في تجربة العراقي علي فرحان… النصّ الشعري من الرؤيّة إلى التأسيس

حجم الخط
0

يتّصف القول الشعري بأنّه وضع عقلي ممتزج بمادة تخيّلية، وهو من هنا يتأسس برؤى تتعامل مع اللغة تعاملاً خاصّا بوصفها وحدة اتصال موجَّه من جهة، ووسيلة إفصاح لمدركات غير متناهية في عوالم التعبير والتأثير والإفهام من أخرى، بما يحقق خصوصيّة التشكيل الفنّي للنّص الشعري، وخصوصيّة في جوانب الاستقراء والتلقي، وإذا كان الأسلوب هو الرّجل أو الأديب، فإنّ الشعر هو الشاعر، أي أنّ الشعر عملية بثّ اللغة بأدوات المخيّلة التي يمتلكها الشاعر، والتي تشكلت في فهمه للشعر نصاً إبداعيّا، ومن هذا المدخل تتبنّى هذه المقالة تأشير أهم أسس بناء النصّ الشعري في أمثلة من منجز الشاعر علي فرحان بعد استقراء ديوانيْ «قاتل مجهول» «المسّدس أول القتلى».
يمتلك الشاعر علي فرحان رؤيته الخاصة في تنميط نصوصه الشعرية بقيم جمالية وثقافية قد تبدو مفهومهةً أدواتها، غير أنّ هذه الأدوات لا تبرُز بوصفها وحدات تتشكّل من خلالها القصيدة وحسب، بل زيادة على ذلك تبرز مشحونة بفاعلية التوصيل والاختزال والتكثيف، الذي يستند إلى البعد التوظيفي لمؤثرات الخطاب الإبداعي ضمن تجريد العبارة من سطحيات الاستدلال، متجهة نحو علاماتية المعالقة والمفارقة في آن، ليضعنا الشاعر أمام كتابةٍ تؤسّس للمعنى الشعري داخل النّص المقروء وخارجه، فتزيل مركزيّة الإشارة اللغوية، متجهة نحو اشتغال المدّلولات بدينامية انزياحية، تشتمل على مستويات الذات الشاعرة والموقف القرائي، فيتشكل المحتوى النصي بفاعلية مقرونا بحساسية المعنى العلائقي، لنقف عند: قصيدة (قاتل مجهول) إذ تتشكل البنية الشعرية بوسائط الوصف السينمي (اللقطات) فيهيئ الذهن لاستقبال مشاهد تجعل من النسق التتابعي كثافة بنائية لعرض المعنى، الذي يتسلّل بوتيرة سردية متدرجة، تستند حينا إلى فاعلية المشابهة وآخر إلى الكناية بوصفهما تراكيب تشتغل على مؤثرات الذهنية في توالد المعاني وتداعيها، يقول:
غيم كثيفٌ، والسماء خفيضة جداً
أجراس على سور القصيدة
والمِدى حُبلى بميْتات
غفا رسم البلاد على جدار الصبر
وأوغلت في النّوم أعراس
نمت دفلى وحلفى وارتمى في الحقل
خنزير كسول
وتلكم الأنهر خرساء
والأشجار يفضحها انفضاض الأخضر الزاهي

إذ يتشكّل أسى الأوطان بدوال توالديّة تكسب النص وظيفة تواصلية، تمتدّ نحو المتلقي بمجالات دلالية مشفّرة تحمل مدلولات جديدة، كلّما اتّسع مجال القراءة بالإفادة من قرائن السياق ومقام الإحالة، فالشاعر يعمل على بثّ توجّعه بفاعلية المقومات الشّعرية من خلال بعدين: لغوي إيحائي، ووصفي ذهني، وكلاهما يعملان على تكاملية وصفيّة، وفق الحدود البنائية لقصيدة قائمة على حضور مشخّص لذات الشاعر، لتتحرك على مستوى حضور المهيمن البؤري للمعاني التي تستقطب الذهنية بما يناسب تشكيلها داخل القصيدة، وهذه الخاصية تحيل على استدعاء عوالم خارجية يختبئ خلفها موقف الشاعر، وتتحدث شعرية الصورة في حيزها التأليفي، وهذا النمط الكتابي يمثل وجهاً جديداً من أوجه التحول في أنظمة الكتابة الشعرية في القصيدة العراقية المعاصرة، بأنساقها ومادتها الفنية المعبّرة عن الذّات وقد أصبحت مرجعية أولى للقصيدة، فهي بنية ينفذ من خلالها المنحى الذّاتي المرتبط بفعل التحول التصويري إلى مقاصد المعنى، فتهيئ لممارسة إجرائية لمادة إحالية مقروءة موسومة بالتعقيد العلائقي، وهذه الكتابة تُنبئ بحالة اختزال ملامح التنميط الكلاسيكي، الذي ألِفَهُ الدّرس النّقدي في عملية الرّصد والتحليل، محقّقةً مثالية في تشكيل الرؤية الشعرية وتأسيس البنية الدلالية، فنحن هنا ازاء شكل شعري يمكن سمته ببنية (المحتوى الذهني) التي تجعل من المعنى موضوعا استنباطيا يكتسب أبعاده التفسيرية من فضائه النصي، ونسق التكوين الأدبي المتشكّل برؤى لا تعتمد على أدوات القول الشعري الموصوفة بالثبات الإحالي للمعنى، بل رؤية تتّصف بالتحولات المستمرة والتوالد الدلالي، كلما سنحت فرصة لقراءة جديدة، وتصورات كلية ضمن وحدات تشكُّل النّص، الذي بدأ ينهض بعلاقات أسلوبيّة مغايرة عن الأبنية القائمة خارج النص، التي لا تسمح بالمحدودية في مجال التلقي، منطلقة من كونها بنية (مفتوحة) لصياغات دلالية تحقق وظائف تنتظم ضمن مقاطع متوالية وفقرات متراكبة أفقياً قابلة لتشكيل معادل دلالي وتوارد صوري جديد، فتُرتسم الملامح الفنية للنص الشعري عبر القراءة الاستنباطية، ففي قصيدة (طحين العصافير) مثلا، يتشكل هذا البناء الشعري حين يقول:
ندق مساميرنا في الفراغ ونبكي
أيا وطني أين جدران أرواحنا؟

إذ ينشأ داخل النص أفق خاص تتجلى ضمن حيزه مجموعة من الدلالات التي تبديها القراءات التحليلية للمكونات الأسلوبية أو البنائية، لتمثل شبكةً استعاريةً ورمزيةً تدفع المتلقي لاستحضار هالة استدلالية تسير بتواز مع بنية الخطاب التكوينية، أو المضمونية، لتمارس في عملية القراءة استدلالات تواردية تنتقل من خطاب الذات إلى الغنائية الجمعية، ليأخذ النص مؤشراً جماليا يحدد طابعه الفكري المكثّف، يدرك المتلقي أبعاده حين يتمثّله في ذهنه، فيلاحظ أنّ إسهام بنيتي النداء والاستفهام، توظَّف كآلية وسطية لبثّ الشعور بتلاشي الحياة، حين تمثّل بعملية غرس المسمار في الهواء، كما في هذه الترسيمة التي توضح مداخل المحتوى التواردي:
مساميرنا المستقبل، الأمل، نور الأرض
الفراغ التبدد، التلاشي، الوطن
جدران أرواحنا المستقر، المنعة، حق العيش

ليبقى هذا التساؤل صرخة تحمل ملامح التجربة الإنسانية إذ اللاجواب واللامعرفة، فكيان الشمس، الأرض، الماء، الهواء، الضوء.. صارت لها دلالات ومسميات تتحرك ضمن موقف الشخصية في جوهرها التكويني، وهي في حقيقتها مرتبطة بالموقف الحسي والنفسي الجمعي، ما يعني أننا نقف عند بناء شعري متحوّل، ضمن متوالية بنائية في عملية تشكيل القصيدة التي بدت شكلاً مزدوجا من العلامات والتصورات، والشاعر يرصد ذلك التماثل فيلبس تجربته قناع المعاني وينطلق من أزمة الحاضر (الجمعي) مستعيرا الذوات الخارجية التي ترصد المعاني وتسعير أبعادها لتبقى صورة الوطن وملامحه مضمومنا موجعاً يرصده المتلقي شعرا على الورقة، ما يعني أن الخطاب الشعري بدا متمثلاً بفاعلية الذات المشحونة بهواجس غير متناهية، وتشكلات تسمح بتعدد التفسيرات والتأويلات، وتنوع دوائر التلقي بحكم الخصوصية النصانية، التي تتبع سلسلة من التعبيرات ذات منحى لساني مقارباتي وعلاماتي ذهني فاعل، كما في قصيدة (غنائم الروح) حيث يقول:
موسيقى الوجود تجف!
والنجمات تذبل
دونما سحر عبرنا فوق ظهر الغيم
جُبْنا الأرض، لا درب يُطل على أحبتنا
لا نجم يبوح،
والشعراء قد باحوا بخيبتهم
والشهداء
والفتيات
غنائم للروح هذي الأغنيات
مطر نبيذيٌّ
وأجراس
تدقُّ….
تدق
ت د ق!

فالقصيدة تجسيد لتجربة الخيبة، والشاعر يقدّم المعنى ملتصقا بتفصيلات تعكس الموقف النّفسي، لتعبير عن تجربة ذاتية وأخرى جمعية، تبرز الواقع وأزماته، مفيدةً بالتقنيات العلاماتية والبصريّة التي عملت على إحداث نغميّة يتّسع معها المعنى وينمو ويسرع ويتباطأ ويتكرر، فتصبح القصيدة أداة للرصد والاستدعاء الخارجي، وأداة توقظ حسّ المتلقي لصورٍ متشكّلةٍ في ذهن الشاعر.

باحث من العراق

علي فرحان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية