في ذكرى ميلاده الثامن بعد المئة: بيرسا في رحلة عشق مع نجيب محفوظ

أن تقرأ روايةً لنجيب محفوظ فهذا شيء جيد وممتع وجميل. لكنكَ حين تقرأ روايةً عنه، فهذا أمر مختلف تمامًا، وقد يثير، أحيانًا، الفضول والريبة قبل معرفة السبب والتفاصيل. وهذا ما فعلته الكاتبة والمترجمة اليونانية بيرسا كوموتسي في روايتها «في شوارع القاهرة.. نزهة مع نجيب محفوظ» التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، وأنجز ترجمتها إلى العربية خالد رؤوف.
في هذه الرواية نجد خطين متوازيين ومتلازمين أيضًا معًا، أولهما سيرة الكاتبة الذاتية، وثانيهما تحليل وتوصيف أعمال نجيب محفوظ التي تعلن الكاتبة صراحةً انبهارها بها، حتى إننا يمكن أن نقول عنها أنها قصيدة عشق في شخص وكتابات محفوظ. ما يبهر الكاتبة في أعمال محفوظ أن فن الكتابة لديه لا يهدف فقط إلى جماليات الكتابة، لكنه يتطرق إلى التوازي وبجدية إلى موضوعات عالية الفلسفة. كذلك ترى أسلوبه متنوعًا وسلسًا وبسيطًا وفيه مقاطع تتخطى حدود الشعر، بل إنها ترى كذلك، وهذه حقيقة، أن محفوظ ساهم في تشكيل فن السرد العربي الذي يتجه إلى الإنسانية كلها، وهذا هو سبب عظمته التي حظيت بعدد غفير من القراء في كل العالم، وجعل دور النشر الكبرى تتسابق في ترجمة أعماله وكتاباته.
في مقدمته، التي يُعرّف القارئ فيها بالكاتبة، يقول المترجم إنها تصحبنا في هذه الرواية في جولة في شوارع القاهرة، التي عاشت وقضت بها طفولتها وشبابها ودراستها الجامعية، عبر مسيرة حياتها في نزهة مع عملاق الأدب العربي نجيب محفوظ، ليس فقط بوصفها قارئة له أو مُحبّة لأعماله، ولا حتى بوصفها شخصًا عرفه، ولكن بوصفها مترجمة لأعماله وناقلة لفلسفته. لقد عاشت الكاتبة منذ طفولتها في مصر، ما سمح لها أن تقوم في روايتها بتشريح المجتمع المصري سياسيًّا واجتماعيًّا، راصدةً تحوّل مصر سياسيّا واجتماعيّا، خاصة وهي تكتب عنه بوصفها أحد أبنائه، وليست غريبة عاشت فترة ما على أرض مصر: «هذه هي مصر، وهذا هو سحرها، بشعبها غير المتجانس، بالتباينات والتناقضات».
بيرسا التي تُهدي روايتها هذه لمصر وتُقسمها إلى ثمانية عشر فصلا وخاتمة، تبدأ كل فصل من فصولها بمقتطف من أعمال نجيب محفوظ التي قامت بترجمتها إلى اليونانية. بداية تتساءل الكاتبة، مع القارئ، عن السبب الذي دفعها، وبإصرار شديد، إلى تدوين هذه الشهادة العجيبة، تقصد هذه الرواية. إننا هنا لسنا إزاء عمل روائي سردي يحمل سمات السيرة الذاتية فقط، كونه يتكئ على أحداث واقعية وشخصيات مأخوذة من الواقع، لكنه عمل روائي يرصد الواقع المصري في سنوات شديدة الحساسية في تاريخ مصر المعاصر، عاشتها الكاتبة كمصرية يونانية.
بدأت بيرسا كتابة هذه القصة، كما تسميها، وهي تشعر بجرح ويأس عميق من الحياة، وقد لاذت بالكتابة، لأن معلمها الكبير، تقصد نجيب محفوظ، كان يقول: «عندما يعيش المرء اليأس أو الحزن، عادة ما تكون الكتابة غايته وملاذه». بيرسا كتبت روايتها هذه تحت تأثير احتياج داخلي عميق، حتميّ وحاسم، بعد أن تعاطت مع أعمال محفوظ وفلسفته وقناعاته وأفكاره، ليس فقط الظاهر منها، بل أيضًا تلك التي تُستشف من تحت غشاء بساطة كلماته. إنها تشعر أنها تواءمت مع جزء صغير من عقله، جزء ضئيل من فكره، من سخريته وواقعيته وفلسفته. ومع ذلك ترى أن القراء النهمين، خاصة نقاد روايتها هذه قد يتساءلون عن معنى هذه الشهادة، وربما يسخر منها البعض، أو يقللون من شأنها، لكنها كتبتها كي تسرد ما بداخلها، متخلصة من كل تلك السنين التي كانت تقبع متربصة في نفسها وتثقل وجدانها المُثقَل فعليًّا بمزيد من الحزن والحنين.
بيرسا التي رأت أن فكرة الموت، بدأت عند محفوظ منذ عمله الأول حتى أنها تصف علاقته بالموت بأنها علاقة عشق، وتحدٍّ كبير وشجاعة، ترصد عبقرية وعظمة كتاباته التي ترسم صورة لواقع يشبه، إلى حد كبير، الواقع الذي عاشته هي بكل تفاصيله وشخصياته، رغم كونه لم يكن يدري عن عالمها أي شيء. لقد تعرفت إليه وهي بعْدُ طفلة، أيام كان يذهب هو إلى مبنى وزارة التعليم والثقافة القريبة من محل سكنها. كانت تراه، هي وصديقها عادل، ببشرته السمراء ونظارته السوداء السميكة من بعيد، ومرة بعد مرة كانا يقتربان منه فيصافحهما ويربت على رأسيهما. لم تكن بيرسا تعرف من يكون هذا الرجل الذي يُحييه حارس البناية باحترام شديد، لكن عادل، الذي كانت كل كتب محفوظ في مكتبة والده والتي أهداها إليها قبل أن يغادروا مصر إلى إحدى الدول العربية، وكان يشاهد هو وأسرته المسلسلات المأخوذة عن أعماله، كان يعرفه. في ما بعد عرفت بيرسا أن أعمال هذا الرجل شكلت وجدان أجيال عديدة، وأن أفكاره أثرت في قناعات ووجدان شعب بأكمله. لقد جاء محفوظ بثورة فكرية إلى مصر، وظلت تعاليمه كشريان تحتيّ يُغذي شعبه لأكثر من ثمانين عامًا.

بيرسا تذكر أنها تعلمت من أعمال محفوظ كما لم تتعلم من سواها، وقد أثرت فيها أعماله بشكل ملحوظ: «كل عمل من أعماله أثر فيَّ وعلمني بطريقة فريدة، وترك في نفسي مذاقًا لا يوصف من الاكتمال والرضا والعذوبة، وهي أشياء لم أجدها قط في أي شيء فعلته في حياتي».

كانت بيرسا تُسميه الفرعون لملامحه المصرية الأصيلة، وقامته الفارعة وبشرته السمراء. كانت تراه جنّيًّا نحيلا طويلا من الأساطير، أو عملاقًا طيبًا يأتي ثم يختفي في أحشاء البناية السحرية: «لكن فرعوني، عملاق أسطورتي، كان المفضل لديّ، كان الوحيد الأكثر لطفًا. ميّزته من البداية بدون أن أستطيع أن أدرك السبب». كانت بيرسا ترى أن محفوظ تناديه المعرفة من بعيد. أما أول مرة جمعتهما معًا، يسألها وتجيبه فقد كانت وهي طفلة تنتظر حبها الأول عادل على سلم البناية السحرية، كما تسميها، إذ حياها وسألها بود شديد عن اسمها، ولما عرف أنها من اليونان هنأها على جمال لغتها، وأخبرها أنها من بلد عظيم له حضارة باهرة كمصر. بعد ذلك رأت فيه مُعلّمًا لم يكن قط مجرد حكّاء بسيط لقصة عادية، إذ كان سرده نتيجة لعملية ملاحظة معقدة ومركبة للإنسان وعناصره التي تحدد وجوده وسلوكه ورغباته وأحلامه. لقد كان الإنسان بالنسبة له هو المركز ونواة العالم. كذلك رأت أن شخصيات محفوظ ما هي إلا مرآة للحقيقة، وقد توصلت لهذا بعد أن ضاهت الشخصيات التي تعرفها بشخصيات رواياته.
تبدأ الرواية من مرحلة الطفولة حيث تسرد الكاتبة ذكرياتها أيام كانت تسكن مع أسرتها في شقة كبيرة بالقرب من أهرام الجيزة، ثم ونتيجةً لضائقة مالية مفاجئة تعرضت لها أسرتها، انتقلت الأسرة إلى شقة صغيرة وضيقة على مقربة من شارع مراد. يومها لم يقل لها أحد شيئًا عن سبب الانتقال، لكنها عرفت ذلك بعد عودة الأسرة إلى بيتهم الأول بعد مرور عشر سنوات من تركه للمرة الأولى. وبعد أن عاشت أيامًا وهي في حالة ضيق من هذا التحول السكني، إلا أنها راحت تحب هذه الشقة الجديدة، لأنها كانت ترى الأهرام من شرفتها، وهي التي حملت لها أول إحساس بالحب الأول، إذ تعرفت إلى عادل الطفل ذي التسع سنين، الذي كان يدق قلبها كلما رأته، والذي صار في ما بعد الشخصية الرئيسية في إحدى رواياتها، وكذلك حملت لها، هذه الشقة، أول تجربة في ما يتعلق بالموت، بالحرب والدمار، ورغم كل هذا فهي تعلن أنها عاشت فيها أجمل أيام حياتها.
في نزهتها مع نجيب محفوظ ترسم بيرسا كوموتسي بورتريهات للبسطاء الذين كانوا يسكنون في شارعها، كانوا فقراء، لكنهم كانوا على الرغم من فقرهم، يتحلون بالطيبة والشهامة والكرم، وكان حسهم الفكاهي واضحًا. كذلك ترصد أحداث ووقائع سياسية منها هدم قرية النوبة وقت بناء السد العالي، ونزوح النوبيين إلى أماكن أخرى، ومنها حرب الأيام الستة وهزيمة الجيش المصري في الخامس من يونيو/حزيران 1967 وضحاياها الذين كانت أعدادهم مهولة، حتى إن كل بقعة من مصر كانت قد قدمت شهيدًا أو أكثر: «ليس هناك أقسى من الموت، حتى إن كان يلبس لباس البطولة والشهادة، ربما حينها يصبح أكثر برودة وقسوة». كذلك ترصد بيرسا مشاعر المصريين وهم ينتظرون خطاب عبد الناصر بعد النكسة، ينتظرون مشتتين بين مشاعر متناقضة: بين حزن عميق وتطلّع إلى المستقبل. إنها تصوّر عبد الناصر يوم تنحيه بالمُتعَب المهزوم، الذي أعلن الهزيمة وأقر الإفلاس وراح يرثي القدر للشعب. ترصد كذلك حالة الفوضى والاعتقالات وحوادث الانفجار التي تلت هذه الأحداث، وانفجار غضب عبد الناصر في المفكرين والمثقفين الذين كانوا من أكبر مؤيديه. ترصد نتائج قرارات عبد الناصر، ومنها قرار الوحدة العربية، وأثرها على الشعب المصري، وتذكر أن كثيرين في مصر وأوروبا لقّبوه بالمُصلح الرومانسي. بيرسا تذكر كذلك ثورة عرابي وتصفها بأنها كفاح نبيل انتهى بشكل مأساويّ، وترى أن ثورة 1919 كانت من أهم الأحداث والثورات في التاريخ الحديث. مثلما تصف عهد عبد الناصر وعهد السادات، من خلال كتابات محفوظ عنهما، إذ جعلهما يتحدثان عن نفسيهما في بعض أعماله. كذلك تتعرض لأزمة سياسية حادة حدثت بين مصر وقبرص عام 1978، وللمظاهرات التي كانت تجتاح جامعة القاهرة اعتراضًا على قرار سياسي، أو وضع ما، ولظهور الجماعات الدينية المسلحة، التي اتصفت بالتعصب والعنف، كما تناقش قضية الطيور المهاجرة التي تترك وطنها نتيجة للتضييق عليها وإقصائها عن المشهد الحياتي، فيخسر البلد مجهوداتهم وعلمهم إلى الأبد: «أنا واثقة أنه لو بقي لكان قد قام بثورة في ثقافة وحضارة بلده». ما يبهر بيرسا في أعمال محفوظ أنه كان يسجل ببصيرة واقعية الصورة الأساسية للطبقة البرجوازية والمتوسطة في المجتمع المصري. كذلك يبهرها حبه للمرأة، وتمجيده لها، في كل كتاباته بلا استثناء، بطريقة لا مثيل لها: «كلما أثقلتني الحياة والأشياء من حولي، كان يكفيني أن أقرأ بعض المقتطفات من كتبه، حتى أجد التفاؤل في الحياة. كانت كتاباته وما زالت بالنسبة لي المرفأ والملاذ».
بيرسا تذكر أنها تعلمت من أعمال محفوظ كما لم تتعلم من سواها، وقد أثرت فيها أعماله بشكل ملحوظ: «كل عمل من أعماله أثر فيَّ وعلمني بطريقة فريدة، وترك في نفسي مذاقًا لا يوصف من الاكتمال والرضا والعذوبة، وهي أشياء لم أجدها قط في أي شيء فعلته في حياتي».
الرواية التي نقرأ فيها مقتطفات كثيرة من أعمال محفوظ، كما ذكرت من قبل، يصاحبها تحليل وكشف رؤية لهذه الكتابات، تكتظ بالمشاعر الإنسانية الفياضة، التي نجحت الكاتبة في وصفها بامتياز. إنها تعبر عن مشاعرها بلغة رقيقة ومؤثرة تجعل القارئ يعيش الأحداث وكأنه هو بطلها الوحيد. من هذه المواقف المؤثرة، موقف وداعها لعادل حين احتضنته وقبّلها وراحت تبكي بحرقة: «إن بعض الناس لا يرحلون، لا يفارقوننا أبدًا، يصرون على التنفس في حياتنا، إما كذكرى أو كفكرة، أو حتى كوجود حي في وعينا وضمائرنا». وفي الأخير: لقد كتبت بيرسا هذه الرواية الممتعة إلى حد كبير، مبحرة في عالم نجيب محفوظ الساحر عبر سرد روائي تحسد عليه، بعد أن هامت عشقًا، في محبة مصر ومعلّمها الكبير نجيب محفوظ، كاشفةً عن افتتانها بهذا الأديب الفيلسوف الكبير الذي استمرت علاقتها به وبكتاباته طيلة أربعة عقود من الزمن، بل أكثر، معبّرة عن حبها واحترامها لهذا البلد ولثقافته التي صنعها مبدعوه ومثقفوه الكبار: «حتى هذا العائق عبرْته بنجاح مدعومة بالحب والاحترام الذي كنت أُكنّه لثقافة هذا البلد». وليس هناك ختام لهذه القراءة أفضل من هذا المقطع المحفوظيّ الذي يقول فيه: «إن لم يكن للحياة معنى، فلمَ لا نخلق لها معنى؟ ربما كان من الخطأ أن نبحث في هذه الدنيا عن معنى، بينما مهمتنا الأولى هي أن نخلق هذا المعنى».

٭ شاعر ومترجم مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية