همنغواي الروسي: أيقونة جيلٍ يبحث عن الحرية

أسلوب جديد

كان ظهور إرنست همنغواي في الأدب العالمي إيذانا ببدء أسلوب كتابة غير مسبوق. فقد أزيحت الجمل الطويلةَ المزخرفةَ التي كانت سائدة، وحلت محلها عبارات قصيرة دقيقة، لكنها ذات وقع فني عميق. في عالم الأدب المزدحم والمخنوق، بدا الكاتب الأمريكي بمثابة نسمة من الهواء النقي. ولم يكن الأمر مجرد شخصيات تتكلم على الورق، بل أفرادا أحياء من لحم ودم. في الوقت نفسه، كان أبطال كتبه، رجالا كانوا أم نساء، مقنعين بالقدر نفسه. كان الناس يتعرفون فيهم على أنفسهم. وهكذا أرسى صاحب هذا النهج توجها سرعان ما تبنّاه كثير من الكُتّاب.
أضفى هذا الأسلوب الجديد دلالاتٍ ضمنيةٍ على أحاديث الحياة اليومية، مشجعا القارئ على التفكير والتأمل، بدلا من اعتبار السرد أمرا مسلما به. بمعنى آخر، ارتقى بالقارئ إلى مستوى المؤلف المشارك، فاتحا آفاقا واسعة للتأويل، لذا لم يكن غريبا أن تصبح أعماله مادة أساسية في دورات تعلم فنون الكتابة الإبداعية، وتمهّد الطريق لعصر المدوّنات الإلكترونية التي تحتاج نصوصا موجزة نابضة بالحياة.
في الولايات المتحدة، يُعدّ سيد الأسلوب الجديد أحد أعمدة الأدب الوطني، كاتبا جدّد لغة السرد، وترك أثرا عالميا عميقا. تُستعاد سيرته في أفلامٍ ووثائقيات، وتُلهم أعماله القصص والسيناريوهات، وتُنشر باستمرار المذكرات والدراسات التي تستكشف حياته وإبداعه. مع ذلك، لم يصبح في وطنه «قدوة جماهيرية « بالمعنى الذي بلغه في الاتحاد السوفييتي في الستينيات من القرن الماضي، حيث ارتقى إلى مصاف أيقونة ثقافية وقدوة.

حضور بلا جسد

لم تطأ قدما همنغواي أرض الاتحاد السوفيتي قط. مع أنه كتب في عام 1935 إلى إيفان كاشكين مترجم أعماله إلى الروسية: «سآتي إلى موسكو، وسنختار أناسا تعرف خفايا النبيذ، وننفق أجري على الشراب». ثم عاد في 1939 يؤكد شوقه: «أرغب بشدة في رؤيتك وزيارة الاتحاد السوفيتي». وفي السنوات الأخيرة من حياته، كان يفضي إلى صحافيين روس قصَدوه في كوبا بأنه سيجيء ذات يوم، لا كسائح أو ضمن وفد أو كضيف شرف، بل ليزور الأصدقاء ويخرج للصيد ويمارس هواية صيد السمك. لكن ذلك الموعد ظلّ وعدا مؤجَّلا لم يتحقق، غير أن كتبه، والأسطورة التي نسجت حوله، ورؤيته للعالم، مُجسّدة في رؤية عالمية جديدة، وصلت إلى الإتحاد السوفييتي وبقيت.

أيقونة أمريكية في قلب موسكو

على مدى خمسين عاما، نُشرت أعمال همنغواي في الاتحاد السوفييتي، ثم حُجبت، قدّس اسمه ثم هوجم، مُدِح ثم خاب الأمل فيه. إن تاريخ العلاقة معه، الحافل بالمنعطفات الحادة، وأحيانا بالسخرية المريرة، مرتبط أشد الارتباط بتاريخ المجتمع السوفييتي ووعيه الذاتي وأدبه. وهو أيضا جزء لا يتجزأ من سيرة الجيل الستيني إبّان مرحلة «ذوبان الجليد». حظيت أعماله المترجمة بشعبية واسعة في الاتحاد السوفييتي خلال ثلاثينيات القرن العشرين، إذ رأت فيه الحكومة حليفا محتملا يمكن استقطابه لدعم التجربة السوفييتية. غير أن تأثيره الأعمق لم يتبلور إلا في ستينيات ذلك القرن، حين غدا رمزا للثقافة المضادّة، ومثالا أمريكيا للحرية الفردية. فبعد أن رحّب به الاتحاد السوفييتي أول الأمر لأسباب سياسية واجتماعية، ولاسيما بسبب مناهضته للفاشية، اكتشف لاحقا أن الكاتب بات يجسّد قيما كالحرية الشخصية والاستقلال الداخلي، وهي قيم طالما تاق إليها المواطنون السوفييت، ما جعل صورته تهزّ الأسس الأيديولوجية التي كانت تمجّد الجماعية.
كان هذا الكاتب الأمريكي الممثِّل الحقيقي لأمريكا في الاتحاد السوفييتي، رجلا لم يعش هناك قط، فقد فضّل إسبانيا وكوبا صراحة على موطنه إلينوي، ومصارعة الثيران على سباقات السيارات، وكان أكثر ولعا بالصيد من اهتمامه بالانتخابات الرئاسية. وقد غدا في نظر القرّاء السوفييت «الأمريكي الأول» في تاريخهم الثقافي؛ ففي مؤلفاته وحدها وجدوا المُثُل والقيم التي شكّلت رؤية جيلٍ كاملٍ للعالم.
لم يكن صاحب أسلوب الجبل الجليدي ليتنبأ بأن القرّاء الروس سيقلبون «الجبل العائم» الشهير بفرحٍ، متجاهلين الجزء الظاهر فوق الماء ليجدوا في عمق النص ما يتجاوب مع تطلعاتهم الخاصة. ترك صاحب هذا الأسلوب أثرا عميقا في النثر الروسي الحديث، إذ سعى إلى التخلّص من الحَبكة التقليدية، وهو ما انعكس في أسلوب بعض أدباء جيل الستينيات الروس مثل يوري كازاكوف وفاسيلي شيشكين.

تأثير يتجاوز النصوص

احتفظ جيل الستينيات ببيئة الكاتب الأمريكي وأسلوبه. لم يكونوا مهتمين بمحتوى الحوارات بقدر اهتمامهم بشكلها، ولا بجوهر الصراعات، بل برؤية الكاتب لها. بالنسبة إليهم، لم يكن الحائز جائزة نوبل عام 1954 موجودا ليُقرأ فحسب، بل كطريقة لإدراك الحياة التي عاشها. يمكن تقليد هذه الأشكال، ودمج سياقاتهم الخاصة فيها. لم يترجم الستينيون كتبه إلى الروسية بقدر ما ترجموا أسلوب حياته. ومع ذلك، تعاملوا مع الكاتب بجرأة وحرية لا يبررها إلا حبهم الجارف له. كان على كل من عاش في الستينيات في روسيا أن يأخذ في الحسبان صورة «همنغواي الروسي» المثالي. كانت عالميته حاضرة بقوة بحيث لا يمكن تجاهل تأثيره، سواء بالخضوع لها أو مقاومتها أو حتى محاولة تجاهلها.
بدأ تقليد همنغواي بالمظهر. لم تكتفِ الموضة التي ارتبطت به بقائمة من الإكسسوارات: سترة خشنة، لحية، قصة شعر نصف عسكرية ونصف رياضية. كانت جميعها مرغوبة، لكنها لم تكن الجوهر. فالأهم من ذلك بكثير كان تلك اللامبالاة المتعمَّدة بالمظهر. كان رفض البدلة القياسية يدل على تجاهل المظهر الخارجي. استبعد منظومة القيم عند هذا الكاتب النظرة الاحتفالية إلى الحياة. كان من الأسهل العيش بشكل غير رسمي في سترة صوفية منه في سترة قياسية. حتى خروتشوف فضل قميصا أوكرانيا فضفاضا على البدلة الرسمية. لم تقلد الموضة صورة الكاتب الأمريكي الشهير، بقدر ما قلدت المحتوى الداخلي لمثله الأعلى؛ لم تقلد المظهر، بل قلدت الموقف تجاه المظهر. هذا هو سبب ندرة ربطات العنق في خزائن جيل الستينيات. بالنسبة إليهم، كانت هذه القطعة البريئة من الملابس، رمزا للاستسلام. لم يكن من قبيل المصادفة أن تقليد أسلوب حياة الكاتب الذي بدأ بالملابس، كان في جوهره موقفا جديدا تجاه العالم المادي. ويمكننا القول، إن الاستخفاف بالقيم المادية والروحية على حدّ سواء، هو مفتاح ذلك الذوق الغريب الذي كان الستينيون أسرى له.
في نهاية المطاف، انحصرت غاية هذه المظاهر في التواصل، فالموقف الصحيح تجاه الحياة كان بمثابة كلمة سرّ يُمكّن المرء من تمييز نفسه وسط حشد من الغرباء. في رواية «فييستا» (ويُعرف عنوانها أيضا بـ«الشمس تشرق أيضا») حين تشرح براد آشلي لجيك بارنز جمال الكونت اليوناني، كررت شيئا واحدا فقط: «لكنه واحد منا، واحد منا تماما، يمكنك أن تكتشف ذلك من النظرة الأولى».
إن رفض الجدية يعني ضمنا محاربة الزيف والخداع والكلمات المنمقة. أصبحت الأكاذيب – من الرسمية إلى الخاصة – العدو الرئيسي لجيل الستينيات الروس. «الحقيقة إله الإنسان الحر». هذا الشعار الغوركي، جرى إسقاطه على شعرية همنغواي. فالحقيقة هي ما كان يُقصد به المظهر الخشن والمادية الفجّة في الأسلوب الجديد. لقد علّمت «مدرسة الإيحاء» أو الدلالة الضمنية الدرس الأهم: لكي تقول الحقيقة، ينبغي أن تصمت عنها، أو على الأقل أن تتحدث عنها بفظاظة. كان لا بد من وجود الإيحاء (المعنى الضمني) أيضا، لأن جوهر الحقيقة الجديدة قد حجبه الضباب. ومع ذلك، كانت حقيقة رائد «الاقتصاد في التعبير” والعمق المضمَر فضفاضة؛ فأسلوبه قدّم طريقة عيشٍ تُظهِر الكذب بوضوح، في ما تُبقي الحقيقة مجرد تلميح. الحقيقة، كغيرها الكثير، بقيت ضمنية. بمجرد أن تُقال، تصبح كذبة. هذه الأخلاق، المبنية على مُثُل سلبية، أتاحت حرية هائلة في المناورة؛ وبفضلها، وحّد المجتمع أكثر الناس تنوعا. وهذا تحديدا هو سبب تنوع مصائر جيل الستينيات الروس، الذي كان يوما ما جماعة متجانسة.

رمز جنسي

وفي الوفت نفسه غدا همنغواي رمزا جنسيا لمئات الآلاف من النساء الروسيات ونموذجا للرجولة في أعين الرجال. عُلّقت صوره في البيوت والمقاهي في الستينيات والسبعينيات، وتسابقت دور النشر إلى إصدار المجموعات الكاملة. من أعماله. أحبّه الناس بإخلاص. وما سرّ هذا الحب؟ أظن أنّ السبب مزدوج: فمن جهة، كان نثره يتناغم بذكاء مع الرومانسية السوفييتية، مع أجواء الرحلات والمخيّمات، ومع غناء الأصدقاء الجماعي حول نار المخيم في الغابة. ومن جهة أخرى، بدت رواياته وقصصه كأنها نسخة مطوّرة من الأدب الواقعي، عن أبطال أقوياء شجعان يواجهون الفاشيين والمصاعب والكآبة، وعن نساء ساحرات يساندْنهم» (بصحبة كأس الموهيتو أو الويسكي) في هذا الصراع الشاق. كان الكاتب الأمريكي يكتب عن عالم آخر، بعيد عن متناول القارئ السوفييتي، مقاهٍ باريسية، سهوب افريقية، وتلال كليمنجارو. «معه كان من الرائع أن أنسى نفسي، وأن أضيع في رحلة عجيبة بعيدا عن الروتين»، كما غنّى الشاعر بولات أوكوجافا، أحد الوجوه المحبوبة لدى الجمهور في تلك المرحلة.

تحليل ظاهرة همنغواي الروسي

إن شعبية همنغواي في الاتحاد السوفييتي لا تقارن بأي كاتب آخر، سواء كان روسيا أم أجنبيا. ما هذه الظاهرة الاستثنائية؟ لم يُنظر إليه في الإتحاد السوفييتي ككاتبٍ بارزٍ ورجلٍ ذي سيرةٍ بطوليةٍ فحسب، بل كرمزٍ تسلل إلى مجالات الحياة الإنسانية الأخلاقية والجمالية واليومية. حتى إن شعراء كبارا أهدوه قصائدهم، وكتب أدباء معروفون قصصا عنه. فما الذي أسرهم وأعجبهم في هذا الكاتب الأجنبي؟
رأى فيه القراء والأدباء الروس رجلا حقيقيا، بطلا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نصيرا للضعفاء ومدافعا عنهم. أبطال همنغواي غدوا مثالا يُحتذى للمثقفين الروس. فانعكست فيهم صورة الفارس النبيل الذي تحلم به كل امرأة. رجلٌ يمدّ يد العون، يقف سندا، وينقذ في اللحظة الحرجة. لكن السؤال الذي ظلّ يتردّد: ما الذي جعله بطلا استثنائيا، لا مجرد رجل قوي متفهّم يتسامح مع هشاشة النساء؟ في مخيلة الروس كان بطل همنغواي يتجاوز حدود القوة الظاهرة، إلى بطولةٍ ذات بريق خاص. لقد اتخذ حبّهم له طابعا رومانسيا عميقا. وعاشت العلاقة بين المجتمع الروسي والكاتب الأمريكي الكبير فصولا عاصفة ودرامية، صعودا وهبوطا، حتى جاءت السبعينيات لتشهد بدايات انحسار ذلك الشغف وتراجع وهج تلك الصلة المتقلبة.
يقول سيرغي دوفلاتوف: «عندما غزا همنغواي المجلات ودور النشر والسينما، بدأ المجتمع يفقد شغفه بمثله الأعلى. لم يعد حبه شخصيا وحميميا وشبه محظور، بل أصبح عاما ومباحا، أليس هذا دليلا أكيدا على تلاشي المشاعر؟ يبدو أنه بنى جسرا للقارئ السوفييتي من فن الواقعية الاجتماعية الاحتفالي والبسيط، إلى خيالات كافكا وأورويل، إلى اكتشافات بيردييف وليونتييف وسولوفيوف، مانحا جيلنا مُثُلا بسيطة وسهلة المنال، وليس ذنب همنغواي أن هذه المُثُل اتضح أنها هشة للغاية، وأن الواقع السوفييتي تطلب منا الإصرار والعزم على الوصول إلى الأهداف، ودفعنا إلى تفكير أكثر جدية. لم يكن قدوة فحسب، بل أحبّه الكثيرون وحرصوا على الالتزام بمبادئه، أعني مبادئ الحب والصداقة. هذه المبادئ لا ينبغي لها أن تزول ولن تزول».
كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية