لا يزال صدى القضيّة التي أثارها محمد الغزي في مقاله المنشور بـ «العربي» حول شعريّة البيت الواحد؛ يتردّد في شتى الصحف والمواقع الاجتماعيّة. أيّهما سبق الآخر: الكاتب الليبي الراحل خليفة التليسي أم أدونيس؟ ودون خوض في هذه المماحكات التي لا تغني النقد في شيء؛ لأنّ القضيّة ليست قضيّة سبق، نشير إلى أنّ التليسي كان قد نشر منذ حوالي ثلاثين سنة كتابا طريفا، أهدانيه شخصيّا، وسمه بـ «قصيدة البيت الواحد»، أي قبل أن ينشر أدونيس كتابه»ديوان البيت الواحد» بزمن طويل.
ما يعنيني أنّ القضيّة المطروحة قديمة جدّا، ولا فضل في طرحها لأيّ من المعاصرين، بل أكاد أستغرب هذا الهجوم البغيض على أدونيس، بقدر ما أستغرب هذه الحفاوة بشعريّة البيت الواحد عنده؛ وهو الذي ينزع منزعا كتابيّا في أكثر شعره، في حين أنّ «البيت الواحد» أمسّ بالشفويّة وثقافة الأذن التي هي ثقافة السلطة والنقل والحفظ والذاكرة. فقد قام أكثرالنّقد العربيّ القديم على جماليّة البيت المفرد، فاذا تأبّى البيت ولم يستجب للسنن المعياريّة أو القواعد الإلزاميّة؛ فهذا إنّما يعني أنّ هناك «فصيلة» جديدة لابدّ من التّسليم بها. فإذا لم يسلّم بها لم يقبل البيت واعتبر خارج النّوع القائم. ولذا نهضت صناعة الشّعر عند أسلافنا، على أسس تكاد لا تبرحها، كلّما تعلّق الأمر بالخصائص البنائيّة وطرائق الأداء لغة أو صورة أو معنى، مثل القرب والمناسبة والألفة وما أسمّيه «تأليف الغريب». فلعلّ حصر الصّورة في البيت المفرد المستغني بنفسه أو البيت «المقلد» كما يسميه ابن سلاّم ـ وأنا أمْيَلُ إلى هذه التسميةـ ممّا عزّز لديهم الوظيفة التي أناطوها بالصّورة في تمثيل المعنى تمثيلا حسّيّا. ذلك أنّ البيت المقلّد القائم على اللّمحة التّصويريّة دون الصّورة الكلّيّة المستأنية هو البيت الذي يدرك سماعا كما تنمّ على ذلك سائر أقوالهم في التّصدير والتّوشيح والتّسهيم وردّ العجز على الصّدر. وهي كلّها مصطلحات مخصوصة بجماليّة البيت المفرد دون جماليّة القصيدة، وبالصّناعة دون إنشائيّة الخطاب.
ينقل الجاحظ عن ابن المقفع قوله: «إنّ خير أبيات الشّعر البيت الذي اذا سمعت صدره عرفت قافيته». ويقول أبو هلال في التّوشيح: «هو أنّ مبتدأ الكلام ينبي عن مقطعه، وأوّله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه؛ حتىّ لو سمعت شعرا أو عرفت رواية، ثمّ سمعت صدر بيت منه، وقفت على عجزه قبل بلوغ السّماع اليه…» إنّ عنايتهم بجماليّة البيت المفرد واشتراطهم أن يكون مستقلا بالإفادة، لا ينعطف على سابقه أو لاحقه، ممّا كان له أثر في موقفهم من الصّورة ومن مختلف الوظائف التي علّقوها بها. فكلّما تحيّزت الصّورة في البيت المقلّد، كانت أوقع من نفس السّامع وأنفذ فيها، وعبّرت عن حاصل المراد وتمامه في ألفاظ قليلة لا تشتّت الذّهن ولا الإدراك. ولاسبب لذلك في الظّاهر سوى إقرارهم جميعا بمصادرة لغويّة مفادها أنّ مبنى كلام العرب إنّما هو على الإيجاز ما استطاعوا إليه سبيلا، وعلى مراعاة «سبق أفهامهم» ؛ إلاّ إذا منع مانع من الإيجاز، وكان المقام ممّا يقتضي الإطناب مثل التّوكيد اللّفظي والتّكرير والتّفسير، وذكر الخاصّ بعد العامّ والإتيان بالجملة المعترضة وكثرة البيان والإيضاح. وما يعنينا من هذا أنّ الإيجاز مظهر من مظاهر الشّفهية التي حصروا وظيفتها أو كادوا في البيان والإفادة والإيضاح بما لا يؤتى معه السّامع من سوء إفهام النّاطق ولا يؤتى النّاطق من سوء فهم السّامع. ونحن وإن كنّا لا ننكر أنّ ظاهرة الإيجاز إنّما اقتضتها وحدة البيت المستقلّة المكتفية بذاتها «الوحدة التي جاءت نتيجة لارتباط البيت في بنائه بصورة خاصّة تقوم على العكس المتوازن (أب ح- ح ب أ) وهذا العكس جاء تبعا لتنظيم خاصّ لعلاقات العناصر (الالفاظ) لا العناصر ذاتها». وربّما اقتضتها طبيعة المجاز أيضا، من حيث هو إيجازيجعل اللّغة تستوعب بكلمات قليلة؛ ما لا يكاد يحصر من الصّور والمعاني؛ فإنّنا أميل إلى تفسير الظّاهرة بالقرابة بين الأداءين : الصّوتيّ والمكتوب في ثقافة العرب. ونقدّر أنّ هذه القرابة هي التي تساعدنا أكثر على فهم جماليّة البيت الواحد أو البيت المقلّد. وهي قرابة لم تنقطع أرحامها ولا ضاعت أنسابها، حتّى عند المتأخرين من شعراء العربية وكتّابها. فقد احتفوا بالكتابة وأدواتها من حبر ومداد وورق وأقلام، دون أن يكون الفصل بين الأداءين واردا عندهم. بل ظلّ نقل المعرفة يعتمد على الحفظ والسّماع والرواية، مثلما ظلّ النّص في ثقافتهم يخاطب السّمع على قدر ما يخاطب البصر؛ «فكأنّ الإيجاز كان صدى للحاجة الاجتماعيّة إلى ما يخفّ حفظه ويسهل تنقّله». وهو من هذا الجانب تقليد شفهيّ ثابت أخذوا به في المنظوم والمنثور كليهما حتّى أنّهم عدّوه ضربا من ضروب البلاغة؛ بل البلاغة نفسها كما تدلّ على ذلك أقوال شتّى في تعريفها كانت هي ذاتها في غاية الإيجاز، نقف عليها في غير مصنّف من مصنّفاتهم.
وكان من نتائج ذلك أن عدّ ظاهرة أسلوبيّة ودليلا على مقدرة المتكلّم، حتّى أنّهم بنوا عليه فنّا قائما بذاته هو فن «التّوقيعات» الذي يعتمد اللمحة الدّالّة والإشارة البعيدة.
قيل لـ أبي المهوّس: «لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل النّادر إلاّ بيتا واحدا، ولم أجد الشّعر السّائر إلاّ بيتا واحدا».
منصف الوهايبي