«في انتظار البرابرة» للكولومبي سيرو غيرا… تُرى من هم ؟ غزاة أم أهل البلاد؟

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: في فيلمه «في انتظار البرابرة» (2019)، الذي شاهدناه مرتين الأولى في مهرجان فينيسيا لهذا العام، والثانية في مهرجان لندن، يسير المخرج الكولومبي سيرو غيرا بخطى حثيثة واثقة على نهجه ودربه، ذلك النهج الذي اتبعه في فيلمه السابق «عناق الأفعى» (2015)، ذلك النهج الذي يستكشف فيه العلاقة بين الغازي والسكان الأصليين، بين من يظنون أنهم جالبو الحضارة والتمدن وأصحاب الحضارة والثقافة المحليتين.

فيلم يكشف مدى جور وبطش وتكبر ذلك الغازي، الذي يظن أنه يبسط الحضارة في الأصقاع البعيدة، بينما يبقى جاهلا بأسرار ثقافتها مستعليا على إرثها التاريخي.
«في انتظار البرابرة» فيلم مقتبس عن رواية الأديب الجنوب افريقي جيه إم كويتزي، المتوج بجائزة نوبل للآداب عام 2003، وقد أسند غيرا مهمة كتابة سيناريو الفيلم لكويتزي ذاته، فجاء الفيلم ثريا لغة ونصا، مشبعا بروح الرواية.
وتضافر السيناريو والحوار البليغان للفيلم مع عناصر الصورة، التي تصور جمال تلك الطبيعة في المناطق البعيدة، تلك الطبيعة التي تأبى الترويض أو الانصياع والإذعان لرغبة الغريب المستعمر، ذلك الذي يظن أنه يمسك زمام الأمور، ولكنه يبقى غريبا ستلفظه البيئة الأصلية ذات يوم.
«انتظار أولئك البرارة»، أولئك الذين لا يجيئون والذين لا يهجمون، هو الذي يعطي للغزاة مسوغا للوجود، فبينما ينعمون بالراحة والرخاء والدفء في الأراضي السليبة، يبقى مسوغهم الرئيسي لإضفاء المشروعية على وجودهم هو أنهم يذودون عن أنفسهم وعن المدنية والحضارة، من أولئك الذين يرون أنهم الرعاع البدائيون.
جوهر الفيلم وصميمه هو الإجابة عن هذا التساؤل: ترى من هم البرابرة؟ هذا السؤال هو الهاجس الرئيسي للفيلم، وهو أيضا الهاجس الرئيسي لذلك القاضي الذي يبقى طوال الفيلم بدون أن نعرف له اسما، الذي يلعب دوره باقتدار كبير البريطاني المخضرم مارك رايلانس. القاضي هو الشخصية المحورية في الفيلم، وهو اللامنتمي في أكثر صوره جلاء. القاضي هو الغريب عن العالمين، فهو ليس ابن ثقافة السكان الأصليين «البرابرة»، ولكنه يتعاطف معهم ويحاول فهمهم، بدون نجاح كبير. كما أنه رغم أنه بموجب منصبه قد جاء ليقر قوانين الحكومة المستعمِرة البعيدة ويحكم باسمها، إلا أنه لا يشعر بأن تلك القوانين تمثله وتمثل فكره.


يختار غيرا ألا يسمي المكان الذي تدور فيه أحداث الفيلم. كل ما نعرفه هو أننا في مكان ناء قصي، على تخوم صحراء فسيحة، في أقصى امتداد لامبراطورية بعيدة، أقامت الأسوار والقلاع وتلك المدينة النائية للذود عن حدودها من هجمات «البرابرة». ويأتي ذلك التعمد لتجنب تحديد مكان بعينه للأحداث أمرا متفهما ومبررا تماما في الفيلم، فسياسات الغزاة المستعمرين، أينما كانوا، هي السياسات ذاتها، ورؤيتهم الفوقية المتعالية لأنفسهم كبناة للحضارة وجالبين للتحضر هي الرؤية ذاتها، وتعاملهم الباطش المتجبر مع السكان الأصليين هو التعامل ذاته.
القاضي هو من نصبته حكومة الإمبراطورية البعيدة حاكما يحكم باسمها في هذه البقعة النائية. هو رجل تكاد السجون والمعتقلات أن تكون خاوية في عهده، وهو يحاول أن يتحرى العدل في تعاملاته. هو ذلك المفتون المولع بتاريخ هذه البقعة من الأرض وإرثها الثقافي، يجمع المخطوطات والحفريات الأثرية، ولكنه لا يستطيع أن يفك رموزها، أو ينفذ إلى جوهرها. هو كمن يحاول أن ينفذ إلى عقل وروح تلك الثقافة الأصلية، ولكنها تبقى موصدة أمامه لا تبوح له بأسرارها. يذكرنا القاضي أحيانا بأولئك الأثريين والرحالة الغربيين، الذين فتنتهم الحضارات والثقافات البعيدة في المشرق، ولكنهم رغم جمعهم لنفائس الآثار، لم ينفذوا إلى جوهر تلك الحضارات وروحها، أو ربما يمكننا القول إن تلك الحضارات العريقة العتيقة تأبى أن تبوح بأسرارها للآخر، ذلك الآخر الذي جاء غازيا أو جاء محاولا استكناه روحها.

الغزاة دوما يستبيحون الغير، ظنا منهم أنهم ينشرون الحضارة، ولكنهم يزولون ويبقى ما حاولوا فرض سطوتهم عليه. وتبقى أيضا رغبة البعض في العدل وفي فهم الآخر مهما استعصى عليهم فهمه

ذلك الهدوء الذي تنعم به تلك البلدة الحدودية وحاكمها يتبددان فجأة مع وصول الكولونيل جول (جوني ديب، في أداء يشبه أداء ديب المعتاد) وسط الجنود والعتاد والعسكر. جول هو عين الإمبراطوربة البعيدة، المتصيد لأي هجوم محتمل للبرابرة. نرى جول دوما مرتديا نظارات داكنة تخفي تعبيرات وجهه، نظارات يقول إنها تجنبه الأتربة والأنواء والرياح، ولكن ما يتبدى لنا هي أنها تحجبه الرؤية والبصيرة. جاء جول ورجاله على صهوة الخيل لتفكيك مؤامرة متخيلة يشنها البرابرة لتقويض حكم الإمبراطورية البعيدة لأراضيهم. يجيء جول مدعوما بمساعده الذي يقل عنه بطشا (روبرت باتيسون)، فيعيثون في الأرض فسادا وجورا وبطشا وقمعا.
يعتقلون من السكان الأصليين الكثير، حتى تغص بهم السجون، يعذبون ويبطشون للحصول على «الحقيقة»، حقيقة مؤامرة يقر العزل بأنهم يحيكونها تحت التعذيب والتنكيل والاغتصاب.
يجرد جول القاضي من سلطاته، ويبطش به لأنه يطالب بالعدل، ويتعاطف مع أهل البلدة في محنتهم. ويلح على القاضي في محنته وفي مشاهدته العاجزة للبطش، الذي يتعرض له السكان الأصليين ذلك السؤال الذي يلح علينا أيضا: ترى من هم البرابرة؟ أليسوا هؤلاء الجنود الذين ينهبون ويعذبون ويقهرون ويبطشون؟ أليس الغزاة ناشرو «الحضارة» هم الباغين الظالمين؟
يحنو القاضي على امرأة شابة من بنات السكان الأصليين الذين يقيمون في الصحراء خارج أسوار المدينة، بعد أن تعرضت للتنكيل والتعذيب والاعتداء على يد جول وجنوده. يعنى القاضي بها وبجراحها، ويفتن بها كما يفتن بالمخطوطات والقطع الأثرية التي يجمعها عن حضارتها، ولكنه لا يستطيع النفاذ إلى جوهرها أو إلى عقلها. يبقى جاهلا بمكنوناتها، حتى أنه لا يدري أن محاولاته للقرب الجسدي منها تثقلها وتؤذيها، ولا يدري أن محاولاته لتضميد جراحها تحملها من الدين المعنوي ما لا تريد أن تحمله.
اختار غيرا لأحداث الفيلم أن تدور على مدى عام، تقسمه فصول السنة المختلفة بمواسم طقسها المتباينة إلى فصول تكتب أسماؤها على الشاشة. تكثيف الأحداث لتدور دائرتها الكاملة على مدى عام يكثف التاريخ الإنساني ويعطينا الانطباع بأن الصراعات متعاقبة وأن البطش يزول فترات، ولكنه لا يلبث أن يعود. هناك دوما من يغزو ويعتدي ويتجبر، وهناك دوما من يبيد. الغزاة دوما يستبيحون الغير، ظنا منهم أنهم ينشرون الحضارة، ولكنهم يزولون ويبقى ما حاولوا فرض سطوتهم عليه. وتبقى أيضا رغبة البعض في العدل وفي فهم الآخر مهما استعصى عليهم فهمه، تلك الرغبة التي يمثلها القاضي الذي يؤدي دوره بإنسانية تدمي القلوب.. الكبير مارك ريلانس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية