في انتظار الحالة الصحية للأسير “عربيد”.. كيف غابت خلية “عين بوبين” عن عيون المخابرات الإسرائيلية؟

حجم الخط
0

إن كشف شبكة الجبهة الشعبية التي نفذت العملية في نبع داني (عين بوبين) هو تذكير مهم بأن الإرهاب الفلسطيني المنظم -وإن كان قمع- إلا أنه لا يزال حياً وقد يركل. فضلاً عن استيضاح مسألة ما الذي جعل رئيس الخلية سامر العربيد ينهار في أثناء التحقيق، ستكون المخابرات الإسرائيلية “الشاباك” مطالبة بأن تفحص كيف اختفت عن عيونها الشبكة الخطيرة هذه وكيف نجح العربيد، الذي اعتقل فور العملية، في تضليل محققي المخابرات والتحرر.

لسنوات طويلة، لم نرَ شبكة مع طاقة فتاكة كهذه للجبهة الشعبية، إحدى منظمات الإرهاب الفلسطينية الأقدم التي أسسها جورج حبش في الستينيات من القرن الماضي. في السبعينيات، بادرت المنظمة إلى سلسلة من العمليات القاسية، مثل مذبحة مطار بن غوريون (في حينه كان يسمى مطار اللد) واختطاف جريء للطائرات. هذه هي المنظمة التي نشأ فيها إرهابيون مثل كارلوس، وليلى خالد، وكوزو اكوموتو. هذه منظمة إرهابية كلاسيكية، صغيرة وسرية جداً، تتبنى أيديولوجيا علمانية – ماركسية. وقد عملت حتى اليوم وفقاً لمبادئ حرب العصابات التي وضعها ماو تسي تونغ – كل نشيط لا يعرف إلا مهمته ولا يعرف النشطاء الآخرين وما دورهم. رجال الجبهة الشعبية ممن صدف لي أن التقيتهم كانوا في معظمهم متعلمين جداً، بل ومثقفين. الأمر الذي لم ينقص من إجراميتهم. مع سقوط الاتحاد السوفييتي اندثر العنصر الماركسي في طبيعة المنظمة واحتلت محلها نزعة قومية متزمتة ترفض حتى اليوم اتفاقات أوسلو.

في 2001 صفت إسرائيل خليفة حبش، أبو علي مصطفى، بإطلاق الصواريخ نحو مكتبه في نابلس. وخلفه أحمد سعادات، الذي سارع بعمل ثأري إلى تصفية الوزير رحبعام زئيفي “غاندي”. اعتقله الفلسطينيون في البداية. وفي حملة للجيش الإسرائيلي ألقي القبض عليه ونقل إلى سجون إسرائيل.

إن التصفيات المركزة وصعود نجم الإرهاب الإسلامي من إنتاج حماس والجهاد الإسلامي دحرت المنظمة إلى الهوامش، رغم أنها لم تهجر قط طريق الإرهاب. في العقد الماضي انكشفت شبكة مقدسية اعتزمت اغتيال الحاخام عوفاديا يوسيف في حينه وشبكة أخرى اعتزمت المس بافيغدور ليبرمان. لقد كانت المنظمة ولا تزال موضع اهتمام الشاباك – المخابرات.

عيون الاستخبارات العسكرية

ورغم ذلك، نشأت في السنة الأخيرة في رام الله ومحيطها شبكة إرهاب ذات طاقة فتاكة اختبأت عن عيون الاستخبارات العسكرية. بعد وقت قصير من عملية العبوة في النبع تبين أن الجبهة الشعبية تقف خلفها، وفي الشاباك سارعوا إلى اعتقال العربيد، وهو نشيط كبير ومركزي في المنظمة. فهم الشاباك في حينه أنه شخصية أساسية، ولكن الشاباك لم يعرف بأنه كان مشاركاً شخصياً في العملية. اعتقل إدارياً، صمد في التحقيق، وفي ظل انعدام الأدلة ضده حررته المحكمة بعد عشرة أيام.

اعتقد العربيد على ما يبدو بأن باقي أعضاء الشبكة لن يسلموه، وعاد للسكن في بيته. لم يحاول الاختباء. وبعد مرور شهر فقط من التحقيق، انكسر أعضاء الخلية وكشفوا عن دور العربيد في القيادة وتشغل العبوة الفتاكة، حين كان يراقب المكان ورأى أنه يوشك على قتل فتاة. كما أنهم اعترفوا بوجود عبوة ناسفة أخرى لدى الخلية، ما جعل الحالة تحقيقاً لقنبلة موقوتة.

سارع مقاتلو وحدة “يمام” الخاصة إلى اعتراض العربيد وهو خارج بيته. لم يكن مسلحاً عند الاعتقال، ولكنه أبدى مقاومة. وعلى حد قول زوجته، استخدم المقاتلون ضده قوة شديدة. عندما نقل إلى منشأة الشاباك مر بفحص طبي، يبدو أنه لم يظهر الكسور التي وقعت له في عظام الصدر. خضع للتحقيق الأولي، وعرض على قاض لتمديد اعتقاله، وعندها أعيد للتحقيق، وفي أثنائه انهار.

قبل انهياره لم ينفِ العربيد التهم التي وجهت إليه. صحيح أنه لم يقدم اعترافاً مفصلاً، ولكن في ما تمكن من قوله كان مثابة نصف اعتراف بما هو منسوب إليه. بعد أقل من يوم من الاعتقال نقل على عجل في حالة خطيرة إلى مستشفى هداسا، مع كسور في الضلوع وفشل كلوي.

 المسؤولية الجنائية

منذ 1999 يعمل الشاباك في ضوء قرار محكمة العدل العليا التي منعت استخدام أي وسيلة جسدية ضد الخاضع للتحقيق. ومع ذلك، ترك القرار فسحة تعفي المحقق من المسؤولية الجنائية عن استخدام القوة الجسدية، في حالة عمله بـ “حماية الحاجة”، أي استخدم القوة كي ينقذ الحياة. في ضوء هذا القرار قرر الشاباك بأن كل استخدام لوسائل جسدية في أثناء التحقيق سيحصل على الإذن من المستوى الأعلى في الجهاز ويترافق والرقابة القضائية.

لم يوقف القرار في محكمة العدل العليا بشأن التعذيب استخدام الوسائل الجسدية في التحقيق، ولكنه جعله خاضعاً للرقابة أكثر. ويبقي الشاباك بتشدد الغموض حول هذه الوسائل، ولكن شهادات ثابتة ممن خضعوا للتحقيق تصف ربطاً أليماً، صفعات، صرخات في الأذنين وإيقاف أو إجلاس في وضعيات أليمة. استخدام هذه الوسائل ليس عفوياً ولا بصلاحية المحققين: كل صفعة وكل ربط أليم يحصل على إذن مسبق.

في السنة الماضي أضيفت للرقابة وسيلة أخرى: كاميرا منصوبة في غرفة التحقيق وتبث ما يجري هناك في الزمن الحقيقي. أما المحامي المشرف فيمكنه المجيء ومشاهدته في كل وقت، ولكن الكاميرا لا تسجل: إذا لم تكن مشاهدة في الزمن الحقيقي – فلا يمكن استعادة ما حصل في غرفة التحقيق.

منذ قرار المحكمة العليا بشأن التعذيب، مر في غرف التحقيق لدى الشاباك عشرات آلاف الفلسطينيين. في أثناء العقد الماضي، اعتبر المئات منهم “قنبلة موقوتة”، وفي السنوات الأخيرة انخفض هذا العدد إلى أفراد. نحو 4 – 5 في السنة. مثل هذه الحالة، يخرج فيها الخاضع للتحقيق في حالة خطيرة من غرفة التحقيق لم تحصل منذ أكثر من 15 سنة.

سيتعين على وحدة استيضاح شكاوى الخاضعين للتحقيق أن تفحص إذا كان وبأي قدر ضرب العربيد في أثناء الاعتقال وقبل التحقيق، وإذا ما كان المحققون قد خرجوا في أثناء التحقيق عن صلاحياتهم واستخدموا وسائل لم يؤذن بها مسبقاً. في ساعة كتابة هذه السطور، يبدو أن العربيد تجاوز الخطر، ويمكن للشاباك أن يتنفس الصعداء. فضلاً عن الضرر الذي لحق بتحقيق الحالة، فموت المعتقل في أثناء التحقيق قد يلحق بإسرائيل ضرراً شديداً، سواء في الساحة الدولة أم في الشارع الفلسطيني.

تختلف الحرب ضد الإرهاب جوهرياً عن مكافحة الجريمة الجنائية. وظيفة الشرطة الجنائية هي ردع المجرمين ومعاقبة من تعفن. وبالمقابل، فإن الوظيفة الأولى للشاباك هي منع وإحباط العمليات، أما إذا فشل ذلك فالإدانة. وعليه، لا يمكن فحص الأدوات التي تستخدم في الحرب ضد الإرهاب مثلما يتم مع أدوات التحقيق الشرطية. ومع ذلك لا يفترض بمن يخضع للتحقيق أن يتضرر بشدة في أثناء التحقيق. ولكن فضلاً عن مصير القاتل العربيد، سيتعين على الشاباك أن يفحص طرق عمله ضد الإرهاب.

قبل أربع سنوات فاجأتنا كلنا موجة إرهاب الأفراد، ولم يكن لدى الشاباك والجيش الأدوات التي تحذر من نية منفذ فرد وتسمح بإحباطه. ومنذ ذلك الحين، طورت أجهزة متطورة تنجح اليوم في إحباط الغالبية الساحقة من العمليات. ولكن محظور أن يتوجه كل الاهتمام في أجهزة الاستخبارات ضد أولئك الأفراد سيسمح لنمو متجدد لشبكات إرهابية منظمة.

بقلم: الون بن دافيد
معاريف 4/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية