أجرى جهاز الأمن نقاشاً شاملاً لعدة ساعات حول الآثار المحتملة للضم في الضفة. ولم تدعَ إليه القيادة السياسية، ورئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع غانتس، إنما القيادة المهنية فقط، وقد شارك فيه رئيس الأركان أفيف كوخافي، ورئيس جهاز الأمن “الشاباك” نداف ارغمان، ومسؤولون من الجهازين. كان ينقص الصورة الاستخبارية المعروضة ذلك العنصر الحاسم: نوايا رئيس وزراء إسرائيل. يمكن لرؤساء جهاز الأمن أن يشبهوا أنفسهم بدوروتي، بطلة “ساحر بلاد عوتس”: فهم ينطلقون إلى مغامرة ليس لديهم فكرة بما سيحصل فيها وراء القوس.
المفاوضات الدائرة عن حجم الضم وموعده يديرها نتنياهو مع جارد كوشنير، صهر الرئيس ترامب والمسؤول في البيت الأبيض عن السياسة في الشرق الأوسط. كل شيء سري: نتنياهو يمتنع عن تبليغ رئيس الوزراء البديل، والكابينت، والحكومة، والكنيست، وجهاز الأمن، والجمهور. لا توجد دراسة تفصيلية، ولا خريطة للاطلاع عليها، باستثناء خريطة غير ملزمة نشرت في إطار خطة القرن لترامب.
لم يذكر نتنياهو إلا الموعد – الأول من تموز. يرى غانتس بهذا الموعد نقطة بداية لقصة طويلة، لا يعلم نهايتها إلا الله. مؤيدون ومعارضون في اليمين يرون فيه موعد نهاية، اليوم الذي يتضح فيه دور نتنياهو التاريخي، هل هو منشئ الدولة الفلسطينية أم ضحيتها.
حسب التقديرات التي طرحت في النقاش، ثمة عمل جم بانتظار ضباط الأركان في الجيش الإسرائيلي والمخابرات. ففي شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” سيتعين عليهم أن يفحصوا آثار الضم على اتفاق السلام مع الأردن وعلى استقرار المملكة؛ كيف سيؤثر الضم على خطوات إيران في سوريا، ولبنان وغزة؛ كيف سترد السعودية ودول الخليج؛ ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية؟ ماذا ستفعل حماس والجهاد في غزة. الضفة وغزة هما جبهتان: حتى اليوم، لم تتصد إسرائيل لكلتيهما في الوقت نفسه. يحتمل أن يكون هذا ما سيحصل كنتيجة للضم. والأساس: كيف سيرد الجمهور الفلسطيني، هل سيستأنف الإرهاب، وإذا كان “نعم”، فبأي حجم.
ستعمل قيادة المنطقة الوسطى والمنطقة الجنوبية على تقديراتها الخاصة، كل قيادة ومنطقتها. الضفة وغزة ستكونان في بؤرة تقدير جهاز الأمن العام – الشاباك. منسق الأعمال في المناطق سيقول هو أيضاً كلمته. وبالطبع، الموساد. وشعبة التخطيط ستعمل على عناصر الأمن، من الجدار والأسيجة حتى الطرق الالتفافية. خطط قديمة ستمتشق من الجوارير. ما الذي ينبغي عمله حتى بناء الجدار؛ وما العمل بعد ذلك.
شعبة العمليات ستعرض سيناريوهات وطرق عمل، أثمان بالقوى البشرية وأثمان بالميزانيات. هناك دائرتان زمنيتان تحتاجان إلى العناية. الأولى تبدأ بعد البيان الرسمي؛ والثانية موجودة هنا منذ اللحظة. في اللحظة التي ذكر فيها نتنياهو الموعد، تغيرت قواعد اللعب. أعلنت السلطة الفلسطينية عن وقف التنسيق الأمني. وكان رد الفعل الأولي استخفافياً: فهم يزيفون. تبين أنهم لا يقصدون ما يقولون. فقد أوقفوا التنسيق ورفضوا تلقي المال لدفع الرواتب. هذه مؤشرات مقلقة.
ومع ذلك، ثمة علامة استفهام تحوم فوق الآثار على الأرض. قبل بضعة أيام، أدخل الجيش الإسرائيلي مجموعة من الزوار إلى قبر يوسف في نابلس، وفقاً للاتفاق. كانت هذه تجربة، أدخلت كل المنظومة في حالة توتر. مرت الزيارة بسلام. هذا لا يعني الكثير بالنسبة لما سيحصل في المستقبل: العلاقات على الأرض تفحص كل يوم من جديد.
عند حلول اليوم، سيدعى رئيس الأركان ورئيس المخابرات لعرض تقديراتهما على الكابينت. وسيعرضان سلسلة طويلة من التوصيات. من السهل التخمين: التقديرات والتوصيات لن تعجب الوزراء الذين يؤيدون الضم. ستعرض سيناريوهات قاسية، متشائمة، متطرفة. المطالب المالية ستكون كبيرة. وسيتهم الوزراء جهاز الأمن بالجبن واليسروية. والأسوأ من هذا: بمحاولة إرضاء نوايا غانتس الخفية.
هذا سجل من مواجهة معروفة مسبقاً، حتى قبل أن يصدر عن هيئة الأركان تقدير واحد يدعو وزراء في الليكود إلى تجاهله. جهاز الأمن، مثل جهاز القضاء، مثل الشرطة، مثل الإعلام، يعتبر جهة مزعجة، وهدامة للاحتفالات. ونتنياهو لا يحب النذر السيئة، باستثناء كورونا.
رئيس بلدية سماريا
“ذات مرة، جلست في مكتب في القدس، ليس مهماً مكتب من”، يقول يوسي داغان، رئيس المجلس الإقليمي السامرة. “قالوا لي، الرئيس أوباما عدو إسرائيل. وعليه، فمحظور الصدام معه. بعد سنين جلست مرة أخرى في المكتب ذاته، وقالوا لي الرئيس ترامب محب إسرائيل، وعليه فمحظور الصدام معه”.
لم يعد داغان منذ اللحظة يدعى إلى المكتب إياه: فهو مقاطع. والمقاطعة تسهل عليه إدارة كفاحه ضد خطة الضم. هناك نقطة في الكفاح الذي يخوضه الآن داخل اليمين، ولا يكثرون الحديث عنها: تأثير داغان على المستوطنين في السامرة لا يقلق نتنياهو، وما يقلقه هو تأثير داغان وآخرين على مزاج الإفنجيليين في أمريكا. أحياناً يلتقي المحلي بالعالمي. يبدو هذا مهزوزاً، ولكن هكذا يسمع أيضاً رفيف أجنحة الفراشة التي تحدث الأعاصير.
للانتصار في انتخابات تشرين الثاني، يحتاج ترامب لدعم الإفنجيليين، فتصويتهم حيوي في الولايات المترددة، ولا سيما الجنوبية. في 2016 صوتوا له بجموعهم – ليس مؤكداً أن يفعلوا ذلك هذه المرة. الخميس الماضي، أمطرت الشرطة والجيش الغاز المسيل للدموع على الجماهير التي تظاهرت قانونياً أمام البيت الأبيض. وقد شقت هذه القوات الطريق لترامب الذي اجتاز الميدان سيراً على الأقدام، ووقف لتلتقط له صورة أمام الكنيسة، في محيط الميدان. امتشقت ابنته إيفانكا إنجيلاً من حقيبتها، فرفعه هو فوق رأسه ودعا، باسم القانون والنظام، لصد المتظاهرين في المدن الرئيسة في أمريكا للقوة. وكان الهدف هو التوجه إلى المخاوف والآراء المسبقة للمؤمنين على أنواعهم، وعلى رأسهم الإفنجيليون. أما النتيجة فكانت معاكسة: الكنائس الإفنجيلية هي التي نظمت المظاهرة الكبرى ضد ترامب، بعد ثلاثة أيام من ذلك.
باختصار، لم يعد بوسع ترامب أن يعتمد على تصويت الإفنجيليين، بمن فيهم أولئك الذين يعشقون بلاد إسرائيل ويستمعون للمستوطنين. وضع حساس. وعليه، فعندما انتقد رئيس مجلس “يشع” دافيد الحياني خطة ترامب، أرسل يريف لفين على الفور لمهاجمته بفظاظة. لقد سبق لترامب أن اتهم نتنياهو ذات مرة بالكذب. من يدري ما الذي سيغرد به هذه المرة.
داغان يدرك قوته، ويقول إن “الإفنجيليين يسمونني “رئيس بلدية سماريا”، بالنسبة لهم هذا أمر هائل”. وهو يطلب من نتنياهو أن يقفز عن ترامب وكوشنير ويقول: “لقد ضم أشكول شرقي القدس رغم الأمريكيين؛ وبيغن ضم الجولان رغم الأمريكيين. أما أن نقول إن كل خطوة نفعلها متعلقة بموافقة الأمريكيين، فهذا ليس صحيحاً وليس نزيهاً تجاههم في الوقت نفسه”.
وهو مقتنع بأن ثمن التوافق مع ترامب عالٍ جداً. “الثمن هو إقامة دولة إرهاب، 30 ألف نسمة سيتعفنون في بلدات منعزلة، وفي تجميد البناء”.
لديّ تقدير آخر بالنسبة لما سيحصل على الأرض إذا ما تحققت خطة نتنياهو: في المرحلة الأولى لن يحصل الكثير؛ في المرحلة الثانية سيقوم في الضفة نظام أبرتهايد؛ في المرحلة الثالثة، سينهار النظام. ولكن داغان يرى على نحو سليم ضعف نتنياهو تجاه الاعتراف الأمريكي. إسرائيل ازدهرت بدون اعتراف أمريكي بغربي القدس. نتنياهو يعول على أمريكا التي لم تكن، على أمريكا التي لن تكون.
يقول داغان إن “من يحاول أن يحبِك نزاعاً من مئة سنة بخيط واحد، يفشل. الشرق الأوسط يحتاج إلى طبخ بطيء. فهو ليس ماكدونالدز”.
كثيرون على قناعة بأن السعي إلى الضم يعبر عن رغبة نتنياهو في ترك أثر على التاريخ. أخيراً، يبحث الرجل عن إرث. ربما. المشكلة هي أنه لا يمكن لأي رئيس وزراء أن يقرر إرثه في حياته. بيغن اعتقد بأن التنظيم السري كان إرثه، فخرج له السلام مع مصر. رابين اعتقد بأن الانتصار في حرب الأيام الستة هو إرثه، فخرج له اتفاق أوسلو والاغتيال. ضم أم لا ضم، في النهاية سيتبين أن إرث نتنياهو هو ابنه.
بقلم: ناحوم برنياع
يديعوت 12/6/2020