في ذكرى هزيمة يونيو 1967: المثقفون تحت مظلة الحكم الناصري

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تمرّ هذه الأيام الذكرى الثالثة والخمسين على هزيمة الخامس من يونيو/حزيران 1967. ولن نتحدث عن أسباب وتبعات ما حدث، فقد قُتل الأمر بحثاً. ولكن لنحاول الرؤية من زاوية أخرى، وهي علاقة المثقفين وسلطة يوليو/تموز، والممثلة في رجلها وصوتها الوحيد جمال عبد الناصر.

هذه العلاقة، رغم اختلاف نغمات أصحابها، إلا أنها تكشف الكثير عن العقلية التي كانت تدير البلاد وقتها، والتي ـ للأسف ـ لا نستطيع حسبانها من الماضي ـ نحن لا نتحدث عن تاريخ الفراعنة مثلاً ـ لم تزل تمثل، رغم تفاوت الشخصيات والزمن، العقلية التي تتعامل السلطة من خلالها. من ناحية أخرى يمكن الكشف عن شخصية المثقف ودوره، التي ربما لم تختلف حتى الآن سوى في التفاصيل. فما بين الثقافة والسلطة في ما يطلق عليه المجتمعات العربية يمكن أن يندرج تحت مُسمى (تاريخ الهراء)، وما (الجماهير)، سواء قارئ أو مستمع أو مُشاهد، مجموعة من المساكين، في بؤسهم يعمهون.
هنا نستعرض شهادات البعض من مثقفي ومسؤولي تلك الفترة، كما جاءت في كتاب بعنوان «الشهادات الأخيرة.. المثقفون وثورة يوليو) لمصطفى عبد الغني، التي لم تزل صالحة للقراءة هذه الأيام.

إبعدوا عن السلطة

في مقدمة الكتاب يذكر الكاتب رؤية عبد الناصر للمعارضه، فيقول «كان من الواضح أن عبد الناصر حريص أشد الحرص على أن يكون المعارضون (تابعين) للتنظيم الرسمي، وأنه لا مجال هناك لصراع بين التنظيم الرسمي، وأي تنظيم آخر ـ يساري أو إسلامي ـ لقد كان المثقفون فرادى ـ مهما عارضوا ـ غير خطرين، أما حين يقومون بدور مناقض من داخل التنظيمات، فهنا الخطر الذي يخشى منه عبد الناصر». وتأتي شهادة أبو سيف يوسف، أحد رموز اليسار المصري، الذي يذكر كلمات عبد الناصر في لقاء مع المثقفين، وكان أبو سيف من بينهم «عبد الناصر قال للمثقفين اليساريين بشروا بالاشتراكية وابعدوا عن السلطة». وعن سؤاله عن معرفة عبد الناصر بما يحدث في السجون، يجيب، بالتأكيد كان يعرف، إلا أنه لا يعرف التفصيلات. فقد كان يعرف أن اليساري يقطع الأحجار ويُضرب في السجون، لكن لا أعتقد أن عبد الناصر قال موتوا شهدي عطية مثلاً.
وتأتي شهادة فتحي رضوان وزير الإرشاد القومي في حكومات ما بعد يوليو، الذي كان يكتب خطابات عبد الناصر وقتها، إضافة إلى كتابته بالأمر مقالاً لإسقاط دستور 1923، حتى يمهد الطريق لدستور 1956. فيذكر مؤكداً أن «استقطاب المثقفين له ألف طريقة وطريقة، على سبيل المثال يستطيع أن يجعل منهم مسؤولين، ليس من أجل صيد المثقفين، ولكن من أجل استقطابهم والإفادة منهم». أما عن الزج بهم في السجون، فيبرر قائلاً «كان عبد الناصر يكن احتراماً بالغاً للمثقفين، فقد كان يهتم جداً بهم.. غير أن وسائل الاتصال بالمثقفين لم تكن متوافرة لديه، لمشاغله وللمؤامرات والمتاعب التي كان يواجهها رجل كبير مسؤول مثله».

الخديعة

وفي شهادة محمود أمين العالم، الذي يكن له حتى المختلف معه احتراماً كبيراً، يقول بداية: «كنا نؤيد الثورة تأييداً مطلقاً، بدون أن نهتم بنقد تعاملها مع الجماهير، كنا نؤيد الثورة في موقفها ضد الاستعمار والصهيونية، وفي تقديري الآن لو أننا اهتممنا بمقولة الصراع الطبقي والمطالبة الجماهيرية لكان يمكن أن نحقق نتائج أفضل». وعن حل الأحزاب والتنظيمات الشيوعية، يذكر «بعد أن خرج اليسار من السجون أحسوا بالخديعة، كان الخروج مقترناً بمفاوضات واتفاقات، لكن بعد أن خرجنا أحسسنا بالخديعة، لقد اهتم النظام بأفراد، في حين لم يهتم بآخرين، فقد تم توظيف البعض في مراكز كبيرة، أو مؤسسات مهمة، بينما أهمل الآخر تماماً. فكان من الخطأ حل الحزب، كان ينبغي أن يحتفظ الحزب باستقلاليته، ثم يدخل ما يشاء». وأخيراً يأتي رأيه في علاقة سلطة يوليو بالمثقفين، فيقر بأن «السلطة تحاول دائماً احتواء المثقف واستيعابه لخدمتها، فالسلطة لا تحكم فقط بالبوليس والجيش والعنف، وإنما تحكم أيضاً بالأيديولوجيا. إن كل سلطة ضعيفة لها من المثقفين مَن يدافعون عنها».

إتربيت ولا لسّه؟

ومن شهادة إحسان عبد القدوس، نستشهد بهذا المقطع الدال، إذ يقول بعد خروجه من السجن.. ما كدت أدلف إلى منزلي بعد خروجي من السجن مباشرة، حتى تنامى إليّ صوت جرس التليفون، وكأن مَن يريد أن يحدثني كان يعرف بالدقيقة متى سأدفع باب منزلي، ومتى تقترب قدمي من التليفون، وحين رفعت السماعة عرفت أن المتحدث كان جمال عبد الناصر شخصياً، وقبل أن أردد الكلمة لتقليدية (آلو) جاءني صوته ضاحكاً.
ــ إتربيت ولاّ ما اتربيتش يا إحسان؟
ــ والله أنا مش عاف أتربى من إيه علشان أقول لك
فقال باقتضاب وفي شبه أمر: تعال أفطر معايا بكرة
وذهبت بالطبع فأنا لا أملك غير ذلك، ورغم مظاهر الترحيب، إلا أن شهور السجن أكدت لي أن الأمور تغيرت.. لقد تحول الصديق الآن إلى حاكم، ووجدت نفسي أناديه دائما.. يا ريس. ولأن عبد الناصر كان ذكياً، فقال لي حينئذ: إيه يا إحسان هو السجن عمل فيك كده؟
قلت: عمل أكتر يا سيادة الريس.
كان التصور العام إنه لا يوجد مجال للديمقراطية، أو تعدد السلطات خارج إطار الثورة، ليس خارج إطار الثورة فقـط، وإنما أيضاً خارج قيادته.

في عالم آخر

وفي سياق مختلف، تأتي شهادة أحمد سعيد مُذيع إذاعة صوت العرب، إذاعة كذب وفضائح يونيو 67. فيذكر في تباهٍ «كنا في عالم آخر غير العالم الإذاعي.. كنا نتبع المخابرات، وجاء صلاح سالم في يوم وأبلغني بضرورة أن نأتي بأولئك المثقفين. فأجبت: يا افندم إحنا نجيبهم في أحاديث فقط، لا في تعليقات.
ــ ليه؟
ــ لأن هناك جبهة اسمها الجماهير العربية أعرف كيف أحركها، تخرج في مظاهرة في بيروت أو عمّان ضد هذا الحزب أو ذاك، هذه تحتاج إلى نوعية خاصة في أسلوب التفكير والكتابة والأداء. لم يكن أحد من المثقفين يعارض الثورة في شيء، خاصة في الخمسينيات، لم يكن يعارض سوى التنظيمات الإخوانية واليسارية فقط… جبت طه حسين، كان مزرجن، جبت العقاد كان مزرجن جداً، لدرجة إني هددته بأني هبلّغ… جبت له 14 متحدثا أول أسبوع، لقيت المخابرات بتتصل وتقول لي: ماذا حدث؟ المنطقة نامت، أين المثقف؟ أين أنت؟

فوت في الحيطة

أما مصطفى أمين، الذي اشتهر بأدواره المختلفة والمتناقضه ككثيرين غيره، فيذكر قائلاً.. كان المثقفون في أعماقهم يتمنون التعاون مع عبد الناصر، لكن عبد الناصر لم يهتم بذلك. وأذكر سألته مرّة: لماذا حين يخلو منصب وزير تقوم بتعيين عسكري وليس مدنيا مثقفا مثلاً بدلا منه؟ فأجاب، إن العسكريين أكثر طواعية لي من المدنيين، العسكري لما أقوله فوت في الحيطة دي يسمع الكلام، إنما حين أقول لك إنت كمدني فوت في الحيطة، سوف تتردد، وتدخل في حوار معي قبل أن تفكر. فأنا أريد مَن ينفذ الأوامر، والضباط هم أكثر من غيرهم سمعاً وطاعة للأوامر. ويستطرد أمين، المثقف دائماً ضعيف أمام القوة، وفي وجود الخوف لا وجود لأي موقف شجاع. ونلاحظ في هذا الصدد أن القيم الفكرية والأدبية كانت مزدهرة قبل الثورة، ذلك لأن المناخ وقتها كان يقدر المثقف، أما بعد الثورة فقد كان الخوف من المثقف يقترن به العنف معهم.
وفي الأخير يستشهد بواقعة مجلة «الطليعة» قائلاً.. لما سمح لمجلة «الطليعة» بالصدور بأصحابها الشيوعيين قال لي «أنا عملت ورقة تغري الذباب كله بالوقع فيها، أمسك بهم كلهم بدل ما ينزلوا تحت الأرض». فعبد الناصر لم يكن مقتنعاً لا بالشيوعيين ولا بالإخوان ولا بالرأسماليين، كان ينتمي لنفسه فقط.

مَن هم العسكر؟

ومن جانبه يقر بداية أمين هويدي رئيس جهاز المخابرات ووزير الحربية في عهد عبد الناصر أن «أكبر خطأ تقع فيه الحركة الوطنية هي أن تعزل جزءا من مواطنيها بحجة أن هؤلاء عسكر لا يفهمون. مَن هم العسكر؟ إن هؤلاء يتأججون وطنية تماماً مثلهم مثل غيرهم. ومن هذا التصوّر المتسق تماماً وتركيبة الرجل، يقول رأيه في المثقفين .. تستطيع إذا عدت للفترة الناصرية، ثم الساداتية، أن تضع يدك على كثير من مواقف المثقفين والرواد في الفكر، وقد عرفتهم وأنا مسؤول في تلك الفترة، وكشاهد أيضاً. إرجع لكتابات الحكيم ثم إلى كتابات مصطفى أمين، ماذا كان يكتب في الفترة الناصرية، ثم ماذا كان يكتب في الفترة الساداتية، حتى هذه الأيام في نهايات القرن العشرين، المثقفون سوف يصيبونك بالمرارة، هؤلاء الذين يحملون سمة المثقف ويعملون لمصلحتهم الذاتية القاصرة، بدون اهتمام بالواجب، فقط الواجب ينصرف إلى الانتهازية، أليس هذا هو المثقف الآن؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية