ما يحفزني إلى طرح هذا الموضوع الشائك «ثقافة المخاطرة»، هو ما نلاحظه في تونس، وربّما في دول أخرى تشبهنا؛ من تواني كثير من التونسيّين واسترخائهم، في جحيم جائحة الكوفيد؛ وهم يخاطرون بأنفسهم، ويلقونها في الهلكة أو يشفون بها على الخطر؛ فتزهق أنفسُهم وأنفسنا نحن الذين يراعون قواعد الصحّة، ويلتزمون إجراءات الوقاية مثل التباعد وارتداء الكمامة، والتلقيح لمن استطاع إليه سبيلا. ومع ذلك تجد المخاطرين الذين يجازفون بحياتهم وحياتنا، يحمّلون الدولة تبعات أفعالهم، ومسؤوليّة ما يقترفون هم ومن يلوذ بهم؛ وكأنّ الدولة مؤسّسة تأمين من كلّ الأخطار، أو أنّ المواطن تحت مسؤوليّتها عند كلّ حادث حتى «لو عثرت بغلته»، أو تعطّبت سيّارته.
ولعلّ هذا ما يطرح علاقة هؤلاء وقد تحوّلوا إلى «ظاهرة»، بثقافة المخاطرة غير المحسوبة. وهؤلاء المواطنون هم قبل كلّ شيء رجال ونساء يتحرّكون ويفعلون. لكنّ أفعالهم هي في الأغلب الأعمّ مغامرات، بل هي تتنزّل في جنس المخاطرة الأشدّ، أي المجازفة بما هو أساسيّ لدى الإنسان: حياته. والمخاطرة بهذا المعنى هي الخطر عينه، أي الرهْن الذي لا يقال عادة إلاّ في المسائل التي لها قدر ومزيّة. وهذا لا يعفي طبعا من تطارح كثير من الإشكالات مثل إدماج الديني أو الغيبي في المخاطرة، وترديد أنّ الأعمار بيد الله: «فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ». الاعراف 34. وهو طرح من شأنه أن يؤمّن حضورا عينيّا وذاتيّا لقوى هي في الأصل قوى جوهريّة وكلّية؛ يكون ربطها بالمخاطرة من قبيل ما ينحت هويّة موحّدة للآلهة والبشر؛ حيث يتمّ التّأليف في الوقت نفسه بين القوّة الكونيّة (الوظيفة الرّمزيّة للآلهة والخوارق الطّبيعيّة) وما يجري في الحياة من طباع (الوظيفة الرّمزيّة للبشر).
وعليه تكون وظيفة المخاطرة أن تجعل للفعل البشريّ أصداء هائلة تتجاوب في أبعد ما يكون من فضاءات العالَم؛ ويتمّ من ثمّة إضفاء طابع هو خليط من ديني ـ إنسانيّ على المخاطرة من حيث هي «رَهْن» محتمل، أو خطر متوقّع تقريبا، ملازم لحال أو موقف أو نشاط، شأنه شأن كلّ محمول لا ينفكّ عن الموضوع. والكوفيد اليوم خطر غير محدّد المدّة، ولا أحد يعرف متى ينقشع، ويبرأ العالم منه ومن تبعاته المدمّرة. وكم يودّ أيّ منّا، بل كم يحلم: «لو أغمّض وأفتّح»؛ وقد خلّف وراءه بأُخْذة ساحر أو رُقية، هذه الجائحة أو هذه «السوداء» التي نكاد نعتقد كما كان يعتقد أسلافنا أنّها مسبّبة للكآبة؛ فيجلس إلى أصدقائه وصديقاته، ويعانقهم ويقاسمهم متعهم؛ بدون خوف أو رهبة أو مخاطرة بالحياة. نعم نحتاج إلى قليل من السحر، وكثير من الحلم.
إنّ تعريض أيّ منّا نفسه إلى المجازفة، ممّا يطرح فرضية المصير المواتي، أو الحظّ الحليف، أو قوّة ما فريدة؛ كما يقول أهل الفلسفة، أي مخاطرة تنطوي على حافز من الإرادة، غير واضح تقريبا، وثقة بالنفس؛ تتميّز عن العمى الخالص، والغباوة والزيغ أو الرغبة القويّة في الموت. يقول عالم الاجتماع دفيد لو بروتون إنّ المجازفة لعبٌ رمزي مع الموت، هذا الذي يكشف لنا قوّة الوجود. ولعلّ هذه الملاعبة نوع من تنازع البقاء، أو هي مضاربة ومقامرة، كلّما عرّض المرء حياته للخطر. والأغرب والمخالف للعرف والمألوف، أن يتشبّث بها رغم الخسارة والعقبات، فيجازف من أجل أن يعيش أكثر فأكثر. وملاعبة الموت من ملاعبة الحياة أو هي «كتلعّب الأفعال بالأسماء».
على أنّ المصطلح «ثقافة المخاطرة» وهو اليوم كثير الدوران في العلوم الإنسانيّة عامّة، وتحديدا الاجتماعيّة وحتى الاقتصاديّة، يحتاج إلى قدر من البيان والتبيين. بل قد تكون المخاطرة محمودة في مجالات غير قليلة كما أذكر في الخاتمة. أمّا من حيث المفهوم، فالمخاطرة تقوم على معرفة جميع الجهات الفاعلة المؤثّرة في الحياة، وفي مجال العيش معا؛ مِن المسؤول إلى المختصّ إلى المواطن؛ بالظواهر الطبيعيّة، وإدراك ما هو قابل للعطب والانثلام؛ وما قد يصحب ذلك من تخوّف وخشية. والأمر لا يتعلّق هنا بتصوّر ساذج أو استحضار صورة المخاطرة في الذهن بلا إثبات أو نفي؛ وإنّما بمعنى الخاطر أي ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر. ومن ثمّة فإنّ توعية المواطنين باستمرار، منذ سنّ الفتوّة أو النضج أو حتى الكهولة؛ هو الحافز الأساسي لـ»ترشيد» ثقافة المخاطرة. وهذا من شأنه أن ييسّر اكتساب قواعد السلوك والتدبير المحدّدة أو الواقعيّة، وردود الفعل الجيّدة؛ بل مناقشة الإجراءات النفعيّة جماعيّا، وتدقيقها وتحديد مدى الحاجة إليها؛ وما إلى ذلك من ممارسات ومواقف ورهانات. وثمّة بحوث واستطلاعات كثيرة تبيّن أنّ تطوير ثقافة المخاطرة يؤمّن تحسين فعاليّة الوقاية والحماية معا؛ من خلال إبراز سلسلة متكاملة من التصرّفات المناسبة، عند وقوع حدث كبير مثل الكوفيد الذي يستهين به كثير من أبناء قومنا. وثقافة المخاطرة لا تدرأ الأخطار المحْدقة وتدفعها فحسب، وإنّما تدير أيضا آداب السلوك عند الفرد واستجاباته لما يحيط به من ظروف. لذلك يعرّف أهل الذكر ثقافة المخاطرة من حيث هي مجموع المعرفة والدراية، واللباقة والمهارة والكياسة التي يتمّ تصنيفها، وفقا لخاصّية الأفراد في المجتمع ووظيفتهم، أو عملهم الجهدي أو النوعي؛ فيساهمون بدورهم، في تنمية المعرفة والخبرة الفنّيّة والوعي العامّ.
إنّ المخاطر موجودة ومرئيّة سواء في المناظر الطبيعية التي تحفّنا أو في الحياة اليوميّة، ولكنّ التعوّد، أو إيلاف المرء ما يستعيده، أو «الديدن» بعبارة قديمة أبلغ، ممّا يعزّز إنكار الفرد وجحوده، وامتناعه عن الاعتراف بالواقع؛ كهؤلاء الذين لا يعترفون بالأخطار وهي شتّى طبيعيّة وصحّيّة أو طبّيّة ومهنيّة ونفسيّة واجتماعيّة وتكنولوجيّة… وينتحلون لها شتّى المعاذير.
