أرنست همنغواي انتحر حين شعر بأن المرض قد تمدد، وأحس بأنه لن يقدم شيئا آخر في الكتابة، ولو قدر له أن يعيش في الجزائر الآن لغير رأيه، فهي بلاد الشيخوخة وحديقتها، لا يمرض فيها كهل ولا هرم ولا طاعن في السن، ولا يُساق إلى دار عجزة ولا أحد يسخر منه ولا من تقدمه المفرط في العمر، بل الجميع يحترم الشيوخ، وأحياناً يقدسونهم، ويمنحونهم ـ ما لا يحلمون به في بلدان أخرى ـ مناصب ومراكز قيادية، كي يحكموا العباد من ذكرياتهم، ومما عاشوه في ماضيهم، بحكم أن هؤلاء الشيوخ صرفوا النظر عن حاضرهم، ولا يمنون أنفسهم مستقبلاً، لذلك يبقى لهم الماضي دليلاً في التفكير، وسبباً للتأكيد على أحقيتهم في الحكم. إن كل فاقد لملذات الحياة، كما حصل مع همنغواي في نهايته، سيجد في الجزائر ما يبحث عنه ليبعث أمله في العيش.
في الجزائر، يمكن أن ننتقل من الطفولة إلى الشيخوخة، ونحرق المراحل، بدون الحاجة للمرور بسلم الأعمار المتفق عليه. فما أن يبلغ الفرد أشده، وينتقل من اللعب بالتراب إلى الاستماع إلى الأخبار حتى يشعر بأنه شاخ. كل نشرات الأخبار لا تمل من تكرار صور شيوخ، في افتتاحياتها؛ شيوخ نكاد نحفظ أسماءهم، من كثرة مشاهدة صورهم تتكرر وتتوالى منذ سنين. أولئك الشيوخ هو الذين يفكرون بدل الشباب، ويعملون بدلهم، هم الذين يحافظون على استقرار الاقتصاد وُيدافعون عن الممتلكات الثورية والثقافية، بينما الشباب لا شغل لهم سوى التفكير في الهجرة غير الشرعية، وتلطيخ سمعة البلد في الخارج، أو قطع الطرقات. ففي الجزائر، نملك وزارة للمجاهدين، لأولئك المناضلين الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي، قبل أكثر من نصف قرن، منهم من قضى نحبه ومنهم من بلغ أرذل العمر، ونستأنس برأيهم في كل أمر، وأحياناً لا نتحرك بدون إذن منهم، فماذا يمنعنا من أن نؤسس وزارة للشيوخ؟ فنحن في بلد لا يقول للعاجز إنه عاجز، بل يهبه احتراماً وتقديراً ومراتب ووظائف ووزارات، لذلك فإن غالبية أولي الحل والعقد في البلد هم من الطاعنين في السن، من أولئك الذين تجاوزوا السبعين، الذين بدلوا أن يخوضوا معركتهم ضد الموت، ويتهيؤوا لها، كما تحتمه عليهم قوانين الطبيعة، يخوضون معركة ضد الأحياء، يبتكرون أسباب يأس لكل من يعارضهم ويصغرهم سناً، ويدحرجون الشباب إلى أسفل السلم، لكي يطلّوا عليهم، وهم يضحكون، من أعلى.
من محاسن العيش في الجزائر أن الطب يتواطأ مع الشيوخ، ولا يكشف عورتهم، حيث أنهم يظهرون دائماً في التلفزيون، وعلى أغلفة الصحف والمجلات في صحة جيدة، بوجوه مبتسمة ومشعة، على عكس الشباب، الذين يظهرون غالباً في صور دامية.
من محاسن العيش في الجزائر أن الطب يتواطأ مع الشيوخ، ولا يكشف عورتهم، حيث أنهم يظهرون دائماً في التلفزيون، وعلى أغلفة الصحف والمجلات في صحة جيدة، بوجوه مبتسمة ومشعة، على عكس الشباب، الذين يظهرون غالباً في صور دامية، وهم يخرجون من ملعب كرة، أو في حالة متردية، وهم ينجون من قارب متهالك ضل طريقه ولم يصل إلى سواحل إسبانيا. لقد تحسن متوسط العمر في الجزائر، وتجاوز عتبة 76 سنة، متفوقة في ذلك على شقيقتيها تونس والمغرب، لكن ارتفاع أمل العيش في الجزائر، لا يعني أن البلد في صحة جيدة، فهو يُعاني من أمراض كثيرة ومتزايدة، لكن الشيوخ لا يشعرون بها، فهم محصنون بفضل الرعاية الكريمة من مستشفيات فرنسية، بل يعاني من تلك الأمراض فقط الشباب، لذلك نجد أنهم يكبرون سريعاً، يهرمون وهم ينتظرون أن تمطر معجزات، وغالبا ما يتمنون أن يصيروا شيوخاَ في أقرب وقت ممكن، كي يتمتعوا بالخيرات والحسنات التي ينعم بها كبار السن.
لن يستطيع الجزائري أن يبحث عن السعادة في داخله، كما تعلم في المدرسة من كتب الحكم والأمثال، بل عليه أن ينتظر بلوغ ما بعد الستين، إن رأفت بحاله الأمراض والأوبئة ولدغات الأفاعي والعقارب، وحينها يمكن له أن يخطط لمستقبله، وأن يستقل بحياته، ويبحث عن شكل السعادة الذي يناسبه. هكذا تصير للشيخوخة ميزتها، تُعيد لصاحبها براءته وتنشط ذاكرته. هي شيخوخة رحيمة لا تعكرها مطبات، بل في الغالب ترافقها نجاحات، فعلى الرغم من أن البلد ذو غالبية سكانية من شباب ـ كما تشهد بذلك الإحصاءات ـ فإن السبب في كثرتهم هو وجود شيوخ يسهرون على تكاثرهم، لهذا فللشيخوخة أيضاً مكارم، هي سقف يحمينا، سماء تسمع أصواتنا ودعاءنا، هي سن متقدمة، ولكنها أقرب إلى فهم الشباب منها إلى الانزلاق نحو الخاتمة، هي مرحلة عمرية ينتصر فيها صاحبها على خصومه، ثم لا يرون حرجاً بعد ذلك أن يحكمهم مادام أنه سبقهم في السن وأفلت من ملاك الموت.
حين نرى أن الجزائر بلد محكوم بالصدامات والخلافات، فالسبب واضح هو ذلك الصدام بين تعداد شبابي كبير، يفتقد للحكمة والرصانة، ولا يهمه سوى إثارة المتاعب.
نتفق مع جان بول سارتر حين كتب أننا لا نموت من الشيخوخة، بل نشيخ في انتظار الموت، لذلك فإن الشيوخ لا يموتون في الجزائر، بل يزدادون طراوة ونضارة وضراوة، بينما الشباب يموتون وهم يشاهدونهم يتبادلون المناصب والرتب والتشريفات. وبما أن الجزائر بلد ذكوري، فنعم الشيخوخة تعم الرجال منهم لا النساء، اللواتي لا نجد لهن أثراً إلا في الطوابق السفلى من الحكم، فالمرأة لا تُسارع في كسب أعمار متقدمة، بل تهتم بالإبقاء على شبابها، لذلك تضيّع على نفسها مكاسب سياسية وحظوة اجتماعية، وتفسح المجال للذكور كي يواصلوا حصد النجاحات، وقد تجاوزوا العقد السابع من أعمارهم. نشقى ونحن نبحث عن السعادة، وننسى أنه يمكننا أن نبتكرها، ولكي نحوز سببا لابتكارها لا بد أن ننتبه إلى شكلنا وعمرنا وعدد التجاعيد على وجوهنا، التي كلما زادت ارتفعت معها حظوظ الفرح والبهجة. وقد نصدق نيتشه يوم كتب أن «السعادة امرأة» بينما الأمر الآن قد اختلف وصارت السعادة شيخوخة، وستكون شيخوخة سعيدة إذا تمكن صاحبها من تكديس أكبر قدر ممكن من الذكريات، قصد استثمارها في تسيير أمور الشباب والسيطرة عليهم وتوجيههم وتسيير نزواتهم، وحين نرى أن الجزائر بلد محكوم بالصدامات والخلافات، فالسبب واضح هو ذلك الصدام بين تعداد شبابي كبير، يفتقد للحكمة والرصانة، ولا يهمه سوى إثارة المتاعب، يُقابله شيوخ، في الأعلى، في كامل نضجهم يحكمون، ويعطفون على بلد الغاز والبترول، ما يخلق تضاداً يكلف مضيعة وقت. ولكن في الأخير، الشيوخ هم من ينتصرون كما علمتنا السنوات الماضية.
٭ روائي وصحافي جزائري