في انتظار اللحظة

حجم الخط
1

هل هي لحظة تجل؟ أم هي لحظة لا تأتي إلا بعد تفكير عميق، أو هي لحظة نزقة تأتي خاطفة ليس لها علاقة بالتفكير، لحظة لها علاقة بالحالة النفسية والظروف المحيطة، وتأتي كردة فعل؟
من منا لم تأته تلك اللحظة المفصلية، الحاسمة التي يقرر فيها أن يتخلص من شيء عزيز عليه كان يحتفظ به؟ شيء يقتنيه منذ فترة طويلة؟
بعض الأشياء التي تكون معك وتملكها مهما كانت صغيرة كالكتب والمجلات والأشرطة والتذكارات الصغيرة، أو الصور الشخصية، أو كانت كبيرة كالمنازل أو السيارات أو المزرعة مثلا. تلك الأشياء تشعرها قريبة منك ملتصقة بك لدرجة الذوبان في شخصيتك وكأنها كيان منك، تكتسب سماتك، أو أنت تكتسب تلك السمات. تشعر بأنك لا تستطيع الفكاك منها، قد تكون كجلدك. كما قال مرة الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف عندما تحول من حاكم عسكري قائد انقلاب إلى حاكم مدني، وهو يخلع بذلته العسكرية قال «وأنا أخلع البذلة العسكرية شعرت وكأني أنزع جلدي من جسدي».
الأشياء مهما كانت، قد تجد بعض الأشخاص يرفضون التخلي عنها حتى لو كانت عديمة الفائدة، أو تالفة وغير صالحة للاستخدام. وقد يتحول ذلك إلى هوس فسره العلماء النفسيون بأنه مرض اضطراب الاكتناز القهري ويتطلب العلاج منه. الأخوان هومر ولانجلي كولير. وجد في منزلهما ما يقارب 25 ألف كتاب وصحيفة ومجلة، بالإضافة إلى أطنان من الأشياء الغريبة، أثاث تالف، صناديق نفايات، عربات تجرها الخيول، أقمشة، إطارات سيارات، خردة، أعضاء بشرية محفوظة في محاليل. وقد فسرت حالتهما بأنهما كانا يعانيان من اضطراب الاكتناز القهري.
في عام 1947 في منهاتن، وجد الأول ميتا تحت أطنان من الكتب والآخر مات جوعاً.
اقتناء الكتب بشكل مبالغ فيه، وتكديسها فوق الرفوف ودسّها في الأقبية، ليس لغرض شيء إلا لامتلاكها فقط، ما هو إلا نوع آخر من ذلك وقد يتحول إلى هوس ومرض نفسي يطلق العلماء على هذا النوع البيلومانيا Bibliomania وهي حالة يشعر فيها المصاب بالبهجة الخالصة عندما يكون في مكتبة، أو عندما يشاهد كتابا. ومن أشهر المصابين به هو السير توماس فيليبس حيث وجد معه ما صل إلى 160 ألف كتاب، وعندما توفي عام 1872 ظلت المزادات على تلك الكتب تقام لمئة سنة.

قد تشكل لك الأشياء الجميلة نقطة ضعف، لحظة ضغط عاطفي ونفسي كما يقول سيف الرحبي الشاعر العماني تشعل في نفسك حرائق في الأعماق وتعاني أرقا وضغطا نفسيا عميقا يشبه الهلوسة الكابوسية، لحظة درامية.. سينمائية.

وقد تصل بالمصاب بهذا النوع من المرض إلى سرقة الكتب بدون أن يشعر، كستيفن بلومبرغ عندما اكتشفوا عام 1990 سرقته ما يزيد عن 23 ألف كتاب ومخطوطة نادرة من المكتبات والمتاحف والمعارض، والتي تصل قيمتها إلى 5 ملايين دولار.
من تلك الحكايات، أتذكر أيضاً، بأنه كانت عند والدي مزرعة وكنا نطلق عليها اسم أم صبارة (لوجود شجرة صبار كثيفة وارفة الظلال، تتوسط المزرعة) أتذكر عندما كنا صغار، رغم أن المزرعة تبعد عن بيتنا مسافة طويلة ـ ما يقارب عشرة كيلومترات ـ وفي تلك الفترة طبعا لا وجود للسيارات إلا بشكل قليل، كنا نذهب للمزرعة يوميا منذ الصباح الباكر ولا نعود منها إلا في المساء، أما في وقت الصيف فالأمر يختلف إذ أننا ننتقل هناك ونسكن فترة الصيف كله في بيت سعفي يجهزه والدي ـ وهذه عادة يعرفها أهل الباطنة ـ وهي رحلة القيظ، رحلة صيفية في موسم الصيف، قد تستمر ثلاثة أشهر، تزيد أو تنقص بعض الشيء. ينتقل فيها أصحاب المزارع للسكن في المزرعة تبدأ منذ التباشير الأولى للرطب وتنتهي عندما ينتهي موسم القيظ وقد أكمل الناس تجفيف التمور ونضدها. في بدايات الشتاء، نعود إلى المنزل الدائم، تلك الرحلة كنا ننتظرها بفارغ الصبر، كانت كالحلم الذي نحلم به إلى أن يتحقق في فصل الصيف.
أحببنا تلك المزرعة أنا وإخوتي لدرجة العشق،، بالفعل كأن شيئا يلتصق بنا. رغم أننا كنا صغارا في السن لا نعي الحياة وتقلباتها، فقط نرى كل الأشياء جميلة بريئة. كم حزنا عندما باع والدي أم صبارة، رغم أن لا ندرك كيف بيعت ولا متى، لكن بعد فترة طويلة على ما أذكر عرفنا أن المزرعة بيعت. في الحقيقة لا نزال حتى اليوم نتذكرها، ولا تغيب عنا تلك الأيام الجميلة التي نقضيها هناك. لا نعلم حتى الآن كيف أتت تلك اللحظة التي تخلص فيها والدي من المزرعة.
من الأشياء الجميلة التي يحتفظ بها الإنسان تأتي الصور الشخصية في المقدمة.. الصور التي تلتقطها في لحظات حميمية من العمر، تعتقد بأنها هي الأخرى فترة عابرة لن تعود، وعليك أن توثقها وتعود إليها في أوقات تتذكر فيها وجوه الأصدقاء شاركوك خبز الحياة، شخوصا ووجوه شباب وأصدقاء الطفولة وعواطف وقصص غرام، أو للأماكن أو لأي شيء.
من منا لا يحتفظ بصور من أيام الصبا والشباب والدراسة، خصوصا إذا حالفك الحظ وضحكت لك الأيام، وكنت تنعم بالإقامة في دولة لغرض الدراسة. هناك فقط تزول كل الفروقات، تلك الصور تبقى وكأنها ثروة حقيقية تحتفظ بها، وقد يبالغ البعض في ابتداع طرق إخفاء مبتكرة عن الأعين إذا كانت تحوي بعض الأشياء تحتفظ فيها لنفسك.
قد تشكل لك الأشياء الجميلة نقطة ضعف، لحظة ضغط عاطفي ونفسي كما يقول سيف الرحبي الشاعر العماني تشعل في نفسك حرائق في الأعماق وتعاني أرقا وضغطا نفسيا عميقا يشبه الهلوسة الكابوسية، لحظة درامية.. سينمائية.. أهرع للمطبخ في ليل باريسي وأحرق ألبوم الصور وأجلس أتفرج على تلك الوجوه والأماكن والذكريات وهي تشتعل وتلتهمها النيران.
هل نثق بتلك التفسيرات العلمية التي تطلق؟ وكأننا وقد تحولنا كلنا إلى مضطربين ومهوسين بالأشياء. شخصيا اكتشف فجأة بأن هناك أشياء كثيرة أحتفظ بها ولا داعي لها. لكنني أعترف أيضاً عندما أنوي على التخلص منها ورميها، كأن نداء خفيا يحثني على ألا أفعل.. أعود بها في آخر لحظة وأتركها في مكانها، بل يمكن في مكان أفضل. ربما لم تأت لحظتها.
لكن في المقابل تأتي تلك اللحظة التي ترمي فيها بكل شيء معك وتعتقد أنه آن الأوان للتخلص منه. تلك اللحظات لا تأتي إلا بعد فترات طويلة. وإذا ما أتت يحب عليك أن تتصرف بسرعة وتحسم الأمر، لأنها لحظات عابرة خاطفة فإذا لم تقتنصها وتقبض عليها ستذهب عنك. وعليك الانتظار لفترة أخرى، ربما تطول، أو ربما ترحل ولن تأتي تلك اللحظة المتجلية.

٭ كاتب عماني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية