون في اللغة في ذاتها، وفي المؤسسات التي ترعى هذه اللغة.
حين نقرأ الشعر والفكر والرواية والقصة والمسرح، والأعمال الإبداعية، مما ينتمي إلى الحداثة، أو ما يتميز منها بالجرأة في الابتداع، وفي الاختراقات التي تتم فيها، في مستويات مختلفة، خصوصا في طبيعة التركيب والبناء، سندرك أن العربية التي في هذه الأعمال، تفوق الفرنسية نفسها، وهي لغة تُضاهي لغات الكون وتتجاوزها. مشكلتنا هي الترجمة، وهي نظرة الآخر إلينا، ونظرتنا القاصرة إلى ذواتنا، ما عطل اكتشافنا لما يجري في اللغة من اختراق واختلاق، ومن اكتشاف من نحن، وما عندنا من تِبْر كامن في ما نعتبره تُرابا. العربية اليوم، هي لغة حية في ما نكتبه، وما نُعيد به رؤية العالم والأشياء. وليست لغة واحدة، بل هي لغات، بمعنى أنها أساليب، وطُرق في الكتابة والإبداع، وفي خلق المسافات الفنية الجمالية الممكنة في تطور اللغة، وفي حياتها وحيويتها، خارج المؤسسات وبعيدا عنها.
*شاعر وناقد مغربي
حين نقرأ الشعر والفكر والرواية والقصة والمسرح، والأعمال الإبداعية، مما ينتمي إلى الحداثة، أو ما يتميز منها بالجرأة في الابتداع، وفي الاختراقات التي تتم فيها، في مستويات مختلفة، خصوصا في طبيعة التركيب والبناء، سندرك أن العربية التي في هذه الأعمال، تفوق الفرنسية نفسها، وهي لغة تُضاهي لغات الكون وتتجاوزها.
مشاريع التغيير الغائبة: عبد الله العشي
واجهت العربية “الآخر” في لحظتين حاسمتين من تاريخها، ودخلت في تحد مرتين، مرة في العصر الوسيط، ومرة في العصر الحديث، فبينما استطاعت أن تواجه في المرة الأولى، تلكأت واضطربت في المرة الثانية. والأمر لا يعود إلى اللغة في ذاتها، إنما يعود إلى الثقافة التي تؤطرها وتسندها؛ ففي العصر الوسيط كان ثمة حضور قوي للثقافة العربية في مجالات العلوم المختلفة، وكان خلف هذه الثقافة أمة قوية لها وزنها التاريخي في العالم آنذاك. فكانت العربية تتعامل مع الثقافات الأخرى من موقع القوة وتتحاور معها حوار الند للند، وتحول ما تنقله إلى جزء من ثقافتها وتخضعه إليها ولا تخضع له.
أما في العصر الحديث فالأمر مختلف؛ فقد غابت تلك الدولة العالمية القوية وانحدرت تلك الأمة، فتم الاتصال بالآخر تحت إكراهات تاريخية أفرزتها سياسات الاستعمار، فلم يكن للعربية خيار، كانت مدفوعة إلى الغرب دفعا ومن موقع الضعيف، ولم يكن لها ما يكفي من القوة الذاتية لتتقي أضرار هذا التواصل. وهنا بدأت الدعوات إلى التطوير الشامل تحت شعار النهضة العربية، وطرح السؤال كيف نتقدم، وانشغل العرب بالإجابات، بينما انشغل الاستعمار بالتوغل في كل مجالات الحياة العربية، ولم تكن إجابات العرب كافية لإيقاف الزحف الثقافي واللغوي الغربي. وأهم ما قاموا به بعد سنوات بدافع ذاتي أو خارجي، هو العمل على تحديث اللغة، وانشغل القوم بالمسائل التقنية في اللغة، ظنا منهم أن الخلل في بنية اللغة، ولم ينشغلوا، جديا، بحالها الثقافي والسياسي والفكري. وانصرف كل واحد يشتغل تحت إكراهات أيديولوجية مختلفة، وبضغط جهات أجنبية أو داخلية مختلفة، ولم يخل انشغالهم من صراعات سياسية وأيديولوجية.
لم تشهد العربية وضعا تاريخيا مثل ما تشهده الآن؛ فهي في حالة أقرب مما تكون إلى حرب اللغات، واللغات في زمن العولمة لا تخوض حروبها بذاتها، أي باعتبارها لغات فقط، بل تخوضها بآليات أكثر قوة وأشد تأثيرا، بفعل قوة الثقافة والاقتصاد والمال والإعلام والسياسة والعلم والتكنولوجيا، ولم يتح للعربية أن تمتلك مثل هذه الأسلحة، وليس أمامها في هذه الحال إلا أحد أمرين: إما الاستعانة بالماضي، أو التبعية للغرب، وفي الحالتين تضيع ذاتها وتخرج من تاريخها.
والغريب أننا أسرى السؤال الذي طرح مع بدايات التنوير العربي، المتعلق بسؤال التقدم، وما زلنا كذلك، رغم التحولات الكثيرة في العالم، ورغم التجارب الخاطئة التي مررنا بها. أسرى الإجابات نفسها عن ذلك السؤال، لم نكتشف أسئلة أخرى ولا قدمنا إجابات جديدة، ولا قدمنا رؤى مختلفة، ما زلنا نطرح السؤال نفسه الذي أثبتت الوقائع هشاشته، ونقدم الإجابات نفسها التي بينت الوقائع ضحالتها وقصورها.
نتساءل اليوم كيف يمكن تحديث العربية في ظل ثقافة تعتمد في مجمل معارفها على الآخر الغربي، وفي ظل أنظمة سياسية لم تنجز ما ينبغي على أي نظام أن ينجزه، وفي ظل مجتمعات تتجاوز نسبة الأمية فيها ثلث سكانها، وتحت ضغوط أجنبية تكاد تفقدنا سيادتنا، وفي واقع عالمي يخوض حروبا مضمرة أو ظاهرة لا نكاد ندرك مقاصدها، وفي ظل غياب استقرار اجتماعي وأمني، وفي واقع اقتصادي يمس الفقر نسبة عالية من سكانه، إضافة إلى مؤسسات قاصرة وأنظمة تعليم متخلفة ومؤسسات إدارية فاسدة، وغياب للعدالة والحرية والديمقراطية، إضافة إلى الضغوط العالمية التي توجهها العولمة ومؤسساتها. ما الذي ينبغي إذن أن نبدأ به كي نقوم بتحديث اللغة، في ظل هذه المشكلات المتداخلة، وما هي الاستراتيجية السليمة التي يجب اعتمادها؟ اللغة لا تُطور لغايتها وفي ذاتها، ولكنها تُطَور من أجل أن تكون وسيلة لتحصيل المعرفة الضرورية، والمعرفة أيضا لن تكون مهمة في ذاتها ما لم يكن لها أثرها في الواقع الاجتماعي، ونحن في وضع معقد، ومن الصعب ترتيب أولوياته، فكل شيء يحتاج إلى تحديث، سواء ما كان ماديا أو معرفيا، وكل شيء يحتاج، لأجل أن يتطور، إلى تطوير الأمر المجاور له والقريب منه. فمن أين تبدأ الحلول، وما الأمر الذي ينبغي أن نراهن عليه لإنجاح عملية التحديث؟ واضح أن “الكل يحتاج إلى تطوير”، لكن الكل ينبغي أن يرتبط برؤية واستراتيجية ومشروع، والمشاريع التي تم تنفيذها لم تثبت نجاعتها إلى اليوم، لقد فشلت كلها وما تزال في نقطة البداية، رغم ما تم إنجازه من مؤسسات، لكنها بقيت بلا فاعلية لم تساهم في الإقلاع الحضاري، ولم تدفعنا إلى الأمام. وينبغي أن لا نتفاءل كثيرا بالاعتراف العالمي باللغة العربية وثقافتها، وتخصيص يوم سنويا للاحتفاء بها، على الرغم من أهمية ذلك، كما ينبغي أن لا يلهينا ذلك عن ضرورة الإقرار بتخلفنا. ما عساه يفيد هذا الاعتراف إذا كانت اللغة غريبة في أوطانها مغيبة على مستوى الإعلام والإدارة والتعليم، مهانة لدى أبنائها ومستبعدة من الاستعمال العام.
*شاعر وأكاديمي جزائري
تعزيز أدوار اللغة: غزاي درع الطائي
أبدأ كلامي في اليوم العالمي للغة العربية بالقول: إننا نحتفل باللغة العربية لمدة يوم واحد في العام، ولكن علينا أن نعمل من أجلها كل يوم. ولا أقول في اليوم العالمي للغة العربية: قفوا نبكِ، ولا أطلب من الشعراء أن يكتبوا مرثياتهم للسان العربي، ولا أركب مركب التشاؤم وأنا أنظر إلى واقع لا يسر الناظرين، وأنا أعرف، أعرف تماما، أن اليد الواحدة لا تصفق، ولكنني أعرف في المقابل أن اليد الواحدة قادرة على أن تقوم بأعمال كثيرة، وأقف لأقول: إن اللغة العربية كانت وما زالت، عبر أدوارها التاريخية المختلفة، حلقة وصل وتواصل، ووسيلة حوار، وراية سلام، وأداةَ استحداثٍ وتحديث للمعارف والعلوم ونقلها وتناقلها، ومرآة للشعر والأدب وللثقافة بكل أصولها وفروعها، وركيزة مشتركة بين أبناء الأمة في السراء والضراء؛ إنها اللغة التي امتدت من أطراف الصين إلى سواحل الأطلسي، وتميزت بحروفها وحركاتها وألفاظها وتراكيبها وأصواتها ونحوها وصرفها وإملائها وبلاغتها وتفردت بأساليبها المتنوعة، وكانت لغة للحياة كلها بما فيها من فكر وعلم وأدب وفن وثقافة وحضارة، ونزل بها القرآن الكريم فكُتب لها الحفظ بحفظه، ومع الحفظ كُتب لها الخلود والسمو والرفعة.
وفي الوقت الذي نجد فيه العشرات من اللغات في العالم مهددة بالانقراض سنويا، بسبب تناقص عدد المتكلمين بها، فإن اللغة العربية تبدو شابة دائما، وثابتة وقوية، ونامية ومتجددة، على الرغم من كل ما يحيط بها من انكسارات وانهيارات وتراجعات، وهي اللغة التي تُستخدم على نطاق واسع في العالم؛ فهي اللغة الرابعة في العالم من حيث عدد المتكلمين بها، إنها لغة أكثر من (400) مليون عربي يملؤون ما بين المحيط والخليج، فضلا عن أن أكثر من مليار ونصف مليار مسلم في طول الأرض وعَرضها، يحتاجون إليها في أداء صلواتهم ومناسك حجهم وتلاوتهم للقرآن الكريم. وهي لغة رسمية في منظمات ومؤسسات دوليه عديدة، منها: منظمة المؤتمر الإسلامي، والاتحاد الافريقي، وصندوق النقد الدولي، والاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات ومؤسساتها، ومنظمة شرطة الجرائم الدولية، وتجمع دول الساحل والصحراء، فضلا عن كونها لغة من اللغات الست الرسمية في الأمم المتحدة وهيئاتها ومؤسساتها. إن اللغة العربية في أمس الحاجة إلى تعزيز مكانتها، وتحقيق حمايتها، ودفعها إلى الأمام في ميادين التمكين المختلفة، وكل هذا لا يمكن الدفع به إلى الأمام إلا عن طريقين مهمين هما: تشريعات القوانين التي تحمي اللغة العربية، وإيجاد المؤسسات الفاعلة الخاصة بالعناية بها، ورب قائل يقول: لقد أصدرت العديد من الدول العربية قوانين وأوامر وتعليمات وتوجيهات تهدف إلى حمايتها، وهنا أقول لهذا القائل: ليست العبرة بالتشريع، بل بالتنفيذ، فكم من القوانين التي صدرت هنا وهناك في هذه أو تلك من الدول العربية ظلت حبرا جافا على ورق بارد، وشابها الكثير من التسفيه والإهمال والتغاضي والكسل .
إن اللغة العربية مظهر من مظاهر الأمة العربية، وحال اللغة العربية مثل حال الأمة العربية، وما دامت الأمة في تراجع ونكوص وتقاعس وانتكاس، فإن حال لغتها مثل حالها. وهنا لا أريد ان أكون متشائما وأنا من الداعين إلى التفاؤل، ولا من المتطيرين من الإظلام، وأنا من العاشقين للإشراق، ولكن النقاط يجب أن توضع على الحروف، والمسميات يجب أن تُسمى بأسمائها. وقول الحق في ظل اللغة في مكانه وزمانه هو نصرة لها وليس تجنيا عليها، وفي كل الأحوال لا يمكن غض النظر عن العديد من الإخفاقات اللغوية، التي منها شيوع الغلط اللغوي (النحوي والصرفي والإملائي) شيوعا لم يعد بالإمكان القبول به والسكوت عنه، ومن ذلك شيوع هذا الغلط في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام وفي (الفيسبوك) خاصة، وهو الأكثر استعمالا عندنا؛ فمن المعيب أن نقرأ (لكي) و(جدن) و(نورن) والمقصود هو على التوالي (لكِ، جدا، نورٌ)، والأكثر سوءا من هذا هو انتشار الغلط اللغوي عند العديد من الأدباء والكتاب والشعراء، وأصبح الغلط النحوي والصرفي والإملائي في المقالات والدراسات وفي الكتب وفي المهرجانات من الظواهر المعيبة، ومما يؤسف له هو بروز من يدعو إلى عدم الالتفات إلى هذه الأغلاط ، لأسباب واهية وضعيفة الحجة.
لا بد من ترصين أسس تعليم اللغة العربية في كل مراحلها، ولا بد من إعادة النظر في المناهج التعليمية وفي طرائق تدريس اللغة العربية ابتداء بالروضة وليس انتهاء بمرحلة الدراسات العليا، من أجل تحبيب اللغة العربية للمتعلمين والكشف عن جمالياتها، والسعي إلى تذوقها والتعرف على آدابها وفنونها وبلاغتها وأساليب القول فيها.
وهنا أعرض عددا من المسائل التي أرى أن لها أهميتها ، أمام الحريصين على اللغة العربية تاريخا وحاضرا ومستقبلا :
1 ـ من الضروري العمل من أجل تحديث المعاجم العربية لاستيعاب ما استجد من ألفاظ وتراكيب، أنتجتها تراكمات الأيام والأعوام، وفرضتها حاجات العلوم والفنون والآداب، وطرحتها للاستخدام في البيت والشارع والسوق والمكتبة وفي الجامعة، لتلبية الحاجات المستجدة.
2 ـ من المنتظر أن تقوم مجامع اللغة العربية، وهي كثيرة، بواجبها تجاه اللغة العربية، وأن تتصدى لكل المحاولات التي تهدف إلى تقليص دور اللغة العربية الفصحى في الحياة ومرافقها بكل أنواعها وأشكالها، وأن تؤدي واجبها في تعزيز مكانة اللسان العربي ورعايته والعناية به وتقوية مركزه، ولا بد من أن يكون لها موقفها الحازم من ثلاث مسائل مهمة: الأولى: انتشار اللهجات في مقابل تقليص دور اللغة الفصحى في المحاضرات والندوات والمؤتمرات والخطابات والاحتفالات والمنصات، وكذلك في البرامج الإذاعية والتلفزيونية. والثانية: النظر بجدية إلى أن يكون التعليم العالي والبحث العلمي كله باللغة العربية الفصحى، ولا يمكن استثناء كليات الطب والصيدلة والعلوم من هذا الأمر. والثالثة: العناية عناية خاصة بالمصطلح بكل أنواعه: العلمي والأدبي والفني والثقافي والقانوني والإداري والاقتصادي، إلخ، وضرورة المضي في متابعة ما استجد من مصطلحات عالمية في مفاصل الحياة كافة، وتوفيرها باللغة العربية، ومعالجة تعدد المصطلحات التي لها مفهوم واحد عبر مركزية لها فاعليتها، والتخلص من العشوائية وعدم الانتظام في العمل المصطلحي، وإضافة إلى كل ما تقدم أدعو إلى المزيد من التنسيق والعمل المشترك وتعزيز إطارات التبادل في ما بين مجامع اللغة العربية نفسها خدمة للغة العربية ولتوحيد العمل المجمعي الناضج والمثمر.
3 ـ لا بد من ترصين أسس تعليم اللغة العربية في كل مراحلها، ولا بد من إعادة النظر في المناهج التعليمية وفي طرائق تدريس اللغة العربية ابتداء بالروضة وليس انتهاء بمرحلة الدراسات العليا، من أجل تحبيب اللغة العربية للمتعلمين والكشف عن جمالياتها، والسعي إلى تذوقها والتعرف على آدابها وفنونها وبلاغتها وأساليب القول فيها، ومن بين ما اضطرني إلى طرح هذا الأمر، هو أن خريجي أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية أنفسهم، أو الكثيرين منهم، لا يجيدون اللغة العربية نحوا وصرفا وإملاء ونطقا، بالمستوى المطلوب.
إن الحديث عن اللغة العربية وأحوالها طويل وعريض وعميق ومتشعب، فهي معنا حيثما نكون، وهي معنا دائما: عندما نقرأ وعندما نكتب، وعندما نغني وعندما نحب وعندما نفكر وعندما نحلم، وعندما نقرأ القرآن الكريم وعندما نصلي وعندما نؤدي مناسك حجنا. معنا في الفرح والحزن، في السكن والسفر، في كل مكان وكل زمان، وما دامت هي معنا، فلا بد أن نكون معها؛ نعم، لا بد أن نكون مع اللغة العربي .
*شاعر وأكاديمي عراقي

تثمين اللغة: العربي بنجلون
غالبا ما نربط غَيْرتَنا على اللغة العربية بكونها لبنة أساسية لصيانة الدين والهوية والتاريخ، وتلاحم بعضنا بعضا من المحيط إلى الخليج، وهي بالفعل، كذلك. إلا أن الجيلَ الجديدَ له وجهة نظر أخرى، إذ يعتبرنا (منحازين) لرؤية قديمة تجاوزها العصر، وتعارض العولمة والتفتح على اللغات والثقافات. وأذكر أن مؤسسة يرتكز تعليمُها على الفرنسية، دعتني يوما ما لأحاضرَ في (واقع اللغة العربية) وكان عليّ أن أقنعَ طلبتَها بجدوى تعلمِها، ولا سبيلَ أمامي إلا ربطها بالمالِ والعملِ، لأن غالبية آبائهم يشتغلون في التجارة، أو مديرو ورؤساء شركات ومعامل، ومسيرو مقاولات، أو يحتلون مناصب إدارية كبرى. فافتتحتُ محاضرتي بمثالٍ حي، تجلى في طبيبين في مدينة فاس: الأول، لا يعرف إلا اللغة الفرنسية، والثاني يجيد اللغتين معا. فكان عمومُ المرضى يلجأون إلى الثاني، لأنه يتواصل معهم بلغتهم الأم، ليحصل التفاهمُ والتفاعلُ بينهم، ما جعله يحصدُ حصةَ الأسد منهم، أكثر من الأول. وبهذا المثال، أحسوا بالدور الذي تلعبه اللغة العربية في الدخل الفردي للمواطن، ونجاحه في عمله، سواء كان المتعلمُ لها طبيبا أو مهندسا أو تاجرا أو مسؤولا… وهنا تماديتُ في تعداد فوائدها على الاقتصاد الوطني، وعلى التنمية بصفة عامة. فالدول المتقدمة تنظم جوائزَ عالمية للأعمال الأدبية المكتوبة بلغتها، وتشيد مراكز ثقافية ولغوية، لتقوي حضورها، وبالتالي، لتخلق أسواقا لمنتوجاتها، منافسة لغيرها. فالغاية من تلقي اللغة، أي لغة، هو تشكيل عقلياتٍ قابلة لتستهلك صناعاتها، وتنمي اقتصادها بدرجة أولى، قبل الأهداف الأخرى. لكنْ، مع تقدم العمر، والمرور بتجاربَ حياتيةٍ، يصبح المواطن متشبثا بلغته، كرصيد ثقافي وهوياتي، يحمي ذاته من الذوبان في الآخر. لهذا أرى أن السبيل إلى إقناع الأجيال الصاعدة بجدوى اللغة العربية، يمر عبر دورها في صيانة الاقتصاد الوطني، الذي هو عصب تنميتها واستثمارها.
*أديب وكاتب متخصص في أدب الطفل
اللغة العربية ووسائط الثقافة: عبدالرزاق المصباحي
في اليوم العالمي للغة العربية، تحضرني قوة وقدر حضورها في وسائط الثقافة الجديدة: وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الإخبارية، ولا ضير في أن نعترف بضعف الاعتناء بها فيهما معا، فلا يخلو كثير من المقالات التي خطها محرر متعجل من كم كبير من الأخطاء اللغوية البينة، إملاء وتركيبا، حتى لا تكاد، أحيانا، تفهم المقصود من المقال. فبسبب تسونامي الأخبار التي تتنزل على هذه المواقع، والسباق المحموم على السبق الصحافي، وغياب رقابة المدقق اللغوي، أو القارئ المدقق، الذي يمكن، عبر التغذية الراجعة في التعليقات، أن ينبه الموقع المعني أو كاتب المقال إلى تلك الأخطاء، أو بسبب السرعة والتهافت على الخبر، فإن السبق يصبح العامل الموجه. وكذا الأمر بالنسبة إلى لغة التدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي التي تكتب بالعامية الدارجة في الغالب، أو بلغة عربية كثيرها معطوب بناء ودلالة. وطبعا، فنادرا ما تجد اعتناء بالأسلوب، واحتفاء بفصاحة اللفظة، وبلاغة المقصد.
إن اللغة العربية في صراع قائم مع تدفق كبير للصور وأيقوناتها لكسب جمهور وسائط الثقافة، خاصة الفيسبوك، فإن كانت الأخيرة لا تتطلب مجهودا ذهنيا كبيرا، وتصنع قدرا هائلا من المتعة، فإن استهلاك النص اللغوي العربي، يتطلب جهدا أكبر ومهارات في الفهم والتحليل، وهي لا تتوفر في كثير من جمهور هذه الوسائط، الذي كثير منه لم ينل حظا من التمكن من القدرات والمهارات في اللغة العربية، ناهيك من المتحدثين باللغات الأجنبية الذين يميلون إلى التدوين باللغات التي اعتادوا الكتابة بها. ثم إن التوفر على مهارات الكتابة والقراءة في اللغة العربية، لا يعني أن يكون التعبير بها هو الخيار الأفضل، في ظل عزوف جمهور هذه الوسائط عن قراءة التدوينات المطولة، أو المتخصصة، أو المتضمنة لتفاصيل كثيرة، وهو ما يظهره التفاعل القليل معها، في مقابل الميل نحو استهلاك الصور والتفاعل المكثف معها، بصمة وتعليقا ومشاركة. وفي المقابل، فإن (تويتر) يسمح للتدوين بمساحة أكبر، رغم قلة عدد الكلمات المسموح بها، وهو عامل مفيد لحضور اللغة العربية، التي تميل، أصلا، إلى التكثيف والتعبير الدقيق عن المقصد، فضلا عما يتيحه ذلك للمغرد من أن يضبط تركيب الجملة، ويتجنب الحشو، ويفجر من اللفظة قوتها الإشارية. ولهذا السبب نلمس عبر تغريدات (تويتر) المكون البلاغي وتنوع توظيفاته، ونتذوق بهاء الأساليب، وتماسك التركيب، في تناغم مع القدرة على الإخبار، وحتى التخييل أو الحجاج المكثفين. وفضاء (تويتر) مفيد للباحثين عن مساحة تجمع بين الاعتناء باللغة؛ دقة وتكثيفا، والثقافة، خاصة أن النقاشات تجمع بين نخبة من المثقفين في الفكر والسياسة والاقتصاد وغيرها، ومتتبعيهم وقرائهم الذين يبحثون عن فرصة للنقاش أو للتعبير عن آراء، أو للإخبار بمستجدات.
تستمر اللغة، أي لغة، في الحياة، عبر التواصل المكثف بها، وعبر الإنتاج العلمي والفكري والإبداعي الرصين، وعبر قدرتها على مواكبة التحولات التكنولوجية، والاندغام في نسقها. واللغة العربية أكدت، عبر التاريخ، عن قدرتها على التطور المستمر، وإن الاعتناء بها في وسائط الثقافة، والحرص على التوظيف السليم لها في حدود إمكانيات الأفراد، في التدوينات والتغريدات، سيجعل معجمها يغتني أكثر، وتكثيفها يصير أبلغ، والقراءة بها تضاهي أكثر الصور والأيقونات إمتاعا.
*باحث مغربي في مجال التربية والنقد الثقافي
اللغة العربية اليوم.. إلى أين؟ فريد أمعضشو
قطعت اللغة العربية، عبر تاريخها، مسارا طويلا جدا، ما يزال مسترسلا إلى الآن، عرفتْ خلاله لحظات توهج وتراجع، مد وجَزر، فعل وانفعال، تحت تأثير عدة عوامل، ولكنها – في كل الأحوال – ظلت صامدة صمودَ الجبال الراسيات. إذ على الرغم من كل العقبات والمُعَرْقِلات، التي تعاونت قُوى – في الداخل كما في الخارج – على وضعها في طريقها؛ لإضْعافِها وفَصْل أهلها عنها والطعن في قدرتها على التطور والتكيف مع المستجِدات والمتغيرات، إلا أنها استمرت حية، موصولة العلاقة بماضيها، مُثْبِتة صلاحيتها لكل عصر، إلى أنْ فرضت نفسها – حديثا – بوصفها إحدى لغات منظمة “الأمم المتحدة” رسميا، ونزعت منها الاعترافَ الذي تكرسَ بتخصيص يوم عالمي احتفالي بها، يوافق الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول من كل سنة، وأضْحَت تُدَرس في كبرى الجامعات الدوْلية، في أوروبا وأمريكا وغيرهما، بعدما نالت حظا وافرا من عناية المستشرقين والمُسْتعربين بها منذ القرن ما قبل الماضي. وإذا وليْنا وُجوهَنا شطر العالم العربي للوقوف على مكانتها وواقعها اليومَ بين أبنائها والناطقين بها، فإننا نلمس – بكل موضوعية – تراجُعات وتحديات حقيقية تنتصِبُ أمام اللغة العربية في اللحظة الحضارية الآنية، سواء في مجال التعليم أو الإعلام أو الإدارة أو غيرها.
ففي المدرسة المغربية، ما زالت العربية تُسْتعمَل في تدريس المواد الأدبية والعلوم الإنسانية، في المستويات ما قبل التعليم الجامعي، وكذا في كليات الآداب والحقوق، وفي بعض المدارس والمعاهد العليا، ولاسيما بعد أنْ تم تعريب عدد من تلك المواد الدراسية قبل زمن غير بعيد، وإنْ صِرْنا اليومَ، في المغرب، نشهد عودة إلى تدريس مواد، في المرحلة الثانوية، بلُغات أجنبية، بعد أنْ تم إرساء مسالك جديدة في البكالوريا، بل إن مواد علمية وتقنية صارت تُدرسُ بهذه اللغات، كذلك، في الطور الابتدائي، ولاسيما في التعليم الخصوصي.
ففي المدرسة المغربية، ما زالت العربية تُسْتعمَل في تدريس المواد الأدبية والعلوم الإنسانية، في المستويات ما قبل التعليم الجامعي، وكذا في كليات الآداب والحقوق، وفي بعض المدارس والمعاهد العليا، ولاسيما بعد أنْ تم تعريب عدد من تلك المواد الدراسية قبل زمن غير بعيد.
ويأتي اللجوءُ إلى التدريس باللغات الأجنبية، اليوم، منْ أجل إعداد المتعلمين لِوُلوج كليات العلوم والتقنيات والطب بسلاسة، عقب تخطيهم سلك البكالوريا بنجاح، ولإقدارهم على الإفادة من نتائج البحث العلمي في الدول المتقدمة، ولتسهيل انخراطهم في مجتمع المعرفة، وحركيتِهم خارجيا، في ما لو اختاروا متابعة دراساتهم العليا في جامعات أوروبية أو أمريكية بخاصة. وتحضر العربية، كذلك، في منظومتنا التربوية بوصفها لغة مدرسة، على امتداد مسيرة المتعلم التعليمية من الأولي والابتدائي إلى العالي، وإنْ كانت تُسَجل ملاحظاتٌ عليها من حيث غلافُها الزمني، ومحتواها الديداكتيكي، ومنهجية تدبيرها وتقويمها، ونحو ذلك. وعموما، فالتقارير المُنْجزة، في هذا الإطار، تؤكد حقيقة مؤلمة، مفادُها ضعف تمكن المتعلم(ة) من الكفاية اللغوية المتعلقة بالعربية، وذلك ما يجسده تواضُع مستوى أعداد كبيرة من خريجي منظومة التعليم في المغرب في اللغة العربية، وعدم تحكمهم فيها قراءة وكتابة واستعمالا؛ وهو ما باتَ يسائل اليومَ، بإلحاح، تدريسَ هذه اللغة، وأوْجُه استخدامها في تدريس مواد أخرى.
وليس واقع العربية بأفضلَ حالا في مجال الإعلام الناطق باللغة العربية؛ إذ نُلفي فيه أخطاء كثيرة، وتعابيرَ لغوية تنأى عن النسق اللغوي العربي الفصيح، ونقصا في الربط والترقيم وغيرهما، مما يتوقف عليه الاستعمال السليم لهذه اللغة. ويظهر ذلك، بوضوح، في الإعلام الخاص، وفي الصحافة الورقية والإلكترونية، وفي المحتوى الرقمي العربي على الشبكة. ولا شك في أن مِثل هذه الأمور لا تساعد على التمكين لهذه اللغة في أوساط النشء والشُبان العرب، ولا على نشر نَسَقِها الصحيح، بقدر ما ترسخ لديهم استعمالات لغوية خاطئة وركيكة. وما زالت لغة الكتابة والتراسُل والإعلان المعتمَدة في عدد من الإدارات الحكومية عندنا، فضلا عن المنظمات والشركات والمؤسسات غير الحكومية، أجنبية (الفرنسية خصوصا)، ضدا على لغاتنا الوطنية المُدَسْترة، وعلى جملة من المذكرات والتوجيهات الرسمية الداعية إلى تعميم استعمال العربية في الإدارات، إلخ.
يكشف كل هذا عن وضع صعبٍ، تعيشه اللغة العربية في واقعنا الحالي، زادته تعقيدا المنافسة الشرسة للغات الأجنبية العالمية، التي بسطت سيطرتها في مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والبحث العلمي، اضطر معها كثير من أبناء العرب أنفسهم إلى الإقبال على تعلم هذه اللغات؛ نظرا للآفاق الواعدة التي تفتحها أمامهم لضمان مستقبل مْهني وعلمي. كما تعاني العربية من منافسة الدارجة واللهجات المحلية في عموم الوطن العربي؛ الأمر الذي دعا عددا من المنافِحِين عن اللغة العربية، أفرادا وإطارات جمعوية، إلى دق “ناقوس الخطر”، وتكثيف جهودهم؛ من أجل إعادة الاعتبار للغة القرآن، وتبويئها المنزلة التي تستحقها في الحياة العامة.
*باحث مغربي في علوم التربية والديداكتيك