ما يحدث في الجزائر اليوم هو حالة غير مسبوقة، محيرة إلى درجة التساؤل: هل الجزائريون ضد الديمقراطية؟ أزمة متعددة الجوانب لا حل في أفقها إلا انتخابات لا أحد يتكهن بظروف إجرائها وعواقبها؟ كل طرف في المعادلة يملك حقيقته المطلقة، ويقينه الذي لا يهزه شك أبداً. يكاد الحوار بين الحراك الوطني والمؤسسة العسكرية يكون مستحيلاً، حتى حوار الطرشان لا ينطبق عليهما. وإذا آمنا أن الحراك حركة شعبية واسعة بكل ما تحمله من خيبات تراكمت منذ الاستقلال، يُفترض من الدولة، المؤسسة العسكرية تحديداً التي بدأت بشكل فعّال بكسر العصابة في عمودها الفقري، أن تسمع لهذا النداء العميق وتقدم الضمانات الحقيقية، وليس الشعارات أو القرارات، لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ولكن كيف؟ لا مقترحات من الدولة، ولا خارطة طريق، ولا محاولة اقتراب من هواجس الحراك، منذ أن بدأ، إلا القرار وراء القرار.
مقابل ذلك كله، بلاد تغرق كل يوم قليلاً في المبهم المظلم، وتتخبط داخل عش عنكبوتي يصنعه الجميع، بحسن أو سوء نية. تطرف يقابله تطرف آخر، ولكل يقينه الأعمى. الكل يخاف من الكل، ولا أحد يقول شيئاً آخر خارج هذه الثنائيات السياسية القاتلة لأية مبادرة تقع خارجها. وكم أصبح مبتذلاً الذي يطلق على مناضلين أفنوا زهرة عمرهم في النضال من أجل الجزائر. ثم، خيانة ماذا؟ وطن على حافة الانفجار يعمل القليلون بكل ما أوتوا من قوة لإبعاده من نار حرب أهلية لن تبقي ولا تذر، ومن اصطدام خطير بين الحراك والجيش، لا أحد يستطيع اليوم أن يحدد ثقل أخطاره؟ وكل جهة متثبتة في مكانها، في انتظار انتخابات 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل.
عندما نتأمل المشهد الانتخابي نزداد كآبة وحزناً، فلا نرى أي اختلاف في النهاية بين ما حدث في النظام السابق واليوم، كرنفال يسحب وراءه كرنفالاً آخــر، من بوفتيكا وجماعته، الذي لا هم له إلا أكل البوفتيك عندما يصبح رئيساً، إلى بوشلاغم وجماعته، الذي ركز برنامجه الانتخابي على تزويج كل الجزائريين. أصبح الجهلة والأميون المركبون هم الذين يجرون قطار الانتخابات، والبقية يكملون دور الجوقة بالهرولة العمياء، والتطبيل والتزمير، ولا قيمة لها وإن رأت نفسها في الأعالي.
قرابة 150 مترشحاً للرئاسيات؟ لا أدري إذا حدث هذا في العالم؟ هل الجزائريون من جاهلهم إلى وزيرهم، إلى مثقفهم، متعطشون للسلطة إلى هذا الحد؟ أي كرنفال هذا، لا ينقصه إلا طوطم الإطار الذي تغني به كثير من المترشحين، إلى جوقة عرائس الكراكوز التي امتلأت بطونها بالتبن، لهذا تخاف النار، فتنصاع.
حالة من الابتذال لم يسبق أن شهدتها الجزائر، وكأن لا حياء في وجوه الناس، ولا دولة ناظمة، لأن بعض المترشحين يفترض أن يكونوا اليوم قابعين في السجون مع العصابة، بسبب الفساد ونهب أموال الشعب الجزائري التي كانوا وراءها أو سبباً فيها. فإلى أين تذهب الجزائر اليوم؟ الدولة أو بقاياها، مسؤولة عن كل المآسي، وتتحمل كلياً التبعات التي يمكن أن تحدث في هذه الانتخابات التي تبدو مشؤومة من الآن، لا كرهاً فيها، ولكن في الظروف المخيفة التي تجري فيها. أية انتخابات في ظل حالة مشحونة، تهدد بالانفجار؟ حالة التعنت تقتل البلاد. ليست الجزائر مزرعة جورج أورويل حتى يتم سجنها في هذه الثنائية، قبل الاستيلاء على تعبها. التعنت لن يوصلها إلا إلى مزيد من التفكك. ماذا يكلف المؤسسة العسكرية ما دامت هي الجهاز الأكثر تنظيماً وقوة، أن تجتهد في خارطة طريق تأخذ بعين الاعتبار مطالب الحراك الجوهرية، يمكنها أن تشكل مسلكاً سلمياً للانتخابات؟ تفكك القنابل الموقوتة المزروعة هنا وهناك؟ القضية ليست مسألة عناد مَن المحق ومَن غير المحق، سواء من جهة الدولة أو بقاياها، أو من جهة الحراك الذي هو في النهاية حركة شعبية، ولكنه مصير بلاد من أربعين مليون نسمة، يحتم على الجميع البحث عن الحلول السلمية التي تقود الجزائر نحو خياراتها الديمقراطية بلا دم، كما بدأت.
كيف يمكن أن تتفادى الجزائر الانزلاقات الأمنية التي تلوح في الأفق. لنتخيل قليلاً المشهد في صورته الاحتمالية، علّ الناس يتعظون. سينزل المنتخِبون صباح 12 ديسمبر، مبكراً، نحو صناديق الاقتراع، وهذا حقهم الدستوري، اقتناعاً، أو خوفاً، أو حتى بسبب عدم اقتناعهم بما وصل إليه الحراك. سيُمنَعون حتماً ممن يرفضون الانتخابات. سيبدأ الأمر بملاسنات، ثم بمشادات عنيفة وقد ينتهي بما هو أخطر. الشعب الجزائري اليوم منقسم إلى شعبين، شعب الانتخابات وشعب الحراك، حتى سقوط النظام كلياً. طبعاً ستتدخل قوى الأمن، وربما الجيش أيضاً الذي تكون قد أعطيت له مهمة حماية الانتخابات، فكيف سيكون الأمر وسط آلاف، بل ملايين الجزائريين الذين يحتلون الشوارع؟ متأكد من أن الحراك سيعلن مسيرته في ذلك اليوم تحديداً، أي يوم الخميس 12 ديسمبر، بدل الجمعة 13. هل فكر القيمون على أمن البلاد عما يمكن أن يحصل؟ وما ستسفر عنه الاصطدامات من ضحايا محتملين؟ هل فكروا بأن أية قطرة دم ستنسي الحراك ابتسامته التي سمي بها وسلميته؟ وسيصبح من الصعب جداً التحكم فيه؟ الدم لا يُنبِت إلا الدم، للأسف.
العراق الشبيه لنا، يشتعل؟ حرب الشوارع تتسع، وموكب الشهداء يكبر، ألا نرى؟ ألا يوجد عقلاء في الموقعين يضعون الجزائر فوق كل الحسابات، وفي سقف اهتماماتهم؟ ألا تعلم المؤسسة العسكرية التي آزرها الشعب يوم أسقطت جزءاً من العصابة، أنها ستضطر للدفاع عن نفسها بالنار؟ لم تمر إلا أيام قليلة على ذكرى 5 أكتوبر التي أريق فيها دم الجزائريين؟ من يضمن أن الدم لن يسيل هذه المرة أيضاً؟ ليس الأمر تخويفاً، ولكنه خوف حقيقي على الجزائر. هذه بالنسبة للقوى المرئية، لكن كيف سيكون الأمر بالنسبة للقوى غير المرئية المليئة بالضغينة والأحقاد العمياء على البلاد ووحدة شعبها وجيشها؟ ستلعب لعبتها القذرة بالتعدي على الجهتين، والزج بهما نحو اصطدامات خطيرة لا أحد يتكهن بنهاياتها.
للعصابة وذيولها وأتباعها التاريخيين قوة تؤهلها للعب أوراقها الخطيرة. وقتها يكون قطار الموت قد شق عمق الجزائر، فغير خرائطها كلها، في بلاد كانت ولم تعد. ما يزال وقت للتأمل الحقيقي في المصائر المعلقة، والاستماع إلى نداءات شارع شعبي حي، هو جزء من وظيفة الدولة. المطالب الجوهرية لم تعد سراً، إلا لمن صم أذنيه وقلبه وركض نحو هوة الثقب الأسود.