في صالون الكتاب بالجزائر: أهواس الغائب السياسي وهواجس الغيب الديني

حجم الخط
0

افتتح بداية هذا الاسبوع بالعاصمة الجزائرية معرضها الدولي للكتاب وهذا وكما درجت عليه العادة، ومن دون استراتيجية واضحة ومتقصدة من جانب الجهات الوصية والمنظمة للتصحيح في مسار الاستثمار العقلي والاقتصاد الثقافي، إذ من خلال ايام اسبوعه الأول نلمس أن نسخة عامه هذا سوف لن تشذ عن سابقاتها وذلك على جميع الصُعد لا سيما على صعيد ما قٌدم من منتوج فكري ثقافي من قبل دور النشر الجزائرية، حيث تبرز مجددا الهيمنة الكلية على هرمية المبيعات لثنائية الكتاب السياسي ذي البعد التاريخي المذكراتي، والديني ذي النزعة الخرافية هاته المرة وليس التأسيسية ذات الفكر الحركي أو الاصلاحي التي ميزت المنتج المعرفي لهذا التيار على مدار العقود المنصرمة.

ثنائية الدين والسياسة بلا دين ولا سياسة !
من خلال ما لاحظنه بخصوص المعروضات تتجلى حقيقة صادمة بخصوص التحول الذي يعرفه سوق المعرفة والمطالعة بالجزائر (على ضآلته) وهي أن رداءة ما ينتج وما يعرض وما يقتنى، لم تعد تقف عند حد ثنائية السياسة والدين التي طالما كانت عُرضة للنقد من قبل راصدي حراك المعرفة، بل زادت على ذلك بأن طالت طبيعة ما يكتب وما يعرض وما يطلب في هذين الحقلين المتضادين على مستويي المعرفة والسياسة في آن، حيث لوحظ أن المنتج السياسي في عالم الكتابة بالجزائر قد اختزل في مذكرات متقاعدي السياسة والجيش، في حين باد عصر كتاب الفكر الاسلامي فقهه مع أفول التيار الاسلامي بالجزائر بشكل راديكالي وجذري وحل محله ما تحترف حاليا أقلام طالبانية، وهذا في أحسن الاحوال وفي أسوأ الأهوال ـ إن جاز الوصف ـ ما ‘تخترفه’ الاقلام المشعوذة في صورة الشيخ المرقي ‘بلحمر’

قلم السياسي.. حبر للذكريات لا للمذكرات !
جلي عن التوضيح ما هو سائد في المشهد السياسي الوطني بالجزائر حيث يغيب عنصر الرصد والنقد لما هو سائر في دواليب السلطة والنشاط الحكومي، وبغض الطرف عن مسببات ذلك التغييب، فإن ما ينبغي الاقرار به هو ما أفرزه من طبيعة الانتاج في الحقل السياسي بات يسهم في حالة الموات والجمود في هذا المجال وهذا تماشيا والإرادة الفوقية التي تروم قتل الفعل السياسي بالجزائر بشكل بطيء وصامت، وعلى هذا الاساس تم اختزال الكتابة السياسية كما هو بائن، في ما يخط وينتج من ذكريات لا ترقى إلى مستوى المذكرات حتى، من قبل بعض مسؤولي السلطة السابقين والذين غالبا ما يثيرون قضايا خلافية للماضي وليس للحاضر ولا للمستقبل، وتسلط عليها الاضواء وتفرد لها مساحات كبرى من جهة الاعلام المكتوب والمسموع والمرئي ويتم بها تحويل اهتمام الرأي العام بشكل غريب ومريب.
السياسة بين الاغتيال والاختزال
والحقيقة أن اختزال السياسة في الكتابة التاريخية عنها عبر ما ينشر من مذكرات من قبل ساسة الامس الذين هرموا عمرا ووظيفيا، لم يكن خيارا حرا من هؤلاء لملء الفراغ القاتل الذي يشكوه الادب والكتابة السياسيان بالجزائر، بل فرضته حال السياسة بالجزائرحيث يُغيب حراكها الحر والتلقائي بشكل كلي، مما حال دون انبثاق سوق قوية للكتاب السياسي بالجزائر، إذ لا يمكن تصور حدوث أي تطور في هذا الحقل في ظل الغياب الكامل لمصداقية العمل السياسي والحزبي الجدي بالبلاد، ففعل السياسة كان دوما محل استرابة ونبذ في المخيال الجمعي الذي تواطأ عبر مدارج السنين على تسميتها بـ’البوليتيك’ تحقيرا لها و تنفيرا منها وهذا حتى في عز وهج أيامها فما بالك بها اليوم وقد تدنست بالمال الوسخ والمغسول على حد سواء.

السياسة خارج تحليل معاهدها بالجزائر
وبالإضافة إلى عدم توافر فضاء الحرية الكامل الذي يسمح بممارسة نقد موضوعي يستهدف حال المشهد السياسي للبلاد بكل مكوناته السلطة والمعارضة والشخصيات الفاعلة بينهما، ثمة عائق كبير يحول دونما تحقيق نتاج مميز في الكتابة السياسية وهو ذاك المتعلق بالمعطيات الميدانية والرقمية الحقيقية لما هو جار في حقلي المسؤولية السياسية والسلطوية بالبلاد، مما راكم وبشكل فطري ورديء من قيمة الانطباع الارتجالي الصحافي على حساب التحليل النقدي الموضوعي، وليس الامر ينحصر في هذا الخصوص في فضاء الكتابة السياسية الصحافية، بل تعداه إلى ما ينتج داخل الفضاءات الاكاديمية اذ لا نكاد نقرأ بحثا أو مقالا أو دراسة تنصرم قليلا من غمة التنظير الافقي و تنفذ الى عمق الواقع السياسي بالجزائر.

انسداد الواقع ولد انشدادا للحظة انبثاق الدولة والسلطة بالجزائر
هذا الانسداد في المقصود والمؤسس للاقف السياسي الذي نجم عنه توجس الاقلام والأعلام من محاولة الكتابة النقدية عن حاضر سياسة بالبلاد، جعل الكل ينشد إلى ماضيها بشكل ملفت للانتباه، حيث شوهدت في بعض المرات طوابير طويلة للزبائن على اجنحة بعض دور النشر ممن تعرض مذكرات بعض السياسيين المخضرمين الذين تناولوا التأسيسات الاولى للسلطة للجزائر لا غير، وهذا ما يمكن التعبير عنه بكونه مسعى ممن لا يزالون يقرؤون عن السياسة لفهم طبيعة التركيبة السلطوية للجزائر التي حدثت مع الانفجار الاعظم الذي اعقب لحظة استقلال البلاد عام 1962 وذلك بوصف تلك السلطة الراعية والراهبة الازلية لحراك السياسة بالجزائر إلى غاية يوم الناس هذا.

الظل المستديم لأزمة 1962
وحتى إذا ما تمعنا في الكتابة التاريخية لا الواقعية عن حال السياسة وصراع السلطة كمحور فيها، فإننا لا نلبث أن نكتشف أنها في وسوادها الأعظم مما حوته مذكرات قدامى السياسة مجرد تصفيات حساب السنين فيما بينها لا غير، وهو ما لم يسهم في إثارة نقاش جدي حول ما جاءت به شهادات هؤلاء حول حقيقة الصراع حول طبيعة تشكل السلطة، بل غاية ما أفرزته هو صراع وخصام بين أسر تلكم الشخصيات تطور بشكل متسارع عبر كل المرافق إلى أن وصل الى دور المحاكم بتهم التزوير والكذب والتلفيق من هذا ضد ذاك، ظاهرة أكدت بشكل قاطع الانسداد التام للمسرح السياسي الجزائري الذي بات عاجزا عن إثارة نقاش إعلامي وسياسي جدي حول قضايا سياسية ولو من أعماق ماضي البلاد البعيد.

تحول في نمط الاقبال على الكتاب الديني
وبالرجوع إلى الطرف الثاني من معادلة الكتاب المهيمن على عقول القلة القارئة في الجزائر فإننا لنلفي تحولا رهيبا في نمط الموضوعات التي باتت تستأثر باهتمام القارئ لهذا النمط من المعرفة، إذ وبعد أن ظل الانتاج الحركي والفكري والفقهي يستحوذ على خيارات قراء المعرفة الدينية والإسلامية على وجه التأكيد، اتضح أن ثمة اختراقا لهذا الفضاء الكبير من قبل الطبقة المشعوذة والسلبية في التراث المعرفي الديني، وهذا من خلال عرض غير عادي لكتب تتناول عالم الغيب والاخبار على حساب عالم الشهادة التأسيسي، بل المصيبة الكبرى أن الكم الهائل والمهول في هذا الاتجاه شكله الكتاب الخرافي الذي صار يجد له مكانا في جمهور قراء المعرفة الدينية، ودلل الأمر بما لم يعد معه مجال للارتياب انهيار المشروع التوعوي الحركي الاسلامي، وسقوط نخبويته الفكرية والثقافية تداعيا لسقوط نخبه السياسية في حلبة الصراع المشاركة منها والمغالبة.

‘بلحمر’ يهوس الناس
وهكذا فوجئت النخب وصُعقت بالمعرض الدولي وهي ترى المشعوذ الاول في الجزائر وقد حاز له ركنا في بهو الصالون الدولي للكتاب يتقبل فيه طابورا لا متناهيا ومتهافتا لزبائنه يبيعهم خزعبلاته بالتوقيع، في وقت لم تجد العديد من الاقلام الجادة من تلكم الدور التجارية التي تدعي العناية بالنشر من يطبع أعمالها الراقية، الشيخ المرقي ‘بلحمر’ تحول بقدرة قادر الى نجم في عالم التأليف مثلما تحول صاحب الدربوكة في فرقة عبد الله مناعي، عمار سعيداني إلى رئيس أحد ابرز الأحزاب الثورية في خمسينيات القرن الماضي، ونعني به حزب جبهة التحرير الوطني الذي اسسته عقول فكرية وسياسية تركت خلفها بعد أن رحلت عن عالمنا صيتا مستديما من قامة عبد الحميد مهري، رابح بيطاط ومصطفى لشرف وغيرهما.
مثل بلحمر في تسلق المشهد الكتابي الديني بالجزائر، كمثل بلوغ عمار سعداني قيادة حزب السلطة مما يؤكد أن قيم المعرفة التي ينبغي أن يبنى على قواعدها المجتمع لم تعد مجدية في الواقع الجمعي، وهو ما سيعكسه تفشي الفساد الشامل افقيا وعموديا يمينا ويسارا وسطا وعمقا في المجتمع الجزائري الجريح.

*كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية