في حاجة الأخبار القديمة إلى قارئ مخبر سرّي أو رجل تحرّ: هل قتلتْ ليلى الأخيليّة؟

أحاول في هذا المقال أن أعاين المدى الذي إليه تتمّ أسطرة عاطفة الحبّ، وما يداخلها من مكوّنات مثل مكوّن الغيرة القاتلة، والموت والجنس، التي تحفل بها مدوّنة الحبّ عند العرب. ومنها خبر موت ليلى الأخيلية الشاعرة التي كان بعض القدماء يقدّمها على الخنساء. فقد روي أنّ ليلى بعد موت توبة محبوبها تزوّجت مرّتين، ثمّ إنّ زوجها بعد ذلك مرّ بقبر توبة، وليلى معه فقال لها: يا ليلى هل تعرفين هذا القبر؟ فقالت لا. قال هذا قبر توبة فسلّمي عليه. فقالت امض لشأنك، فما تريد من توبة؛ وقد بليتْ عظامه؟ فقال أريد أن تكذّبيهِ، أليس هو الذي يقول:
ولـــوْ أنّ ليلـــى الأخيليّةَ سلّمتْ /// عليّ ودونـــــي تـــــــربةٌ وصفائحُ
لسلّمتُ تسليم البشاشة أو زقـــــا /// إليها صدًى من جانب القبرِ صائحُ
فواللّه لا برحتُ أو تسلّمي عليه. فقالت السّلام عليك يا توبةُ ورحمةُ اللّه، وبارك لك في ما صرت عليه. فإذا طائر قد خرج من القبر حتّى ضرب صدرها، فشهقتْ وماتتْ، فدفنتْ إلى جانب قبره؛ فنبتتْ على قبره شجرةٌ، وعلى قبرها شجرةٌ، فطالتا والتفتّا كلّ واحدة على الأخرى. وقد صدّق اللّه شعرَه». و«الصّدى طائر كانت العرب تزعم أنّه يخرج من رأس القتيل ويصيح: اسقوني حتّى يؤخذ بثأره».
وفي رواية أخرى أنّها أقبلت من سفر فمرّت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودج لها؛ فقالت والله لا أبرح حتى أسلّم على توبة فجعل زوجها يمنعها من ذلك، وتأبى إلا أن تلمّ به، فلمّا كثر ذلك منها تركها فصعدت أكمة عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة ثم حوّلت وجهها إلى القوم؛ فقالت: ما عرفت له كذبة قطّ قبل هذا قالوا وكيف قالت أليس القائل:
ولو أنّ ليلَى الأَخْيَليّةَ سَلَّمتْ…
فما باله لم يسلّم عليّ كما قال.
وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلمّا رأت الهودج واضطرابه؛ فزعت وطارت في وجه الجمل فنفر فرمى بليلى على رأسها، فماتت من وقتها فدفنت إلى جنبه. وشفع الراوي الخبر بـ«وهذا هو الصحيح من خبر وفاتها». والحقّ أنّ الخبرين مختلفان، ولا نعرف أيّهما الصحيح؛ بل لعلّهما من وضع الرواة، أو من الذين تستّروا لدواع شتّى على «القاتل» وقد يكون الزوج: ففي الرواية الأولى أنّ الزوج هو الذي طلب إلى ليلى أن تسلّم على الميّت في قبره «توبة»، وفي الرواية الثانية أنّ ليلى هي التي ألحّت في التسليم عليه، رغم ممانعة الزوج. وقد تكون الرواية الأولى أكثر طرافة، وأمسّ بـ«أسطرة» الحبّ عند العرب، وبخاصّة صورة الشجرتين اللتين نبتتا على القبرين، والتفّتا أو هما تزاوجتا: زواج المحبّين بعد الموت.
ومن لطائف العربيّة كما ذكرت في غير هذا الموضع؛ أنّ لكلمة «جريمة» ذاكرة لغويّة تكاد لا تحتفظ بأيّ أثر لمجرم أو قاتل، حتى لكأنّ الجريمة غير الجريمة، بل إنّ جذرها نباتيّ كما هي الجذور في الأرض والطبيعة، فالجرم هو القطع، والشجرة الجريمة هي المقطوعة، والجريم هو النوى أو التمر اليابس. والجرمة هم القوم يجترمون النخل، أي يصرمونه أو يقطعونه، وتعني أيضا البسر الأحمر والأصفر. وهو ما يناسب الشجرتين الطالعتين من القبرين.
إلى هذا الحدّ قد تبدو القصّة عاديّة، فهذا يحدث مع جلّ الأزواج الذين تزوّجوا بنساء كنّ يعشقن غيرهم؛ ولكنّ اختلاف الروايتين، وكلّ منهما تمهّد لنهاية القصّة أي «موت» ليلى أو «مقتلها» يعزّز من وجاهة الطرح الذي أسوقه. والمقصود هذه الثغرات التي تتخلّل الخبر، كما هو الشأن في قصص الإخفاء/ الاختفاء غير المحبوكة، أو التي هي عمل هواة من الرواة، أو من عمل السارد العليم بذات الصدور شبيه الإله، وما تُسرّ الشخوص وما تعلن.
وربّما لا مسوّغ لذلك سوى هذه الوساطة اللعبيّة التي تؤلّف بين الذات المتلفّظة وموضوعها، ولعلّها ليست أكثر من تفكير السارد «اللاعب» في لعبه. قد يكون الجواب السائغ في ذاكرة اللسان، فمثلما ترجع كلّ معاني الجريمة إلى جذر القطع؛ ترجع كذلك كلّ معاني الضحيّة كيفما قلّبتها، وعلى أيّ وجه حملتها؛ إلى القتل والذبح والنحر، وهو شكل من أشكال القطع والبتر. ثنائيّة لا فكاك منها: القاطع/ القاتل والمقطوع/ المقتول ومن لطائف العربيّة أيضا أنّ أصوات الحروف تجري على سمت الأحداث ومسموعها. قسْ على ذلك كلّ هذه الأفعال التي تتصدّرها القاف أو تقفلها (قتل وقطع وقسم وقصم وقلم وقلع وقبر وقعر ونفق وفتق ورتق وسلق وفلق..) وإذا صحّ لك ذلك فاعلم أنّ القاتل بوجهين: وجهه ووجه ضحيّته.

ومن لطائف العربيّة كما ذكرت في غير هذا الموضع؛ أنّ لكلمة «جريمة» ذاكرة لغويّة تكاد لا تحتفظ بأيّ أثر لمجرم أو قاتل، حتى لكأنّ الجريمة غير الجريمة، بل إنّ جذرها نباتيّ كما هي الجذور في الأرض والطبيعة، فالجرم هو القطع، والشجرة الجريمة هي المقطوعة، والجريم هو النوى أو التمر اليابس.

تترتّب عن هذه القصّة جملة استنتاجات، وهي التي تتهاوى جدرانها الفاصلة تباعا من خلال الثغرات والفجوات التي تتخلّلها؛ وهي جزء من استراتيجيّة لعبة القراءة، تتيح لنا أن نشارك السارد لعبته؛ وأن ننفذ منها؛ فنؤمّن لها بنيتها النسقيّة. ولعلّ أبرزها أنّ وراء كلّ «مخفيّ» جريمة ما؛ والموتى لا يتكلّمون، على أنّ ليلى تشهد موتها وتشهد له وعليه في خبرين لا سند لهما إلاّ الراوي. والسؤال نفسه: ألا يمكن أن يكون الزوج هو «القاتل»؟ ولا مناص في هذا السّياق من تسليط الضّوء على العلاقة بين الحبّ والجنس. وهي علاقة تتجلّى في كثير من قصص الحبّ بالغة الطّرافة، لما يطبعها من استثنائيّة قيميّة تتمثّل أساسا في تفتيت شعور الغيرة لدى المحبّ حسب تفتيته تفاضليّا لجسد المحبوب، أو في إباحة جسد المحبوب للصّحبة بالحيلة والتّغرير على نحو ما نصادف ذلك في خبر المرقّش وأسماء، أو في المقابل في مطابقة تامّة بين الحبّ والغيرة تولّد الثّأر والقتل على نحو يمكن أن يستمرّ فيه شعور الغيرة حتّى ما بعد الموت: موت توبة.
وهذا أشبه بالثّالث المرفوع عند أهل الفلسفة والمنطق، تتمثّل فيه خاصّية يمكن تحصيلها بواسطة التّاويل، من بعض قصص الحبّ عند العرب. فالثّالث المرفوع يفيد في لغة المناطقة ما يتمّ استبعاده كحدّ ثالث عندما يتعلّق الأمر بقضيّتين تكونان متناقضتين؛ حيث تكون إحداهما صحيحة وتكون الثّانية فاسدة، على أنّ المؤلّف لا يعنيه ها هنا أن يختبر عاطفة الحبّ عند العرب منطقيّا، وإنّما يعنيه أنْ ينبّه إلى أنّ ضربا من الثّالث المرفوع يمكن ألاّ يكون مرفوعا من بعض قصص الحبّ عند العرب. إنّ هذه العاطفة المركّبة التي نسمّيها الحبّ هي التي تهيّئ للثالث المرفوع ألاّ يكون مرفوعا من بعض قصص الحبّ. فيكفي أن نعود إلى بعض الرّوايات حتّى نعاين أمارات عديدة دالّة على إمكان هذا الثّالث حتّى إن كنّا لا نستطيع أن نسمّيه مباشرة، بحيث نستدلّ عليه بواسطة تعبير سالب أو مقارن؛ ولكن لا يمكن ألاّ نعيه تخمينا أو تأويلا، ولعلّ هذا ما نستشعره من خلال تراجع ثقافة التّاثيم في الرّواية التي تقدّم لنا جميل بن معمر مثلا يضطجع إلى جانب بثينة، دون تشكيك في عذريّة حبّه لها. وهذا أيضا ما نعاينه في الرّواية التي تقدّم عفراء وهي تطلب الإذن من زوجها أن تبكي عروة، وقد أذن لها دون قدح في ذمّتها، أو ليلى الأخيليّة وهي تطلب إلى زوجها أن تسلّم على توبة في قبره. ولعلّ من أطرف ما يعبّر عن إمكان هذا الثّالث هو ما نلفيه في هذين البيتين للمجنون، حيث لا يرفع هذا الثّالث بل ترفع بدلا منه الغيرة من قلب المحبّ وتستحيل هي بدورها رغبة؛ إذ يقول المجنون وقد مرّ بزوج ليلى:
بربّك هل ضممت إليك ليلى /// قبيل الصّبح أم قبّلتَ فــاها
وهل رفّت عليـك قرون ليلى /// رفيف الأقحوانة في شذاها
على أنّه يمكن أن نعود بإمكان هذا الثّالث إلى جذور أقدم، منغرسة في تربة القيم الجاهليّة على نحو ما نعاين ذلك في نكاح الاستبعاض أو الرّهط ممّا يليّن من حدّة التّقابل بين الإباحة والتّحريم في بعض ضروب النّكاح. وبعبارة أخرى فإنّه إذا كان هذا الثّالث ممكنا في الكتابة العشقيّة، لأنّه يحقّق إمكانه من خلال التّخييل اللّغويّ، فإنّه قد يكون ممكنا أيضا، لأنّ هناك ثقافة تتّسع له وتهيّئ له من القيم ما يسوّغه وإن بنسبة من النّسب. وإنّ هذه الملاحظة الأخيرة حول تنسيب الاعتراف بهذا الثّالث يحسن أن تؤخذ في الحسبان حتّى لا يتمّ السّكوت عن أنّ الثّقافة التي تجري فيها هذه الكتابة الغراميّة، إنّما هي ثقافة ذكوريّة «تموضع» الجسد الأنثويّ أكثر ممّا تذوّته وتغيّب في الغالب الأعمّ الجسد المذكّر جسد العاشق. فهي بتأويل ما, سرديّة غراميّة تخفي علاقة سلطويّة من نمط آخر.

شاعر وكاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية