في خمسينية الحرب الأهلية المخطوفون والمخفيون يأملون كشف مصيرهم وداد حلواني: 43 سنة مرّت وجمعنا رفض الظلم وبتنا أقوى من الطوائف

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: من كتاب “ذاكرة ليست تمضي” إلى مسرحية “وداد النملة تحفر في الصخر” و43 سنة من السعي الدؤوب للوصول إلى معرفة مصير 17 ألفا من المخطوفين والمفقودين. في خلال هذه السنوات ولد قانون حق معرفة مصير الأحباء المفقودين، انتزعه أهالي المخطوفين والمخفيين من فك التنين اللبناني، الذي أشعل الحرب الأهلية لسنوات.
سنوات فُرضت على وداد حلواني، حتمت أن تكون في الصورة. خطفوا “عدنانها” من يديها بوعد كاذب “نحنا الدولة دقيقتين وبيرجع”. حزنت ومسحت دموعها كما غيرها من المتلقين، حين شاهدت الممثلة كريستين شويري تُشخّص مسيرتها مع أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً. وجسّد ابراهيم خليل صوت عدنان، سأل ودعم وأثنى على جهود حبيبته، وهي كانت تستأذنه للنوم من تعب يوم طويل.
كتاب وداد حلواني “ذاكرة ليست تمضي” فعل كنّا ننتظره. فمن تابع مسيرة لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً، يُدرك أن حراك الأمهات والزوجات والأخوات الدؤوب والطويل المدى، ليس بعادي. المعنيون فيه لحم ودم وحياة. كتبت وداد ذاتها قليلاً. سردت غرامها وحُلم حياتها المبتور، تمردها وعناد طفولتها، بيروت والجامعة وعدنان، والعائلة. وعقارب الميليشيات التي اختطفت حبيبها بعد اجتياح الصهاينة لبيروت سنة 1982. ومن حينها بدأت رحلة النملة التي حفرت بالصخر ومعها نملات كثيرات.
تفخر وداد حلواني بنجاح لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً، رغم تنوع مشاربهن وثقافتهن، بالتلاقي على رفض الظلم، والنضال من أجل استعادة الأحبة.
وداد حلواني امرأة في مسيرة 43 عاماً من الزحف على الزجاج، باتت مع لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً، مرجعاً لمعاناة تطال الملايين في هذا الوطن العربي المنكوب بالحروب.
معها هذا الحوار:
■ بين وداد ايلول 1982 ووداد صيف 2025 كيف تختصرين هذا الزمن؟
■ اوووف.. صعب. سنة 1982 كانت وداد صبية في بداية الثلاثينيات، أماً لطفلين، محبوبة وتُحب حبيبها. رغم الحرب وقساوتها، ومسؤولية حماية الأطفال، ساد الحب بيتنا وعائلتنا الصغيرة الدافئة، ما ساهم بالسيطرة النسبية على سلبيات الحرب. وداد سنة 2025 دخلت سبعينيات العمر، ومرّ عليها كما كافة عائلات المفقودين والمخفيين قسراً ما يقارب الأربعة عقود ونصف. عمر عشناه تحت وطأة الخطف وآثاره، وما يزال ساري المفعول على كافة العائلات. درب طويل وصعب عبرناه أنا ومثيلاتي اللواتي فقدن أعزاء على قلوبهن، فيه الكثير من التحديات والعراقيل والتهديدات. وبعدما قررت البدء بكتابة تجربتي الشخصية مع الخطف، أنحني وأحيي كل أم وزوجة وأخت تابعت هذه المسيرة. ولهنّ أقول اننا نقترب من الوصول إلى برّ الأمان بالكشف عن ظروف وحقيقة الخطف الذي طال الآلاف من الناس بعدما استطعنا انتزاع قانون كرّس حقنا بمعرفة مصير أحبائنا.
■ في خمسينية الحرب الأهلية في أية مرتبة من اهتماماتكن يأتي لقب “ودادات”؟
■ سأحكي عن ذاتي. بالتأكيد قواسم مشتركة كثيرة تجمعني مع كثيرات من الأهالي في المُعاش اليومي. الـ”ودادات” تناقصن بفعل العمر وزمن النضال الطويل، وخلاله كنت في أدوار متعددة، أماً لطفلين صغيرين، وكان عليّ الاهتمام بوالدي عدنان اللذين فقدا بكرهما، وممارسة مهنتي في التعليم، وكنت أنتقل من التظاهر في الشارع إلى الثانوية لأقوم بواجبي. وداد كانت تمد الجميع بالدفع والقوة للاستمرار، والتشجيع لمزيد من الثبات على الأرض، وصوت أعلى ليصل إلى آذان المسؤولين. إنها خلاصة الـ”ودادات”. ومع مرور السنوات عادت “وداد” واحدة، من خلال رفد نضالها ورفيقات دربها بحراك مجتمعي من أجل فرض تطبيق قانون المفقودين والمخفيين قسراً الذي حمل الرقم 105 وصدر سنة 2018 ودعم الهيئة الوطنية التي شُكّلت بموجب هذا القانون.
■ ذكرت اقتراباً من تحقيق أهدافكن، هل من أمر ملموس في هذا الاتجاه؟
■ عند انتزاعنا للقانون بتنا أمام هذه الحقيقة. للقانون أهميته في ظل التركيبة السياسية في لبنان، وأهميته الكبرى أنه كرّس حق كل عائلة بمعرفة مصير مفقودها. هذه المحطة الأساسية والمهمة كلّفتنا 36 سنة من النضال. نحن كأهالي نعرف تمامًا أن القانون خطوة ضرورية، إنما لستُ مفرطة في التفاؤل بأن الطريق أصبحت سهلة أو أننا وصلنا إلى برّ الأمان. القانون خطوة كبيرة إلى الأمام، وليس النهاية. نعمل مع الهيئات الصديقة على نشر الوعي حول القضية، وعلى دفع المجتمع لتحمّل مسؤوليته والمطالبة بتطبيق هذا القانون كما يجب. المنتظرون للحقيقة لم ينقص عددهم مع مرور الوقت، بل ازدادوا، ليس لأن المأساة تتكرر، بل لأن الحياة تمضي. عندما خطف عدنان من بين أيدينا، كنت مع ولديّ زياد وغسان. اليوم، بعد أن كبرا وتزوجا، وصار عندي أحفاد، بات عددنا ثمانية، وجميعنا ننتظر مصير عدنان. نحن ماضون بالمطالبة بتطبيق هذا القانون، وقاعدة الدعم التي نتحرك بها تتوسع، خاصة في المدارس والثانويات والجامعات. هذه القضية ما عادت محصورة بالأهالي فقط، بل تحوّلت إلى قضية وطنية بفضل المتابعة والشفافية، وحقنا البديهي أن نعرف مصير أحبائنا.
■ نادراً ما اجتمع لبنانيون ونجحوا بعيداً عن لعنة الطوائف. كيف انتصرتم عليها؟
■ صحيح. لن أقول إن وعينا كان مكتملاً لدى أول اجتماع وضمّ حوالي 200 امرأة قرب جامع جمال عبد الناصر في كورنيش المزرعة. بدأ حراكنا والحرب الأهلية في أوجها. التلاقي على الأرض والوجع المشترك أديا إلى وحدة نعتزّ بها. نجحنا في تشكيل طائفة تجمع كافة الطوائف والمناطق والانتماءات الفكرية. هذه الميزة حققناها كعائلات للمخفيين والمخطوفين لم تعجب المسؤولين. فالقضية جامعة وغير قابلة للمحاصصة وتحقيق أرباح مالية وغير مالية، فلم يتبنّاها أي مسؤول. إيجابياتها كقضية وطنية جامعة، تناقض رغبات السياسيين، ولهذا تمّ انتزاع القانون انتزاعاً. ونتطلع لالتفاف المجتمع حولنا لنفرض تطبيقه، وإن وجدت الإرادة السياسية لتطبيقه، فذلك سيعيد الثقة بين المواطن والدولة.
■ في كتابك حييت خروج النساء من “الهامش الخاص” إلى “الحيز العام”. كيف ارتدع أصناف الرجال عن احتوائكن؟
■ طريق اثبات وجودنا وقوتنا لم يكن سهلاً. تعرّضنا لشتى أنواع الترغيب والترهيب والتهديد. لجنة أهالي المفقودين والمخفيين قسراً غالبيتها من النساء. من التهديدات التي تلقيناها “انتو ستات بيوت مرتبين عيب تنزلو ع الشارع”. نصرخ عالياً فيستقبلنا مسؤول “خلص قضيتكم بأيد أمينة رجعوا ع بيوتكن ربوا ولادكن”. وأحياناً كانت تلاحقنا أعقاب البنادق، أو طلقات الرصاص ونحن نركض في الشوارع، وتلقينا تهديدات مباشرة، مثلاً “بيصير فيكن مثل ما صار برجالكن”. شخصياً تلقيت تهديدات مباشرة واضطررت لترك بيتي أكثر من مرّة مع طفليَ. الابتزاز المالي والتحرّش الجنسي طال كثيرات من بيننا. أم نبيل التي كانت تنتظر عودة ابنها راحت ضحية الابتزاز المالي والعاطفي بوعد لرؤيته. عجزت عن المزيد من الاستدانة لسد جشع مبتزّها على أمل رؤية ابنها، فقتلها. كانت تعتذر عن المشاركة بتحركنا قائلة “عندي شغلة مهمة”. لاحقاً علمنا بقصة ابتزازها من خلال ابنتها. نعم أحيي وأنحني أمام الأمهات والزوجات اللواتي ناضلن طيلة هذه السنوات وواجهن التحديات، فالمسؤوليون الذين كنا نلتقيهم حاولوا إقناعنا “عيب، تستتوا ببيوتكن ونحنا منتابع المهمة”. نحن من بيئات مختلفة، وبعضنا يؤمن بأن الرجال هم من يتحركون خارج المنزل، لكنهن صممن على مواصلة حراكهن، نعم كل التحية لهنّ فهنّ البطلات الحقيقيات.
■ هل فعلاً تمكنتم كلجنة أهالي من هزّ أسرّة الحكّام وكيف؟
■ إليك أمثلة. أحد رؤساء الوزارة هرب من باب خلفي حين دخلنا كلجنة من الباب الرئيسي إلى مقر رئاسة الوزراء. وآخر قال لنا “العين بصيرة واليد قصيرة”. ومسؤول آخر قال: “انسوا، مطالبتكم بمعرفة الحقيقة تؤدي لحرب جديدة”. ومسؤول كبير سعى لمعرفة سعرنا كأهالي “حتى يضبنا من الشارع”. حينها أدركنا أبعاد هذا السلوك الرسمي للدولة. نستعيد الآن مسارنا بهدوء ونستوعب أننا فعلاً شكّلنا رعباً لعدد كبير من المسؤولين في لبنان. عندما نتابع معرض “خط زمني” الذي أقمناه في السفير بمناسبة أربعين لجنة الأهالي، وحالياً هو معرض دائم في بيت بيروت، ندرك أهمية ما قمنا به ونتبين بالملموس حقيقة التصرّف السلبي للمسؤولين حيال هذه القضية.
■ هل يُشير تورّط القاضي الذي كشفتِه كشريك في اختطاف عدنان إلى وجود شراكة بين الدولة والميليشيات في ذلك الوقت؟
■ أكيد. حدث عشته شخصياً، ولن أذكر وقائع كثيرة مماثلة مع غيري من الأهالي.
■ كم مرّة شعرت بتهديد شخصي على حياتك نتيجة فجور السياسيين؟
■ لا تُعد. وكثيراً واضطررت لترك بيتي مع ولديَ، كي لا أكون وحيدة في مواجهة أي مكروه. خفت على نفسي وعلى مصير طفلين بعمر 3 و6 سنوات بعدي، ومن سيتابع قضية عدنان.
■ هل ترددت بكتابة أي حقيقة في الكتاب؟
■ كنت أقول دائمًا: عندما تصبح الأوراق التي بين يديّ كتابًا، لا بدّ أن يُولد كتاب ثانٍ يروي المسار النضالي للواتي شكّلن القاعدة الأساسية لهذا النضال. من دون الأهالي، ما كنت لأتمكّن من إنجاز أي خطوة. كان من واجبي أن أقول الكثير مما لم يُقل في الإعلام، أو لم يُقَل عن لقاءاتنا مع رؤساء أو وزراء أو مسؤولين آخرين. بعيدًا عن الكاميرات، وفي تلك اللقاءات المغلقة، تظهر هشاشة معظم هؤلاء، هشاشة في الموقف، وفي الشخصية. هذه خلاصة تجربة لم نخترها، بل فُرضت علينا.
■ مسرحية “وداد النملة” وكتاب “ذاكرة ليست تمضي” هل تسأل وداد نفسها ماذا بعد؟
■ كان الكتاب ضرورة منذ زمن بعيد، لكني ترددت وخفت جداً لكوني لست بكاتبة. كنت وراء تجميع الأهالي وتأسيس لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. حبي الكبير لعدنان حسم أمر الكتاب، وكذلك حبي لولديَ ولأحفادي. نعم كما سبق القول أنا بصدد التفكير بكتاب آخر يوُثق نضال الأهالي. بين صدور الكتاب وبين مسرحية “وداد النملة اللي بتحفر بالصخر” تركيز على وداد، وهذا يُخجلني. فعلاً كان الحفر بالصخر وفي مواجهة جبل من التحديات. سنوات عبرت قبل أن نتمكن من تحقيق خطوة إلى الأمام. بعد صدور الكتاب وعرض المسرحية اكتشفت بأني تعرّفت إلى نفسي. المسرحية عرّفتني إلى وداد التي عاشت تخبطاً داخلياً مريراً لسنوت. وكما غيري من الناس تأثرت خلال مشاهدتي للعرض ودمعت عيناي. أشعرتني المسرحية بأن نقل التجربة الإنسانية والشخصية عبر المسرح يساهم بوصولها بسرعة أكبر، وأصدق. كما أنها تترسخ لدى الآخرين أكثر من البيان والمؤتمر الصحافي أو أية محاولة مكتوبة. بلغني أنه لدى عرضها في مدرسة في بلدة بشمزين سأل شاب صغير “هاي قصة حقيقية”؟ أن يستغرب شاب واقعية العرض المسرحي فهذا يؤكد قدرة القصة الإنسانية المعاشة على الوصول. الهدف أن لا ينجذب الشباب إلى أية حرب يوقدها زعماء هذا البلد، وأن لا يصبحوا وقودها. سيبقى هذا العمل في الذاكرة الجماعية، وإرثاً للأجيال المقبلة، فنحن ذاهبون عاجلاً أم آجلاً.
■ عالمنا العربي بغالبية بلدانه منكوب بالمخطوفين والمخفيين قسراً هل من تواصل مع الأهالي للاستفادة من التجربة؟
■ للأسف، كافة البلدان العربية تعاني من حالات الفقدان والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي. سوريا أقربها لنا، ونقيم علاقات مع عدد من الجمعيات والأفراد العاملين بحثاً عن المخفيين والمخطوفين، في لبنان وخارجه. وتجمعنا علاقات تبادل المعرفة حول تجربتنا مع الأصدقاء في كافة الدول العربية. وفيما خصّ الفلسطينيين الذين خطفوا على الأراضي اللبنانية، فأهاليهم شركاؤنا في لجنة الأهالي. و”أم عزيز” رحمها الله يعرفها العالم أجمعه بصور أبنائها الأربعة المخطوفين على صدرها، رحلت من دون أن تعرف مصيرهم. إنها رمز قضيتنا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية