كان من الشائق رؤية كيف نصب زعيما الحزبين العربيين في الكنيست هذا الأسبوع حاجزاً في وجه يحيى السنوار؛ ففي خطابه من غزة، السبت، دعا زعيم حماس في القطاع عرب إسرائيل للاستعداد لمعركة شاملة على الأقصى، لأن اليهود، على حد قوله، يخططون لتقسيم المجال المقدس وأخذ قسم منه لأنفسهم. ودعا من لديه بندقية أن يعدها، ومن لا يملك، فليهيئ سكيناً أو بلطة، كما قال.
لم يكتفِ السنوار بذلك، بل توجه مباشرة إلى منصور عباس رئيس حزب “الموحدة” في الائتلاف، واتهم منصور عباس ورفاقه بأنهم “يوفرون شبكة أمان لحكومة تتصرف بتسيب في المسجد الأقصى”. ودعا عباس “أبو رجال أيامنا” وهو تعبير عن “الخائن في الإطار الإسلامي”. وأبدى زعيم حماس في غزة معرفة كبيرة في السياسة الإسرائيلية. تعلم من بينيت (هكذا يشجع عباس) الذي يبتز محيطه السياسي بستة مقاعد؛ وها أنت تملك أربعة مقاعد، وباستطاعتك أن تساوم في كل نقاش داخل الكنيست.
عباس، ومعه أيمن عودة رئيس القائمة العربية المشتركة، رفضا أقوال السنوار رفضاً باتاً. لست مديناً بشيء للسنوار، أجاب رئيس “الموحدة” في مقابلة مع رينا متسليح في القناة 12. سنعمل ما هو في مصلحة المجتمع العربي. أما عودة، وإن لم يكن عنوان الهجمة الفظة، فقد كان الأكثر حدة. وقال عن السنوار إن دعوته لحمل السلاح غير مقبولة بشكل واضح وجوهري. أطلق عودة في السنوات الأخيرة مرات عديدة احتجاجاً أمام الفصائل الفلسطينية في أنها ناشدته للتمرد على القانون. وقال إننا نعرف جيداً كيف نكافح ونبني استراتيجيتنا، دون استخدام السلاح ضد اليهود.
لكن السنوار، مثل عودة، لم يهدأ. في فصل التهديدات، حذر إسرائيل من إدخال القوات إلى المسجد الأقصى في أثناء الصدامات مع المتظاهرين. في هذه الحالة، كما أمل، ستخرب كنس في كل أرجاء العالم. بعد ذلك عاد مرة أخرى إلى الرقم 1111، الذي سبق أن ذكره، وادعى أن رجاله سيطلقون عدداً كهذا من الصواريخ نحو إسرائيل ضربة واحدة في حالة المواجهة مع إسرائيل. ولماذا هذا بالذات؟ إحياء لذكرى ياسر عرفات، الذي توفي في 11 تشرين الثاني 2004.
في دعوته لعرب إسرائيل الخروج لمعركة الدفاع عن الأقصى، يطلب منهم زعيم حماس في القطاع وضع كل تطلعاتهم المنشودة للتمثيل في الكنيست والاندماج في الواقع الإسرائيلي، جانباً. كل هذا، باسم إنقاذ المسجد المقدس. يدرك السنوار بأن منصور عباس سيرفضه، وأن أيمن عودة يعرف كيف يتدبر حاله جيداً بدونه. لكن هذين الاثنين ليسا العنوان. هما مجرد أداة بالنسبة له، مقعد للحلاقة عليه. يحتاج السنوار إلى القدس كي يوحد الجماهير، كي يجرفهم وراءه. إذ لا توجد لديه سهام أفضل في جعبته في هذه اللحظة. في طريقه إلى هناك يجد عباس وعودة وغيرهما، ويستخدمهما كأداة.
بعد يوم فقط من خطابه، الجمعة الماضي، ظهر حسن نصر الله أمام الجمهور في خطاب بث من بيروت. في حالته هو أيضاً، مثلما لدى السنوار، كانت الظروف مشابهة: المعسكر الإيراني، بفروعه وبأصدقائه في المنطقة، أحيا “يوم القدس العالمي” باحتفال مميز لهم أصبح استعراض تأييد للفلسطينيين والقدس، ومهرجاناً كفاحياً ضد إسرائيل. أثنى نصر الله على القتلة من بئر السبع والخضيرة وتل أبيب و”أرئيل”، والفصائل في غزة لإطلاق الصواريخ. واستخدم كلمة غير عادية: تيئيس، وهو تعبير شعبي معناه “زرع اليأس”. جهود تيئيس الأمة الإسلامية، دعا نصر الله، انهارت أمام رصاصات المجاهدين والبنادق ودماء الشهداء.
أحياناً، ثمة حاجة بالفعل إلى زعماء، ولا سيما في هذا الجزء من العالم، لإثارة حماسة الجمهور. وهكذا، على حد طريقتهم، تشجع الجماهير وتستعرض قوة الزعماء وقدرتهم. لست واثقاً من أن الجماهير في لبنان وفي القطاع قادرون على أن يتشجعوا اليوم بالكلمات فقط. في هواء ساخن كهذا، بمقدار محشور كهذا. هم بحاجة لأكثر بكثير في وضعهم هذا.
السنوار، بمفاهيم معينة، هو تلميذ نصر الله، وكلاهما يعرف الآخر من بعيد، عبر الوسطاء، ويسود بينهما تقدير متبادل. كلاهما يدعيان معرفة المجتمع الإسرائيلي وبخاصة سياسته الداخلية. في هذه الحالة، تفوق التلميذ على معلمه. السنوار الذي يتكلم العبرية ضالع أكثر في دروب السياسة الإسرائيلية. وبخلاف صديقه اللبناني، هو يعيش هنا، في داخلنا، 22 سنة حبسه، وكذا لأنه يتابع ما يجري في إسرائيل على أساس شبه يومي.
في نهاية الأسبوع الماضي، تكلم الرجلان بكلمات كبرى، ولكنهما كشفا عن ضائقة شديدة. لبنان اليوم هو إحدى الدول الأكثر فقراً في العالم، بلاد مفلسة. نصر الله، في العقود الثلاثة التي تصدر فيها قيادة “حزب الله”، وضع فيها مصلحة إيران ومصالح طائفته الضيقة قبل مصلحة لبنان، وهكذا أسهم في تدهوره. ويجب أن يؤخذ معه إلى قفص الاتهام آخرون أيضاً، سياسيون فاسدون، وأرباب مال ورؤساء عائلات كبرى ممن سلبوا الصندوق العام ببطء وبأمان. ويبدو أن وضع السنوار أخطر بكثير في هذا السياق؛ فقد وقف هناك وحيداً على رأس الهرم، محوط بمستشاريه، ليكونوا مسؤولين عن رفاه 2 مليون مواطن، لكنهم لا ينجحون في إخراجهم من الوحل.
كلاهما يعرفان بأن مثل هذه الخطابات وأمثالها ليست سوى كلمات فارغة في الغالب. مخازن صواريخ “حزب الله” وحماس مليئة بالفعل حتى الرمق الأخير. ومع اندلاع الحرب، بوسعهم زرع القتل في الجانب الإسرائيلي بل وتسجيل إنجاز عسكري واحد أو اثنين هنا وهناك. لكن الذراع العسكري لحماس وشقيقه في لبنان ليسا جيوشاً نظامية، والتفكير بأن يقاتلا ضد إسرائيل ويتمكنا منها ليس واقعياً. السنوار على وعي جيد بدونية قواته أمام العدو. وقد شعر بها على جلدته، ونصر الله مثله تماماً. وما كلماتهما وتبجحاتهما إلا لهذا الغرض؛ للتغطية على الإخفاقات ولخلق صورة مغلوطة من تعادل القوى.
“من يربط حبلاً على رقبته، سيجر به”، يقول المثل العربي. وإذا ما ربطوه برقابهم فيعترفون عملياً بفشلهم، ولهذا اختاروا الصراخ. وبعد أن ينتهي الصراخ، سيصرخون مرة أخرى. المزيد من الأقصى، المزيد من بيت العنكبوت، تمجيد الشهداء، الدم والنار. ليس لديهم حل للعوز والفقر، للعزلة الدولية أو للقاع الذي يأخذون شعوبهم إليه. عندما لا يكون هناك حل، تكون الشعارات والأرقام بديلاً زعامياً مناسباً.
إذا كان أحد ما قد ملّ هذه التهديدات، فليفكر بالمواطن الغزي؛ فكروا أيضاً باللبناني العادي، المسكين حتى أكثر. ما الذي وعد به نصر الله الجمهور في خطابه هذه وفي سابقه. وما الذي وعد به السنوار؟ لا الحصار رفع، ولا أمل بحياة أفضل. هم في أفضل الأحوال وعدوا بمزيد من الأمر ذاته، وفي أسوأ الأحوال بالحرب مع إسرائيل. في مكان واحد فقط، حالياً، جهودهم مجدية: كسبوا عناوين رئيسة جميلة في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
بقلم: جاكي خوري
معاريف 6/5/2022