ليس إسرائيل اليوم من يعتقد أن نصر الله يبحث عن مواجهة كاملة مع إسرائيل. لأن يقدر بأنه وإن كان نصف سلاح الجو الإسرائيلي في الأهلية الكاملة، وأن نصف قواتها البرية والاستخبارية هي التي ستكون عملياتية، فإن حرباً “كاملة” تبدو فكرة سيئة في نظره وللبنان ولسيده في طهران. ما يهم نصر الله هو أن يحافظ على جيوشه كي يتمكن من مواصلة التحكم بلسان، مثلما هو مهم له أن يمتنع عن الاتهام بأنه جلب الدمار إلى الدولة. ومن المهم لطهران أيضاً أن يحافظ على جيشه ليوم الأمر، حين تهاجم إسرائيل منشآت النووي في إيران. لكن نصر الله يحتاج حاجة ماسة لإنجازات جارية ومغطاة إعلامياً جيداً تجاه إسرائيل.
بسبب الأزمة الاقتصادية العميقة التي يتهم الكثيرون بها نصر الله في الانتخابات الأخيرة في لبنان، فقد ائتلافه الأغلبية البرلمانية. للمعارضة الآن أغلبية متواضعة، لكنها لا تكفي حسب الدستور اللبناني. للرئيس صلاحيات واسعة، لكنه ينتخب في البرلمان وليس في انتخابات عامة مثلما في الولايات المتحدة. المطلوب أغلبية الثلثين في البرلمان في الجولة الأولى للرئاسة. ولا أحد يملك أغلبية كهذه.
يخشى نصر الله من أن تنجح المعارضة في النهاية في انتخاب رئيس كما تشاء فيصدر أمراً رئاسياً أو حتى يوجه البرلمان لسن قانون يلزم الحزب بنزع سلاح ميليشيته وفقاً لقراري 1559 و1701 لمجلس الأمن. حتى الآن استثُني مقاتلو “حزب الله” لأنهم ادعوا بأنهم يحمون سيادة لبنان من إسرائيل، غير أنهم بعد أن أيدوا اتفاق الحدود البحرية مع إسرائيل فقدوا هذه الحجة. صحيح أن بإمكانهم منع نزع سلاحهم من خلال استخدامه: الجيش اللبناني عديم الوسيلة أمامهم، لكن نهجهم ونهج السيد الإيراني ذكي: من المهم أن يظهروا كممثلي الشعب اللبناني، وبدون دعم أغلبية الجمهور وعلى الأقل البرلمان والرئيس، فهذا غير ممكن. وعليه، فمن الحرج أن يأتوا إلى وسائل الإعلام كي يضربوا مثلاً على أنهم يواصلون الدفاع عن السيادة اللبنانية. فأين تنخرط هذه الحاجة مع الشكل الذي يفهم فيه نصر الله نتنياهو وإسرائيل؟
يفهم نصر الله بأنه إذا ما نشبت حرب واسعة، فالمعارضة الإسرائيلية ستدعم الحكومة. حتى لو اتهم أحد ما في إسرائيل نتنياهو بمبادرته للحرب كي يكم أفواه المحتجين على الثورة التشريعية، فليس هذا هو التشجيع لأعمال “حزب الله” الكثيرة تجاه إسرائيل؛ التشجيع على الشجاعة هو الساحة الخارجية. يقدر “حزب الله” أن نتنياهو إذا ما رد بحزم على المناوشات الصغيرة والمغطاة إعلامياً من جانب “حزب الله” وتدهور الأمر إلى حرب، فإن الغرب سيصدق بأنها مبادرة من رئيس الوزراء كي ينهي مظاهرات المعارضة، وعليه فسيحظى نتنياهو بشجب حاد للغاية في الغرب.
رغم أن إسرائيل ستتعرض لضرر هائل، بدون دعم دولي، سيتعين على نتنياهو أن ينسحب فوراً، وأن ينهي المعركة. وهكذا يمنح “حزب الله” نصراً مبهراً وحصانة بمواصلة المناوشات. المعنى هو أن نصر الله يفهم بأنه محظور عليه أن يقدم لإسرائيل هدية في شكل عملية متطرفة جداً تبرر رداً حاداً. غير أن ليس له أيضاً حاجة لذلك، يكفيه طريقة القطاعي: أعمال صغيرة ومتواصلة من أجل السيادة اللبنانية، تهين إسرائيل وتتخذ صورة جميلة. المشكلة أولاً أن مثل هذه الأعمال قد تخرج عن السيطرة. ثانياً، رئيس الوزراء ليس مجبولاً من الفولاذ؛ وعندما يوصي الجيش ويتوقع الجمهور رداً حازماً، فسيعمل هذا الجيش، وإلى أن يوقف فسيكون الضرر الذي لحق بلبنان و”حزب الله” هائلاً أيضاً. المشكلة: إضافة إلى أن نصر الله في مشاكل في لبنان، وأن ليس لإيران معارضة في إهانة إسرائيل قليلاً، يبدو كمن سيطر عليه مزاج السمو الروحي والأمر يشجعه على العمل.
البروفيسور اماتسيا برعم
معاريف 19/7/2023