75 سنة على قيامها وإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي هناك من يسعى لتصفيتها. هذه هي الدولة التي توجد وحيدة في قمة مقياس التنديد في المؤسسات الدولية. 10 تنديدات لسوريا منذ 2015 في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، 8 لكوريا الشمالية، 7 لإيران و140 لإسرائيل. هكذا أيضاً في محافل دولية أخرى. التنديدات لإسرائيل أكثر من كل التنديدات لكل دول العالم معاً. هذا ليس نقداً، بل هوس. ليست الأغلبية الظلامية فقط هي التي تخلق هذا التشويه اللاسامي، بل إن بعضاً من الدول الديمقراطية و”منظمات الحقوق” تشارك في احتفال العداء والكراهية.
ورغم ذلك، إسرائيل إحدى الدول المزدهرة في العالم. دولة أقامها لاجئون تشغل الخماسية الأولى في العالم من حيث التعليم العالي، في المكان الأول، 90 في المئة، وفي تكرير المياه. مفارقة الوجود الوطني بارزة على نحو خاص لأن إسرائيل هي أيضاً في المكان الأول في عدد التنديدات، وكذا الدولة اللامعة في المكان الأول في المساعدة الإنسانية. الحديث يدور أيضاً عن منظومات الري، وتنمية أنواع منيعة ضد الحشرات مما يساعد المزارعين في عدد لا يحصى من الدول، وعن الأدوية والتكنولوجيات الطبية، وإنتاج المياه من الهواء، وغيرها وغيرها. ولكن الحقائق لا تؤثر على الهوس. صحيح، محظور تجاهل النزاع الذي لا أحد يرى نهايته، بسبب الربط الفلسطيني، لكن يجب التدقيق: يدور الحديث عن عداء أعمق بكثير. عداء للصهيونية، عداء للقومية اليهودية. دعاية هائلة تجعل الصهيونية حركة استعمارية. كيف استعمارية؟ فأغلبية أولئك الذين جاءوا إلى إسرائيل كانوا لاجئين فروا من الاضطهاد. آباء آبائي الذين جاءوا قبل أكثر من مئة سنة كانوا استعماريين؟ لاجئو الاضطرابات في روسيا كانوا استعماريين؟ هل وصل أحد من اليهود إلى فلسطين بتكليف من قوة عظمى اقتصادية ما؟ لكن أعطوا بروفيسورا مناهضاً للصهيونية الفرصة وسيجعل كل لاجئ يهودي إمبريالياً، لا لأنه قد يشير إلى إمبراطورية ما تقف من خلفه أو بعثت به، لكن لا تقلقوا؛ هو سيجد تعريفات جديدة للاستعمار وللإمبريالية كي يجعل البحث الأكاديمي دعاية سياسية.
ينبغي أن نتذكر كيف وصلنا إلى استقلال إسرائيل. اليهود اضطهدوا على مدى آلاف السنين، فلماذا استيقظوا في نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20؟ لأن الكفاح في تلك السنوات تعاظم في سبيل الحرية والاستقلال وتقرير المصير لدى شعوب عديدة كانت تحت حكم الإمبراطوريات، وبدأ اليهود يطالبون بالأمر ذاته. تصريح بلفور ما كان ليصدر لولا الاعتراف الدولي بحق تقرير المصير. وزارة الخارجية الفرنسية نشرت تصريح كمبون الذي يحمل مضموناً مشابهاً، قبل أشهر قليلة من تصريح بلفور. لم يكن وايزمن وحده الذي حقق تصريح بلفور، بل هناك ناحوم سوكولوف، الذي تجول بين عواصم أوروبا وطلب أن يكون لليهود الحق ذاته الذي حصلت عليه شعوب أخرى. الاعتراف بحق تقرير المصير كان جزءاً من كفاح مناهض للإمبريالية ومناهض للاستعمار. ينبغي الانتباه أيضاً إلى حقيقة أن الانتداب الذي منح لبريطانيا على فلسطين كان في إطار نظام الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، كمرحلة انتقالية لغرض إقامة وطن قومي.
في أعقاب الفاشية والنازية، تعرضت الفكرة القومية إلى ضربة، وانتقلت القومية إلى التطرف، إلى العسكرة وإلى كراهية الأجانب. مفكرون كثيرون أيدوا مجتمعات منفتحة أكثر. ورغم ذلك، فإن العالم بعد الحرب العالمية الثانية بدا عالماً مركباً أساساً من دول قومية، وحق تقرير المصير منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. موجات الهجرة أعادت القومية القديمة التي عادت إلى العنصرية وكراهية الأجانب. لكن هذه النبتات العشوائية لا يفترض أن تستبعد الفكرة القومية. فقد حاولوا دفنها، وهي حية ترزق. يوغسلافيا تفككت إلى سبعة كيانات قومية في أعقاب الصراعات لتقرير المصير. روسيا تدعي بأنه لا توجد قومية أوكرانية، والعالم الحر يدعم أوكرانيا. فهل يمكن حرمان اليهود، وفقط هم، الحق الأساسي الذي هو لكل شعب؟
لقد كان الفيلسوف برتنرد راسل معارضاً معروفاً للنزعة القومية. لكنه كان استثناء واحداً: القومية اليهودية. “على مدى زمن طويل كان لدي شك في أهمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين”، كتب في 1943. “لكن بالتدريج بدأت أرى بأن في العالم الخطير والمعادي في معظمه، من الضروري أن تكون لليهود بلاد خاصة بهم”. ليس واضحاً كم عرف عن الكارثة في حينه. لكنه بالتأكيد عرف عن كراهية اليهود التي ميزت أجزاء واسعة في الغرب.
نعيش في مفارقة وطنية. من جهة، ثمة تشكيك في مجرد وجود الدولة، ومن جهة أخرى، بالنسبة للتاريخ اليهودي مشكوك أن يكون هناك شعب آخر مع مبرر بهذا الحجم لتقرير المصير وللوجود القومي. صحيح، لا حاجة لتجاهل وجود سكان عرب شعروا بالظلم هنا، لكن الجانب العربي هو الذي رفض كل الحلول التي عرضت عليه، حتى قبل قيام الدولة، من قبل الأسرة الدولية.
وصلنا إلى السنة الـ 75 مع إنجازات هائلة، ونحن في ذروة أزمة. لكن مسموح الافتراض بحذر، بأن الديمقراطية ستنتصر على السياسة. عيد استقلال سعيد.
بن – درور يميني
يديعوت أحرونوت 25/4/2023