فيسيب غوفريدو كاتب وشاعر ايطالي يهتمّ كثيرا بالحوار بين مثقفي البحر الابيض المتوسط. وقد قرأت له منذ أعوام غير بعيدة كتابه:’قدموس يستكشف أوروبا’.
وهو كتاب ممتع حقا، كانت أهدتني إيّاه الشاعرة الجزائرية سميرة نقروش؛ وهي التي أسهمت مع ماريا لاكوت في ترجمته عن الايطالية. وفيه يتناول غوفريدو العلاقة بين ضفتي المتوسط بلغة شعرية مفهومية في ذات الآن.
تستوقف القارئ منذ الفصل الاول أسطورة ‘قدموس’وأخته ‘أورويا’ التي اختطفها الإله ‘زوس’.
أسطورة ليست ككلّ الاساطير، فهي تقوم على أساس من حقيقة تاريخية إذ لا يعثر قدموس على أخته خلال رحلته من الشرق الى الغرب، وهي التي انصهر جسدها في أرض أوروبا. إنما يحقق رمزيّة عميقة الغور أو صورة استعارية للقاء بين الشرق والغرب، أساسها العلم وتبادل المعرفة. وفيها يتم اللقاء بين آسيا وافريقيا والمتوسط وأوروبا، عبر بحث لا ينقطع ولا يمكن إيقافه تتظافر في صياغته شعوب شتى.
ولقد أفضى الى أنماط جديدة من الحضارة وتلاقح بين الاجناس والثقافات، يمكن أن نرصد فيها التحولات الغامضة حيث يتشكل المستقبل، وتتحقق رؤية بنيوية للكون فلا شرق ولا غرب؛ وإنما الواحد في الكلّ والكل في الواحد. وهذا ما يجعل المتوسط ترنيمة للحرية وأمثولة للحب. وما على المتوسطي إلا أن يستخدم حريته في اختيار دوره الاسطوري في طقوس الحب هذه، وأن يتعلم كيف يخضع الزمن للارادة الانسانية ويدرك أن للمتوسط إيقاعه؛ والايقاع إنما هو انتصار الانسان على الزمن التاريخي وسبيله الى جعل الزمن يرقص على نغم انساني، بعبارة المعاصرين.
في هذا السياق يلاحظ غويفريدو أن الغرب يكذب منذ سنين عدة وهو يعيد ويكرّر أنّه لا يدين للجنوب بشيء، وأنّ الجنوب هو هكذا ‘متخلّف’ لأنّه عاجز عن أن يكون غير ذلك. وليس بمقدوره أن يعيش في أنظمة ديمقراطية وأن يكون له اقتصاد فعّال أو أن يكتسب ذكاء الغرب العلمي أو خبرته التكنولوجية. فضلا عن أن يعيش حياته في أمن وسلام. وعلى أساس من هذه المزاعم يخوّل الشمال لنفسه حق التحكّم في الجنوب بشتى الوسائل بما في ذلك التدخل العسكري لحماية المصادر الحيوية لاقتصاد البلدان الأغنى. بل إنّ الجنوب، حسب هذه المزاعم، هو الذي يتهدّدُ الشمال، ويسعى بجيشه من المحرومين؛ إلى غزو الغرب والنيل من حضارته وثرواته. فمن الطبيعي إذن أن يحرس الشمال حدوده بالأسلحة ويسيّجها بالقوانين.
الحق أنّ هذه الايديولوجيا لا تفسّر علاقات الهيمنة شمال جنوب فحسب، أي تلك المنظور إليها من زاوية الأقوى، وإنّما هي تنال من العلاقات بين المناطق الغنية والمناطق الفقيرة داخل البلد الواحد. وبحسب هذه ‘اللا معقولية المعقولة’ فقد كان على إيطاليا مثلا بعد الحرب، إنْ هي أرادت ألاّ تنزلق نحو ماضيها الخاص، أن تفسّر فتوحات الحداثة كما لو أنّها إقصاء لها من البحر ومن مياه ثقافتها. ومن ثمّ فإن المعادلة المتوقعة كانت ولا تزال جنوب البحر الابيض المتوسط:
المتوسط= الماضي
الماضي= التخلف
أوروبا = حداثة
وبالتالي صار لزاما على الشعوب أن تبادر بقطع الصلة بنماذجها الثقافية الخاصة وأن تنخرط في نماذج الآخر. أي التخلي عن نظام العلاقات الاجتماعية وتقنيات الانتاج وتقاليد المعرفة كما لو أنها فقدت الجدوى أو هي لا توائم الحياة الحديثة.
يقول غويفريدو ساخرا إنّ على ايطاليا إن هي أرادت أن تكون جزءا لا يتجزأ من ‘نادي الاغنياء’ أن تنأى بنفسها عن المتوسّط، بحيث تمحو جزءا منها هو جنوبها المنشد كل ما هو عاطفي أو وجداني والى تاريخ المتوسط وثقافته.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي