بيروت- ستيفاني راضي: يحتفل اللبنانيون بعيد الاستقلال الـ79 وسط استمرار أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ البلاد، يرافقها فراغ رئاسي.
وحصل لبنان على استقلاله عن الانتداب الفرنسي في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1943.
ومنذ 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لا يزال البرلمان اللبناني يخفق في انتخاب رئيس للجمهورية خلفا لميشال عون الذي انتهت ولايته آنذاك.
وهذه المرة ليست الأولى التي يمرّ فيها عيد الاستقلال في لبنان دون وجود رئيس له.
فعقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق ميشال سليمان يوم 25 مايو/ أيار 2014، عاش لبنان أطول فترة شغور رئاسي، تخطت عامين وخمسة أشهر، لحين انتخاب الرئيس السابق ميشال عون في 31 أكتوبر 2016.
ووفق مطلعين، فطالما يلعب النفوذ الأجنبي دورا في إبرام صفقات لانتخاب الرئيس في البلد، أو في تشكيل الحكومات أو غيرها من القرارات المصيرية.
ويأتي الفراغ الرئاسي هذه المرة وسط انهيار اقتصادي في لبنان، صنفه البنك الدولي بأنه “الأكثر حدة وقساوة في العالم”، وصنفه ضمن أصعب ثلاث أزمات سجلت في التاريخ منذ أواسط القرن التاسع عشر.
منذ نحو 3 سنوات، يعاني لبنان من أزمة اقتصادية غير مسبوقة أدت إلى انهيار قياسي في قيمة العملة المحلية (الليرة) مقابل الدولار، وشح في الوقود والأدوية وهبوط حادّ بالقدرة الشرائية لدى المواطنين.
تغيب اليوم مظاهر الاحتفال بالاستقلال والأعلام اللبنانية في شوارع بيروت وغالبية المناطق اللبنانية.
ويُجمع اللبنانيون على أن عيد الاستقلال ناقص في ظل غياب القرار الوطني الجامع لبناء الوطن، وبالوقت نفسه يملكون الأمل بأن الأمور ستصطلح يوماً ما.
وتقول سيدة لبنانية خمسينية للأناضول بينما كانت تتجول برفقة زوجها على كورنيش عين المريسة في العاصمة بيروت: “كل عام نحتفل بالاستقلال لكننا لا نشعر به وكأنه كلام من دون فعل، نحن لا نشعر فعلا بأننا مستقلون”.
ويرى المواطن الستيني محمد زيدان، أن الاستقلال “ناقص لأن انتخاب رئيس للبلاد يحصل نتيجة قرارات خارجية، علماً أننا كلبنانيين نريد أن يكون قرارنا بيدنا وأن يكون الانتماء للبنان”.
وقال زيدان: “رغم كلّ ما يحصل في البلاد يبقى الأمل، فلبنان بلد صغير ولديه كل الإمكانات ليكون الأفضل”.
من جهته، يؤكد الخمسيني علي زين الدين “أهمية ذكرى الاستقلال بالنسبة له”، مشددا على أن “هذا العيد يجب أن يكون الأجمل والأكثر تعبيراً في البلاد”.
ورغم ذلك، يعتبر زين الدين أنه “بالتزامن مع عيد الاستقلال هذا العام لا أمل لديه في تحسن الأوضاع في ظل وجود الطبقة السياسية الحاكمة بلبنان”.
لا يختلف رأي المحللين عن رأي الشعب بذكرى الاستقلال هذا العام، فيرى المحلل السياسي سركيس أبو زيد أن لبنان “مستقل شكليا ولا شعور بوحدة وطنية حقيقية تشكل ضمانة للبلد”.
ويشير أبو زيد في حديث للأناضول، إلى أن “الحكومات التي تعاقبت بعد الاستقلال لم تستطع بناء دولة قوية، تملك هوية واضحة وولاء وطني بل بقي لبنان بحالة مربكة يتأثر بأحداث المنطقة”.
ويواجه لبنان حاليا أزمة حكم غير مسبوقة مع عدم وجود رئيس للبلاد وفي ظل حكومة تصريف أعمال برئاسة نجيب ميقاتي محدودة السلطات وبرلمان منقسم على خيارات عدة، فلا تملك جهة قوة أن تفرض رئيسا بالانتخاب الحر كما ينص الدستور.
وضمن التوافقات، يتولى رئاسة البلاد مسيحي ماروني ورئاسة الحكومة سُني ورئاسة البرلمان شيعي.
ووفق الدستور اللبناني فإن مجلس النواب ينتخب الرئيس بالاقتراع السري، وهذا المجلس يتألف من 128 مقعدا يتم تقسيمها بالتساوي بين الطوائف الإسلامية والمسيحية.
ومنذ انتهاء ولاية عون فشل البرلمان اللبناني 6 مرات في انتخاب رئيس للبلاد، على أن تكون الجلسة السابعة في 24 نوفمبر الجاري، وسط غياب أي أمل بتوافق على انتخاب رئيس.
وكانت الانتخابات النيابية التي حصلت في مايو الماضي، أفرزت مجلسا منقسما للغاية بحيث لا يستطيع أي فريق تشكيل أكثرية لوحده لبسط قراراته، وذلك بعدما كانت الأكثرية المطلقة بيد “حزب الله” وحلفائه في برلمان عام 2018.
ويشير أبو زيد، إلى أن نتائج الانتخابات النيابية “أفرزت مجموعة كتل لا تستطيع أن تشكل أكثرية لوحدها”.
ويرى أن كل الدلائل تشير إلى أنه “لا احتمال للاتفاق على رئيس للبلاد قريبا”.
ويعتبر أبو زيد، أن “الكل بانتظار التدخل الخارجي لتركيب أكثرية جديدة لكن هذا قد يزيد من الانقسامات الداخلية”.
في أغسطس/ آب 2021، أعلنت الأمم المتحدة أن الفقر أصبح يطال 74 بالمئة من اللبنانيين، بعد أن سجل 55 بالمئة من السكان بالعام السابق، و28 بالمئة في 2019.
ويقول الأربعيني اللبناني ياسر، إن الشعب “لا يشعر بالاستقلال، والناس يعيشون وسط أزمة اقتصادية فادحة والحل ليس بيدها”. لكنه يستدرك قائلا، إن الشعب اللبناني “لا يستسلم بسهولة”.
وفي أكتوبر الماضي، حذر رئيس مجلس النواب نبيه بري من أن لبنان “قد يستطيع أن يتحمل أسابيع، لكنه لا يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك، ولا يمكن أن يتحمل اللبنانيون مزيدا من التدهور”.
بالمحصلة، يترنّح اللبنانيون بين مشاعر الإحباط والأمل في ذكرى الاستقلال الـ79، مترقبين أي بصيص أمل ينتشلهم من الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد.
(الاناضول)