إذا كان ابتكار الأساطير قد أثار اهتمام فريزر فدرس الأفكار عن السحر البدائي والخرافة والعادات والتقاليد، وقسّم الأسطورة إلى قوة اعتباطية لما وراء الطبيعة أي السحر، وإرادة الآلهة، فإن لكارل يونج استقصاءات عقلانية للأسطورة، بوصفها حالات تكشف عن ميل الإنسانية للاعتماد على مخزون جماعي، دعمتها طروحات ليفي شتراوس البنيوية، حول وظائف الأساطير ودورها في حل المتناقضات بين الثنائيات: الحياة والموت، الذات والمجتمع، الطبيعة والثقافة.
وقد عدّ ألبير بيغان في كتابه «الروح الرومانسية والحلم» الرومانسية أسطورة بحد ذاتها كونها تمنح الإنسان الإمكانيات لابتكار الأساطير بمعنيين، الأول يستودع في مكنونات التاريخ، والثاني يكشف عن الأحلام واللاوعي، مميزاً بين ثلاثة أنواع من الأساطير الرومانسية: أساطير الروح وأساطير اللاوعي وأساطير الشعر، مؤكدا أن الشعر هو الحل الوحيد لمعاناة المخلوق المسجون في الزمان.
وعربياً لم يلتفت شاعر معاصر إلى ما في هذا المنبع الثرِّ، الذي تمثله الأساطير من مديات وفضاءات، مثلما التفت إليها السياب منتصف القرن الماضي، صانعا تاريخه بوعي أسطوري جعله يملك التأثير الشعري والفاعلية الإبداعية، وبهما صار شعره نفسه منبعاً يمد المبدعين بأساليب الأسطرة وموئلاً منه يستقي الشعراء طرائق التأسطر التي بها يعطون لتجاربهم صوراً رمزية، تستمد من بساطة البدائي ما به تتمكن من فهم تعقيدات الزمن العصري، مستوعبة ترسبات تركتها ذاكرة اللاوعي الجمعي عن أساطير الآلهة والأبطال، التي ترسخت في أذهان البشرعبر الأجيال، وتراكمت بشكل حي حاضر ومتجدد. وهو ما وظفه من بعد السياب شعراء العربية المعاصرون بشكل جليٍّ وعبر طريقين: الأول طريق التوظيف الشعري للأسطورة القديمة، والآخر طريق التوظيف المؤسطر للقصيدة الشعرية.
وقد برع السياب في انتهاج هذين الطريقين اللذين يفضيان عنده إلى محصلة جمالية واحدة فيها الأسطورة روح تركيبية ومضمون إنساني، فيه يصبح الشعر عالما أسطوريا وفضاء ينبع من داخل اللغة لينتهي بها، منصهرا في وعاء احتوائي فيه تجربة الشاعر مصوغة بطريقة لا تقليدية تحويلية، وبأجواء مرمزة بالذاكرة ومتشكلة بمعطيات دينية وتاريخية امتزجت بالأسطورة فاستمدت منها القصيدة سموها وحيويتها.
وهو ما وظفه ت.س. أليوت في شعره، مولعاً به أشدَّ الولع، ومن ثم سار على طريقه شعراء إنكليز وأوربيون. وهم بلا شك مدينون له كونه حرك في مخيلاتهم كوامن طاقات شعرية ذات معطيات أسطورية عميقة وجمالية. وقد حذا بدر شاكر السياب حذو أليوت، ناهلا من الأساطير، لكنه تجاوز أليوت حين عرف كيف يضع يده على أساطير فيها يجد المحركات النابضة بالعفوية، والممدة بالطاقة التي تشحن تجربته بكل ما هو جمالي، وتقف أسطورة نرسيس في مقدمة تلك الأساطير، التي أعاد السياب إنتاجها مؤسطرة بطاقة تعبير تنم عن ذائقة شعرية بمديات مفتوحة من التشكيل والتعبير، بهما تفرد السياب، مبتدرا للحالمين أمثاله من شعراء العربية مجالات للتخييل والتهويم. والسؤال لماذا هذه الأسطورة؟ إلأن نرسيس اتهم بالأنانية والكبرياء، وعشق الذات، والنفور من الآخر، وجمود العاطفة وعدم القدرة على الحب؟ أم لأنه يوم اكتشف أن الصورة المنعكسة على صفحة الماء لم تكن غير صورته ثار وغضب حانقا على نفسه أن يكون صاحب الصورة، وأخذ يضرب صدره بكفيه المرمريتين فغابت الصورة وغاب صاحبها؟
عموما لم يكن السياب وحده المأخوذ بهذه الأسطورة، فقد اهتم بها وتأويلاتها القدماء كأفلوطين ودانتي والنقاد الغربيين المحدثين كفرويد وبول فاليري وباشلار وجوليا كرستيفا.. فأمّا أفلوطين فقد ركز على جهل الذات، وأن عيب نرسيس يكمن في جهله أن الصورة المنعكسة في الماء ليست إلا صورته، ما ولّـد تشظـي الصورة وضبابيتها وتعددها، في حين عـدَّه دانتي رمزاً للأنانية والكبرياء، والمنبع الذي رأى فيه صورته مكاناً للزيف والفناء وانَّه ضحية رؤيته الخاطئة.
وألحّ فرويد على العلاقة بين عشق الذات والموت، وأن الأنا إذا لم تجد من تُسقَط عليه طاقتها فإنها تجعل الذات غاية لتفجرها وتقتلها، وذلك ما فعـله نرسيس يوم اكتـشف أنه لا وجود للغير في منبع الماء ومراياه. ورأى باشلار أن الماء مرآة مفتوحة على أعماق الأنا، وأن انعكاس الأنا فيها يدلل على نزعة مثالية. ووجد فاليري، أن في الامر نرجسية كونية، فالسماء والغابة تشاركان نرسيس عشق صورتهما المنعكسة على صفحة الماء، وبذلك لم يبقَ وحيدا، فالكون بأكمله ينعكس معه فيحتضنه وينتعش بروحه، وفاليري هو الذي أعاد الاعتبار إلى (نرسيس) وبعثه في صورة شاعر. ومنهم من رأى الأسطورة أثما أنانيا، ومنهم من تعاطف معها ودافع عنها، ومهما قيل فإنَّ نرسيس واحد من الذين نظروا إلى ذواتهم، فقاموا بتضخيمها مجسدين التفوق فيها، وهو في الآن نفسه واحد من الذين حملهم ازدراؤهم لذواتهم وتفجعهم منها إلى تحطيمها والتقليل من شأنها وجعلها هامشيةً في معترك الحياة والبقاء. وهو ما تعكسه تعددية صور نرسيس التي تشكلت على صفحة الماء، حين انهمرت دموعه، فكانت بمثابة مرايا، لكنها مراياه التي بها وعى أنَّـه كان واهماً ومخدوعاً، فتفجع حتى سقط في الماء ميتاً.. فنبتتْ مكان السقوط زهرة (النرجس) منتصبة في كبرياء، بيضاء رائعة الجمال متعددة في وحدتها لا يغير اختلافُ المواقف والقراءات من طبيعتها، لأنها باقية بقاء الماء وبقاء الأساطير.
ولا نغالي إذا قلنا إن السياب أراد من نرسيس وميدوزا وأيكال وبرومثيوس وغيرهم تقديم أيديولوجية أسطوريـة هي ليست آنية يبدعها الشاعر في حاضرهِ حسب، وإنما هي استدعاء تاريخي المراد منه أن يلقِّم أيديولوجيته بعداً يبقيها حية على الدوام. والأسطرة خير طريق بها يبعد عن التقليدية ممتلكا العمق المعرفي والثقافي، وقادرا على دمج الوعين الفردي والجماعي.
وبأسطرة السياب للأسطورة أعني إعادة إنتاجها شعريا من جديد، تصبح القصيدة بين يديه سيريالية وقد تكون رومانسية أو رمزية، بحسب الانتهاج الذي به طوع السياب الأسطورة لتخدم نصه محققا الأدلجة الفنية المناسبة لمادته القولية، التي يمشكلها قالب قصيدة التفعيلة، حتى تبدو الأسطورة في أغلب قصائده كأنها من صنعه وابتكاره هو، مقدما عبرها تجربته الشعورية الذاتية في صورة رمزية وموضوعية تُهندس الذات هندسة جمالية، معطية لها بعداً مثاليا أو مظهرة لها بمظهر واقعي يشي بسموه وهيمنته، والشاعر فيها يبدو كأنه هو نفسه أسطورة في قصيدته. ولو افترضنا جدلاً أن الذات أسطورة حاضرة في عملية التشكيل الثقافي وأن الشعراء مبدعو أساطير في مختلف المجتمعات والثقافات، فعند ذاك سيكون لكل شخصية شاعرة طريقتها في تشكيل أسطورتها، وفي حل مشاكل الحياة وقيم المجتمع ووضع الاستنتاجات التي هي أشبه ما تكون بالتطهير الأرسطي، فإن الذات السيابية ذات متحكمة في الكيفية التي بها تصنع من الأسطورة أداة تجعل القصيدة وكأنها آلة تفريغ شعوري، تستبدل الانفعالات المعيقة والمؤسلبة بالمؤثرات الفاعلة التي تصبها صبا جماليا في ذهن المتلقي لها. ويتفاوت أسلوب السياب في طرائق أسطرة قصائده فنيا وجماليا، فتارة يؤسطر خيالاته أسطرة الفنية في شكل تراجيديا واقعية عاشها أو لمس أبعادها بيديه، وتارة ثانية نجده يذهب بالقصيدة مذهبا عجائبيا بأفعال غرائبية هنا وهناك، وتارة ثالثة تتشكل الأسطرة في قصيدته من إبداعات شعبية، أو من استدعاءات ملحمية أو ثورية أو من رؤى تهويمية حالمة. وهذا التفاوت في توظيف الأسطرة يجعل مستوى التأسطر عند السياب يتصاعد من قصيدة إلى أخرى ويرتفع من دون أن يفقد وجوده وانتماءه. وبغض النظر عن كون هذا الارتفاع الأسطوري بالنسبة للآخر قد اتخذ شكلا تصادميا أو تصارعيا، أو كان أنموذجيا كما فعل (زيوس) حين أحرق بصاعقته الرجل الذي سعى للكسب بإفراط .
ويؤدي الاعتدال دورا مهما في توازن الأسطرة السيابية وصيرورة فاعليتها، فلا تعاني في حقيقتها تشتتا ولا استهلاكا، جامعة الميثولوجيا والأيديولوجيا بلا انفلات ولا قيود، فيها يحظى كل من الخير والشر بحدود فاصلة، تجعل الإرهاب والنضال والجريمة والعقاب والظلم والعدل، إلخ ثنائيات فكرية أيديولوجية، والأسطورة بينها بمثابة مركز وجوهر ووجود وكينونة.
وإذا كان مطلوبا من الشعر أن يبلغ الصميم الوجداني، فإنًّ من شأن القصيدة المؤسطرة أن توجه متلقيها باتجاه ماهيتها وفحواها معيدة إياه إلى روحه، موقظة نفسه على جوهرها، وهذه هي مهمة الشعر العظيمة، أي أن يجعل النفس مندرجة في ما هو عالٍ وسامٍ، مخلصاً إياها من النبو والدونية.