إذن لا نملك في هذا السياق، إلاّ أن نتقبّل هذا التعريف، فالمخاطرة هي تعريض النفس للخطر، أو الإلقاء بها إلى التهلكة، في حال يفقد فيها «المُخاطر» الاستقرار، والثقة بالنفس، والتصرّف برباطة جأش. وفي الظاهر، ينطوي هذا الصنيع على إرادة في الخروج ممّا هو معلوم أو من البدائِه، بيْد أنّه يضع النفس في وضعيّة من الهشاشة وعدم الثبات، والعيش تِبْعا لوضع خارجي. ومفهوم المخاطرة يتوقّف على مدى إدراك الشخص للأخطار التي يمكن أن تنجم عن فقدانه السيطرة على وضعه. وهو يعرف أنّ أيّ شيء يمكن أن يكون محفوفا بالمخاطر: عبور الشارع، ونزول درج، وركوب مصعد يتعطّل، والاستمرار في العيش على هذا الكوكب الذي يمكن أن يضربه صدفة نيزك عملاق في أيّة لحظة، أو صاروخ فضائيّ طائش! «فليس ثمّة درجة صفر للخطر. والعيش هو أن نجازف بحياتنا أبدا». و2+2 لا يساوي 4، وإنّما 5 أي الصدفة التي لا سلطان لنا عليها.
على أنّ هناك مخاطر يمكن أن تتهدّد أيّا منّا، حتى وهو صادق سليم الطويّة، دون أن تكون له فيها يد. ولذلك نحمي أنفسنا بالتأمين، إن لم يكن من المخاطر، في الأقلّ، فمن عواقبها. بل إنّ القانون يلزمنا ذلك، فالإنسان خطر على الإنسان مثلما «الإنسان ذئب للإنسان». وعليه فإنّ المخاطرة الوحيدة التي «نتقبّلها» هي تلك التي نأتيها بمحض إرادتنا.
وهذه المخاطرة «المحسوبة»، إنّما تُقاس وفقا لمعرفتنا الجماعيّة والفرديّة بما حولنا. أمّا إذا كانت غير ذلك فهي تهوّر ووقوع في الخطر بقلّة مبالاة. لذلك فإنّ تقييم المخاطر استئناسا بوضعنا لحظة الانطلاق، هو الذي ينقلنا من الخطر الاضطراري، إلى الخطر الإرادي. وقرار المخاطرة أو عدم المخاطرة الذي نتّخذه، هو موازنة بين الحصافة من ناحية والمجازفة من ناحية أخرى.
وتقتضي منّا الحصافة وهي صمام الأمان، الحفاظ على الذات، وتجنّب ما ينجم عن المخاطرة من ضياع المكتسبات، وفي صدارتها الحياة نفسها. أمّا التهوّر فيجعلنا نهمل العواقب المحتملة، أو نتغاضى عن التبعات، وقد تكون وخيمة أحيانا. بل إنّ التهوّر يضع تأكيد الرغبة أو السير على الهوى، في مركز الدائرة التي تتحرّك فيها الذات.
إن تقييم الخطر هو إذن «المحرار» الذي يقاس به كلّ من الحصافة والتهوّر، عندما نتّخذ قرارا بالمجازفة أو برفضها. وهو من ثمّة أشبه بـ»توازن حراكيّ» بين اللامبالاة القاتلة والجنون المدمّر. على أنّ الحذر المفرط من شأنه أن يجرّدنا من القدرة على الاختيار، ويحرمنا من القوّة والحركة. وعلى النقيض من ذلك، فإنّ متهوّرا عنيدا طائشا، يمكن أن يجازف بحياته في أيّة لحظة؛ لأدنى نزوة.
أمّا إذا تعلّق الأمر بمقاومة الاستبداد وجرائم الأنظمة المروّعة، كما هو الشأن في سوريا، أو مقاومة الاحتلال الغاشم كما هو الشأن في فلسطين؛ فالكلام هنا على الشجاعة المبنية على القيم الأخلاقيّة والإرادة الحرّة، والمخاطرة المحسوبة؛ وليس على التهوّر.
* كاتب تونسي